"نمبر وان" وسباق التطبيع

24 نوفمبر 2020
+ الخط -

في العام 2013  تقريبا عرض واحد من أهم الأفلام الشيقة التي قدمها النجم المغضوب عليه محمد رمضان  تحت اسم "قلب الأسد"، كان الفيلم يتحدث عن طفل صغير تعرض للاختطاف من قبل لص صاحب سيرك وحاول بيعه لأسرة غنية لكنه فشل في ذلك، واضطر اللص صاحب السيرك لتربية الابن الصغير المختطف في السيرك، ليعيش الطفل حياة استثنائية جعلته غير قادر على التأقلم مع المجتمع، وحولته الظروف القهرية إلى سارق وبلطجي..

وفي يوم من الأيام يقدم الطفل المختطف الذي صار شابا على سرقة سيارة فارهة تعود لعضو في مجلس الشعب وتاجر سلاح، وتبدأ من هنا قصة إدماج البلطجي تحت حماية السلطة والنفوذ، فبعد القبض على محمد رمضان من قبل رجل الأعمال وعضو مجلس الشعب الراحل القدير جدا حسن حسني، يطلب منه أن يعمل لحسابه ويدخل إلى عالم جديد من البلطجة المحمية..

لن أسرد الفيلم كاملا فلعل كثيرين تابعوه، بل بعض النقاط التي تفيدنا في مقالنا هذا، فبعض زوايا قصة فيلم قلب الأسد لمحمد رمضان تشبه كثيرا قصة نجوميته التي طغت مؤخرا، وإدماجه دونا عن جيله في السياسة وتلميعه، في بلد عظيم فنيا كمصر ومليء بالنجوم كياسر جلال وكريم عبد العزيز وغيرهم، ولن أتحدث عن الجيل الذهبي في الفن المصري كمحمود عبد العزيز وأحمد زكي ونور الشريف ومحمود ياسين الراحلين الجدد عن الساحة الفنية العربية، ولا عن النجم الأول عادل إمام صاحب فيلم السفارة في العمارة المناهض للتطبيع، وهو من الأعمال العربية الجميلة الخفيفة الذي واجه فكرة التطبيع بخفة الدم وكوميديا المشهد التي يتقنها معشوق الجماهير الزعيم عادل إمام.

محمد رمضان ظاهرة فنية تم تلميعها أكثر من اللزوم، وأخذت أكثر من حقها مقارنة بجيل كامل من الفنانين  المصريين، فـ"نمبر وان" كما يسمي نفسه هو صاحب المشاهدات الأعلى في مصر وصاحب مساحة الحضور الأكبر إعلاميا، وصاحب الكليبات والأغاني الشعبية المثيرة للجدل، ذات الكلمات الغريبة العجيبة كقوله عن نفسه إنه "نمبر وان"، فلم يسبق لأحد أن قالها، وفيهم عادل إمام، وقد كان فيهم حسن حسني ومحمود ياسين وفريد شوقي وسعيد صالح والعالمي عمر الشريف والقائمة تطول..

محمد رمضان الآن أمام المساءلة، لكن هل هو  وحده من يستحق ذلك؟ هل هو الوحيد في سباق الفورميلا وان نحو التطبيع؟

فالأسطورة بكل ما تحمله كلمة أسطورة من معان ليس آخرها الخرافة، يتمتع بدم ثقيل وتعال، ألم تأتيك قصته مع الطيار  أشرف أبو اليسر الذي تم إيقافه عن العمل بسبب حب الظهور للنجم اللامع، وتلك قصة ظلت لأسابيع حديث الناس في مصر، وقد ادعى النجم يومها على الطيار بتهمة الابتزاز المالي إلى جانب قطع رزقه، هذا غيض من فيض، فمن كان يحلم بأن يخلف الأسطورة الحقيقية أحمد زكي صاحب التاريخ السينمائي الهادف، يسير في عكس اتجاه النجم المحبوب، فهو عبده موته يجمع بين جريمة البلطجة والسرقة والنهب وبين شهامة أبناء الأحياء الشعبية، وهو أيضا الألماني ويتمتع  بقلب الأسد وهو ابن الصعيد الغلبان الذي يكافح من أجل الحصول على الوظيفة، وهو أخيرا  البرنس الذي يسجنه أشقاؤه ويقتلون زوجته وينتقم منهم وينكل بهم في الأخير.

