نكبة متواصلة وتغريبة جديدة بمرارة صرخات استغاثية

نكبة متواصلة وتغريبة جديدة بمرارة صرخات استغاثية

17 مايو 2021
+ الخط -

الغربة تصير غربات. ثقيلة، موحشة وقاسية جداً كلّما أصاب غزّة عدوان إسرائيلي جديد. أجلس أمام التلفاز لا أتزحزح من مكاني، أتابع بشراهة كل المستجدات القادمة من القطاع الذي يسكن فيه أهلي، أنتقل من منصّة تواصل اجتماعية إلى أخرى حتى لا يفوتني خبر ما. يرتعش قلبي خوفا على مَن يقطن تلك البقعة الجغرافية التي لا تتجاوز مساحتها 365 كم مربع. منطقة عاشت وما زالت تعيش مآسي متكررة ولم تتشافَ بعد مِن جروحها القديمة الغائرة. 
مسكينة غزة، لا تلحق أن تتنفّس الصعداء إلا وعادوا بعدوان جديد أكثر همجية مما قبله. لا رحمة لا رحمة. بمناسبة اللارحمة تذكرت ما قالته أمي لي هذا الصباح حينما سألتها كيف حالك؟

أجابتني، ما قدرت أنزل من السرير، رجلّي مش حاسة فيهم من الخوف، هنا باستطاعتك أن تجرّب عزيزي القارئ أحاسيس الخواء، تيه الكلمات ومعنى أن تفتح فمك مشدوهًا لما سمعت.

الليالي الماضية كانت مثل "قاع الكيلة"، كل الفيديوهات التي شاهدتها من غزة كانت تعيد نفسها في رأسي مرارًا وتكرارًا والخوف يتغذّى على قلبي بلا هوادة. الخوف مِن أن يفوتك شيء ما والخوف مِن استمرارية متابعتك التي قد تجلب خبرًا مفجعًا يخصّ عزيزًا عليّ. هذا التناقض اللعين الذي يرميني بين نارين.

أن لا يكون لك حول ولا قوة فيما يحصل هو شعور عجز يزيد مرارة الغصّة داخلك، فيتمكّن منك الاختناق وتقول لنفسك إنه لأهون عليك أن تكون معهم ولا أن تراقبهم من بعيد فالصورة من بعيد قاتلة. أكتب وأعبّر عن مشاعري هنا وهناك فأجد أمي تربّت على كتفي قائلة: "ما تخافيش يا ماما"، فأخجل من طمأنة أمي و أستمد القوة منها ومِن كل أهلنا في فلسطين.

فلنعد للواقع ونسرد المشهد الآن من التلفاز، أعمدة دخان متصاعدة من أماكن متفرقة من قطاع غزة جراء غارات إسرائيلية تستهدف شققا سكنيّة لفلسطينيين عزّل، حتى المقابر لم تسلم منهم، فهناك قصف إسرائيلي استهدف مقبرة في ميدان فلسطين في قلب المدينة، أي أن الأحياء والأموات بالنسبة للكيان الإسرائيلي سواء، وكلّهم يشكّلون أهدافًا لوحشية اعتداءاتهم.

أفكر في شتاتنا الفلسطيني، وأبادر في مواساة جماعية لبعضنا البعض كمغتربين بما أننا نعيش التجربة ذاتها، تجربة أن تتواجد جسديّا على بعد مسافة من غزة. فأرسلت لبعض الأصدقاء لأطمئن عليهم وعلى عائلاتهم. ولكن الإجابات كانت بمثابة وخزات إبر. فخلال حديثي مع صديق يسكن إسطنبول، محمود أبو غلوة الذي يعمل كمخرج وشارك في مونتاج الكثير من الأفلام الوثائقية التي صوّرت فظاعة العدوان الإسرائيلي على غزة. تناقشنا عن كيفيّة تشوُّه الذاكرة بالحروب، وكيف يُمعن الاحتلال بمسح ذاكرة المكان، كيف يُعرّينا مِن خطواتنا الأولى، وكيف يسحق ذكرياتنا وماضينا؟!

