نهاية الدولة أم ما بعدها؟

09 نوفمبر 2025
+ الخط -

هل يمكن أن تسقط "فكرة الدولة" نفسها كما سقطت حضارات وإمبراطوريات من قبل؟ هل الدولة الحديثة، التي تحوّلت إلى مرجعية فوقيّة قسريّة، لا تزال أداة خادمة للناس أم أصبحت سيّدة عليهم؟ ما البدائل الواقعية أو الأخلاقية لتنظيم المجتمعات بعيداً عن نموذج الدولة المركزية المُتجبّرة؟

وفي المقابل، لو تجاوزنا مسألة تحسين نموذج الدولة اجتماعياً واقتصادياً، هل يمكن العيش من دونها؟ أو بأقلّ قدر منها؟ هل يمكن الخروج من سردية الدولة بوصفها النموذج الأمثل لنهاية التاريخ البشري؟! 

يتفق أهل الفلسفة وعلم الاجتماع أنّ الدولة ضرورة وجودية لحضور الإنسان في شتى العصور والأزمان، ولا يمكن النظر إليها بوصفها "تجريداً تاريخياً" لا صلة لها بالواقع البشري، أو مجرّد نسق قانوني يضمن الحقوق والواجبات، بل هي أشبه بظاهرة مُعقّدة ومركّبة من سلسلة من الأفكار المختلفة، المُتباينة تارة، والمُتناقضة تارة أخرى.

ولا مناص من الاعتراف بأنّ فكرة وظاهرة الدولة سارية في التاريخ، ولا سيما أنها تتّصل بقضيتين حيويتين: الأولى حياة الإنسان، والثانية ظاهرة نظام تشكّل الأفراد والجماعات وتكوينهم ومصيرهم عبر التاريخ.

يقول المؤرخ الأميركي جوزيف شتراير (1904 - 1987): "قد نشكو اليوم من متطلبات الدولة، ونحتج ضد تعدياتها المتزايدة، ولكن يستحيل علينا التفكير في الحياة بدونها". 

تنهار الدول حين تتآكل شرعيتها من الداخل، بفعل الظلم والفساد وغياب الرؤية، وتحللّ العقد الاجتماعي الذي يربطها بشعبها

لطالما شغلت مسألة نشأة الدولة الفكر السياسي منذ القدم، ومع ذلك، لم يعد سؤال "كيف نشأت الدولة؟" سؤالاً ملحاً بقدر ما هو اليوم سؤال "كيف نتجاوزها؟"، في عالم يزداد فيه نفوذ الدول وتضخّمها، لكن في الوقت نفسه تتآكل شرعيتها ووظائفها، فتبرز الحاجة إلى تفكيك هذا الكيان وإعادة تخيّل الاجتماع البشري خارج قوالبه.

نشأت الدولة الحديثة في الفكر السياسي بوصفها جهازاً للضبط أكثر من كونها تعبيراً عن تعاقد حر، وعبر أدوات: كالسجلات المدنية، والتعليم الإجباري، والجيوش النظامية، باتت الدولة ليست فقط سلطة سياسية، بل منظومة يومية لا فكاك منها، وهي بهذا ليست كياناً فوق المجتمع، بل جزءٌ من نسيجه، تتغذّى على مراكزه وتُعيد إنتاجه وفق معايير السيطرة.

لكن، هل بقيت الدولة الضامن الوحيد للتنظيم والعيش المُشترك؟

في العقدين الأخيرين، نشهد ما يمكن تسميته "تعرية السيادة": فالدول التي كانت تُؤسِّس سلطتها على "الحماية مقابل الطاعة"، أصبحت عاجزة عن توفير أركان الحياة والأمان والحماية أمام (الفقر والبطالة، توزيع غير عادل للثروة، الأوبئة، الكوارث، الحروب) وتُطالب في المقابل بالمزيد من الطاعة!

المشكلة ليست في وجود الدولة؛ ككيان؛ بل في غياب معناها الأخلاقي، ومسخها الوجود البشري.

أضف إلى ذلك صعود الهُويّات، الاقتصاد العابر للحدود، التكنولوجيا، والحوكمة العالمية، وكلّها عوامل سحبت البساط من تحت الدولة الوطنية بوصفها الشكل الأوحد للتنظيم السياسي!

التاريخ لا يؤيّد فكرة أنّ الدولة كانت حتمية، ويرى بعض المفكّرين أن البشر عاشوا آلاف السنين في مجتمعات لا-دولتية، غالباً أكثر حرية وعدالة، وقد قاوم الكثيرون التحوّل إلى تنظيم سياسي كالدولة، وفضّلوا العيش في الجبال والكهوف والمرتفعات على الخضوع لمركز السلطة السياسية!

تسقط الدول حين تتحوّل من خادمة للناس إلى سيّدة عليهم، حين تصبح فوق القانون والأخلاق، وتُوظّف المؤسسات لتكريس هيمنة نخبة ضيقة، وتنهار الدول أيضاً حين تتآكل شرعيتها من الداخل، بفعل الظلم والفساد وغياب الرؤية، وتحللّ العقد الاجتماعي الذي يربطها بشعبها.

في ظلّ هذا الأفق المسدود، لا بُدّ من التفكير في بدائل واقعية وإنسانية تُعيد تنظيم حياة البشر من دون الوقوع في فوضى أو استبداد جديد، مثل صياغة عقد اجتماعي عصري قِيمي يعيد تعريف السلطة على أساس الحقوق لا الامتيازات، ويضمن تداولها، ويُخضعها لمحاسبة دائمة.

الدولة ليست قدراً، هي مجرّد احتمال من بين احتمالات أخرى

يمكن أن تخضع فكرة الدولة برمتها لمراجعة قِيمية شاملة، تضع في الاعتبار "الرسالة الأخلاقية" للمجتمع، وتجعل من القانون خادماً للعدالة لا أداة للهيمنة، ويكون فيها القرار السياسي مرتبطاً بحماية الكرامة الإنسانية، لا بخدمة موازين القوى والنُخبة فقط.

لسنا بحاجة "لطوفان نوح" جديد لإعادة تشكيل العالم، بل إلى يقظة حضارية جديدة، و"صحوة" إنسانية توقظ الضمير، وتحرّر الإنسان من عبادة الكيانات وتقديس رموزها، فالمشكلة ليست في وجود الدولة؛ ككيان؛ بل في غياب معناها الأخلاقي، ومسخها الوجود البشري.

بلا شك، لسنا أمام حتمية سقوط الدولة كفكرة، بل أمام لحظة مراجعة شاملة: فقد تتطوّر الدولة إلى نماذج أكثر إنسانية وعدالة، وقد تنهار بعض الدول بفعل ظلمها الداخلي أو غطرستها الخارجية. فهل يمكن التفكير بتنظيمات اجتماعية خارج نموذج الدولة التقليدي، مثل مجتمعات تشاركية، لامركزية، تعتمد على التعاون لا الاحتكار، وعلى التفاوض لا الإخضاع؟

الدولة في النهاية ليست قدراً، هي مجرّد احتمال من بين احتمالات أخرى.

ياسر قطيشات
ياسر قطيشات
باحث وخبير ومؤلف في السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية، من الأردن.