كأنه في  أدواره مجبر على لعب دور البلطجي وعلى القتل والنهب، تجبره الظروف أحيانا والسلطة والنفوذ في أغلب الأحيان، فهو ليس بالحر الطليق وإن كان يمتلك موهبة فنية لا ينكرها عاقل ومتابع للسينما، كما أن هناك ما يعيبه كثيرون على محمد رمضان هو نقص الثقافة والاطلاع، وذلك حديثه الشهير عن نظرية الثابت والمتحرك التي شغلت الدنيا وملأت الناس ضحكا وسخرية من نظريات نمبر وان، فالفنان عليه أيضا أن يثقف نفسه حتى إذا ظهر على الشاشة استطاع أن يعرف ما يقوله، ولدينا أمثلة عديدة من فنانين يعرفون ما يقولون خلال لقاءاتهم التلفزيونية، كقدوة محمد رمضان أحمد زكي وعبد الرحمن أبو زهرة ونور الشريف وياسر جلال.

يقول المؤلف والناقد الإيرلندي الشهير جورج برنارد شو إن الأحمق من يرى أن الفلسفة ثرثرة والعلم خرافة ويختزل الفن في رسمة أو مشهد يؤديه أمام الكاميرا، وذلك ما ينقص محمد رمضان بحسب نقاد كثر سمعت حديثهم عن الفنان المغمور، الذي يعيش في وضع لا يحسد عليه، فالنجومية هي مثل أحلام اليقظة تجعلك ملكا في حلم وقد تستيقظ منه وأنت في السجن، ترفعك للسماء في لحظة وتنزلك للأرض في لحظة، في الأخير هناك جمهور هو الذي شجعك على موهبتك وقد يغضب منك لأخطائك المتكررة، والتي منها ما لا يغتفر كموضوع حساس مثل موضوع  التطبيع مع الكيان الغاصب.

وفي الأخير جاءت قصة النمبر وان والجندي الإسرائيلي في أرض الإمارات كنكبة جديدة من نكباته ودرس عليه أن يتعلم منه، وقد أصدرت نقابة المهن التمثيلية في مصر قرارا بطوليا بإيقافه عن التمثيل لحين الانتهاء من التحقيق، وهو قرار يمثل جميع فئات الشعب المصري والعربي، ويحيي وجدان قضية فلسطين لدى أبناء المحروسة، والتي لا يمكن المزايدة عليهم فيها، فهم أول من حارب من أجل فلسطين وناهض من أجلها..

محمد رمضان الآن أمام المساءلة، لكن هل هو وحده من يستحق ذلك؟ هل هو الوحيد في سباق الفورميلا وان نحو التطبيع؟

عزيزي القارئ يؤسفني أن أقول لك إنه وبالتزامن مع قصة رمضان  والجندي المجهول، كانت طائرة نتنياهو تهبط في بلاد الحرمين، والعهدة على الراوي من وسائل إعلام إسرائيلية على رأسها هآرتس، وإن كان وزير الخارجية السعودي قد نفى إلا أنه لا دخان من دون نار..

والذي بين أيدينا أن اللقاء قد تم بين الأمير محمد بن سلمان وبنيامين نتنياهو في أرض الله المباركة وقبلة المسلمين، والذي بين أيدينا أن الرياض بحسب كلام وزير خارجيتها لا تمانع في التطبيع مع إسرائيل، والذي بين أيدينا أن عواصم عربية كأبوظبي والمنامة والخرطوم أصبح قادتها يتفاخرون بزيارتهم للكيان الغاصب وبزيارته لهم، والذي بين أيدينا أن عواصم أخرى قد تكون في طريقها للتطبيع مع الاحتلال، وأننا نعيش في عصر التطبيع وعصر تهافت الساسة العرب على تل أبيب، وعصر التهافت على إرضاء العدو، وأن هناك ما هو أخطر من صورة محمد رمضان مع جندي الاحتلال، ذلك العار الذي سيظل يلاحق رمضان، هناك صورة أخرى أكبر وأخطر يتم رسمها لقضيتنا الأولى بدون فلسطين وبدون القدس عاصمة فلسطين..

وتلك الصورة يرسمها من هو أكبر من محمد رمضان، يرسمها رب البيت العربي، هذه الصورة هي التي شجعت "نمبر وان" وجرأته على تحدي الإرادة الشعبية الرافضة للتطبيع والمحبة لفلسطين، وقد قيل قديما إنه: إذا كان رب البيت للدف ضاربا فشيمة أهل البيت الرقص، وقد رقص محمد رمضان وفنانون ومثقفون إماراتيون وسعوديون على طبل رب البيت المطبع، فمن يستحق في النهاية لقب "نمبر وان في التطبيع"؟