"سنعيش طول عمرنا مشوهين"، هذا ما علّق به محمود. كان وقع هذه الجملة شديدا على سمعي مع أنني أعي جيدًا حقيقتها، ولكن بسبب طعم علقمها أسكت.

كم عائلة فلسطينية يجب أن تُهجَّر قسرًا؟ كم نكبة يجب أن نعيش؟ كم انتهاكا إسرائيليا بحق الفلسطينيين يحب أن يقدَّم للمحكمة الجنائية الدولية لكي يتم محاكمة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه؟

وعن وضعه اليومي يقول "الحرب من الخارج أصعب بكثير من خارجها، فهناك أنت أكثر أمانًا وأقل قلقًا فالقدر واحد ولكن عندما تكون في المنفى تموت في كل لحظة، مع كل صوت قصف وأهلك يصبحون كل شخص في فلسطين"

وفي ذات السياق تعبّر بيسان شحادة عن حالتها التي تفتقر لأي وصف قائلة: "فاتحة على كل مكان ممكن يجيب أخبار، بتابع لحظة بلحظة، بتواصل مع أهلي وبخبي خوفي ودموعي علشان يقووا فيي وأقوى فيهم، وإذا سمعت بقصف جنب بيت صحباتي، بتصل متل المجانين لأتطمن عليهم".

بالنسبة لمشيرة جمال التي تفكر في جدلية الحق في ممارسة الحياة بطبيعية من عدمه في ظل وجود أطفال يفقدونها. فتقول مشيرة "معقول من حقّي إني آكل وأشرب وأطفال وشباب بتنقتل في البلد". وتصف حياتها البائسة خلال الثلاثة أيام الماضية "حياتي واقفة، النوم بمساعدة حبوب منوّم، قهوة 24 ساعة، وعيني في الموبايل".

وعن وضعها النفسي، تشير مشيرة إلى أنها تعيش حرب 2008، 2012 و2014 في كل صرخة أم، طفل أو صوت القصف المتواصل على غزة.

أحاول التركيز في الكتابة من جديد، فأكتب قليلًا حتى يُذاع خبر يسرق جلّ انتباهي وعقلي، فأعود للمتابعة التلفزيونية التي تقذف كل الحمم البركانية من باطني.

كان الخبر عن ارتفاع حصيلة الأطفال الذين أضحوا شهداء هذه الغارات الإسرائيلية المتتالية التي بدأت تتساقط فوق رؤوسهم منذ العاشر من مايو. حتى هذه اللحظة استشهد واحد وثلاثون طفلًا. أحزن، أشتعل غضبًا وأسأل نفسي ما الذي زرعه هؤلاء الأطفال ليحصدوا موتًا غير رحيم؟! لم يزرعوا إلا ضحكاتهم وألعابهم وشقاوتهم ورائحة براءتهم في الجو وحصدوا قصفًا إسرائيليا يُهيل عليهم البيت ركامًا فيصيرون جثثًا هامدة، لا بل أشلاء باردة وزرقاء.

بالطبع كل شهيد بخصوصيّة قصّته، قصة غير عاديّة البتة، بسببها تصير الفاجعة قدرًا، يصير المكان صراخًا، وألم الفقد هو المشهد المسيطر. شاهدت فيديو لمجزرة عائلة المصري الذي سقط فيها تسعة شهداء مرّة واحدة جراء القصف الإسرائيلي على بيت حانون. فيديو حبس أنفاسي، كان الناس يتنقّلون بين المرميين على الأرض ويتأكدون إن كانوا أحياء أو لقوا حتفهم.

قصّة تحكي كيفَ يُربِّي الأب الابن كل شبر بندر وفي غمضة عين يصمت الكلام إلا من "قتلوا أولادي، قتلوا أولادي ما ضلّلي أولاد يا عالم". بهذه الكلمات بكى الأب يوسف المصري طفليه إبراهيم ومروان. إبراهيم الذي يبلغ من العمر ست سنوات، ومروان البالغ إحدى عشرة سنة. 
ذهبت لأبحث عن تفاصيل أكثر، فالقصة لم تنتهِ عند هذا الحد. وجدتُ مقابلة للعربي الجديد، شاهدتها عدة مرّات حد أن حفظت الكلام وصوت الوجع. بصمت إيماءات وجهها حتى تعبت من ثقلها.

"حرقتوا قلب أبوكم" هكذا بدأت المقابلة مع أم الطفلين، كانت في حالة لا يرثى لها، تبكي بكاءً هستيريًا حتى أننى لم أتمالك نفسي فبكيتُ حتى انتهت الدموع. 
تقول: اجوني على شوق وعطش، بعد 5 بنات.

لقيت بنتي بتصرّخ وبتجري ناحيتي، بقلها شو فيه مالك، لهيا بتقلي ابراهيم مخه على الأرض يما، ابراهيم مات يما. قلتلها وينه وينه!

الأمهات لا يُقمن في دائرة النسيان، فكل ما يتعلّق بأولادهن يبصمنه عن ظهر غيب. تكمل السرد قائلة "لقيت وجهه مغطّى بس عرفته من أواعيه"، كان يتنفس ففكرته طيب بس طلع بينازع. كان رأسه مفتوح من النص ومخه طالع، صرت أحمل في مخه وأسكره، وأحسس عليه وأبوس إيديه.

بما أن المصائب لا تأتي فرادى، لم تلحق أن تأخذ أنفاسها بعد أن أخرجوها من المشفى إلا وصُدمت بخبر يعصر القلب أكثر كخرقة.

أن لا يكون لك حول ولا قوة فيما يحصل هو شعور عجز يزيد مرارة الغصّة داخلك، فيتمكّن منك الاختناق وتقول لنفسك إنه لأهون عليك أن تكون معهم ولا أن تراقبهم من بعيد فالصورة من بعيد قاتلة

تكمل أم إبراهيم ومروان "قلت لابن أختي دوّر على أولادي،رجع بيقلي ابنك التاني مات، قلتله كذاب بتضحك علي، لا بحلم أنا، صحيني صحيني. قمت أشوفه لقيته مقطّع منتّف".

نهاية مأساوية لا يتمنى أن يراها أحد في أشدّ كوابيسه، وبتسليم حميمي ختمت روايتها "مع السلامة يا روحي، مع السلامة يا عمري". إنّه قلب الأمّهات الحنون.

كمّ مِن أم وأب فقدوا فلذات أكبادهم بسبب سياسات التطهير العرقي التي يتّبعها الاحتلال للقضاء على الفلسطينيين. سنوات قليلة لا تكفي حتى لارتكاب ذنب ما، ولكنها بالنسبة لقوات الجيش الإسرائيلي مجردّ كونك فلسطينيا مهما بلغ عمرك كافية للاستهداف، فلغة العدو لا تفرّق بين طفل، كهل أو امرأة.

"الله يساهل عليك يابا" لا يمكن إلا أن يكون عنوانًا عريضًا لقصة أخرى. زخم مشاعر دراميّة يُختصر في جملة واحدة، لا يحتاج أي ترجمة أو تفسير، فالصوت المرتجف وحده يحكي يتمًا حتميَّا لطفل لم يتجاوز الثانية عشرة مِن عمره. انتشر له فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يصرخ باكيًا ويردد "يابا يابا"، ويركض نحو نعش أبيه علّه يسمع صوته ويصحو مِن موته، ولكن عبثًا. هذا الفيديو كان كفيلًا لشلال من الدموع، وجثوم صخرة على صدري.

مسلسل النكبات هذا ورائحة الموت المنتشرة، يجعل شريط ذكرياتي كطفلة كبرت في غزة يستعيد صحوته. سأقصّ عليكم فاسمعوا. كنت أدرس في مدرسة ج التي تتبع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، ندرَّب بشكل دوري على كيفية إخلاء المدرسة في حال تعرضها للاستهداف من قبل القصف الإسرائيلي أو أي مبنى مجاور. تخيّل أيّها القارئ مدى قسوة الأمر على عمرك الصغير الذي لا يستوعب السياق السياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبُعد التصعيد المحتمَل في مدينتك. تخيّل فظاعة التدريب المتكرر، وعنف الصدمة النفسية للتخيّلات المتتالية للحدث المتوقع. تدريبك فعليًا على فكرة موتك المحتملة أو زميلة لك.

يقطع حبل أفكاري اتصال قادم من أحد أفراد عائلتي في غزة، أو بمعنى أدق يزرعني في قلب الحدث المشتعل هناك. أسأل زوجة عمي "كيف حالكم؟" فترد: "احنا مناح بس أكثر شي بيوجع القلب هم الأطفال، لما يصير القصف الإسرائيلي بيعبّي الصراخ المكان وبيصيروا مش عارفين وين يهربوا".

لا مفر فعلًا هناك فكل الأماكن غير آمنة، كلّها معرّضة للإبادة رأسًا على عقب.

عدتُ لأسألها ما إذا كان هذا العدوان أكثر شدّة ووطأة مِن سابقاتها، فقالت: يا خالتي النتيجة واحدة ولكن طول ما انت سامعة القصف يعني لساتك منيحة، "المصيبة إذا ما سمعتي القصف". تنهدت وقلت في رأسي يا الله على بلاغة الكلام وشدّته.

فقدانك لسماع صوت الغارات الإسرائيلية يعني أن الكارثة قد وقعت، وأصابتك في عقر قلبك. بالتأكيد الجميع يتمنى أن يظل سامعًا لكل ما يحدث رغم هوله. اليوم خالتي موجودة في بيتنا بعد أن هرعت وعائلتها من قصف كثيف من المدافع الحربية على شمال غزة.

إذا ما عدنا للحديث عن نوعية الصواريخ التي استخدمها الاحتلال الإسرائيلي في قصفه على غزة. محمد الكومي كاتب قصص قصيرة يبدأ بتعليق يهزّني من الداخل "الخوف ملأ البلد"، وأكمل بأن إسرائيل استخدمت طائرات إف 16 وصواريخ ارتجاجية تُحدِث اهتزازات واسعة المدى مؤدية إلى دمار هائل. يضيف الكومي أن ما هو مرعب إدخالها لأول مرة طائرات إف 35 في خدمتها الحربيّة، والتي قصفت بها برج هنادي، الغفري، الجوهرة والشروق. يُذكر بأن هذه الأبراج هي وجه المدينة وقلبها النابض، تحتوي مؤسسات صحافية، مكاتب، شركات وشققا سكنية. إضافة إلى استهدافها شوارع رئيسية تربط المدينة ببعضها البعض وذلك لتقطع أوصالها. يؤكد الكومي أنّ هذا استهداف صريح للبنية التحتية، تعمّد واضح لفتك اقتصاد غزة وقطع تواصلها مع العالم. وهذا ما نوّه إليه الإعلام العبري والفلسطيني خلال متابعته المباشرة للأحداث.

القصص لم تنتهِ هنا، هناك الكثير ليسرد ولكن ما يحدث لنا كفلسطينيين مشرّدين، مقتلعين من بيوتنا، مقتولين بدم بارد، ومنتهكين في مسلسل مأساوي دائم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي يجعل سؤالا يقفز لذهني" إلى أي حد يجب أن يصل حجم الوجع والقهر والظلم حتى ينصفنا العالم وتُطبّق العدالة؟ ما هو المستوى المطلوب الذي قد يُحرّك الضمائر؟!

كم عائلة فلسطينية يجب أن تُهجَّر قسرًا؟ كم نكبة يجب أن نعيش؟ كم انتهاكا إسرائيليا بحق الفلسطينيين يحب أن يقدَّم للمحكمة الجنائية الدولية لكي يتم محاكمة الاحتلال الاسرائيلي على جرائمه؟؟

ما أفهمه أن الحقيقة واضحة كعين الشمس، وهي أنّ هذا الكيان الإسرائيلي الاحتلالي بكل مؤسساته القانونية، العسكرية والاستيطانية يقوم بالتخطيط الممنهج للاستمرار في تطهيره العرقي، وبالطبع هذا ليس بجديد فالنكبة مستمرة.

كيف لا يمكن رؤية هذه الحقيقة البشعة، المثيرة للغضب، للقهر، للحزن؟