نساء غزة... صمود صامت يصنع الحياة تحت النار

17 نوفمبر 2025
+ الخط -

في فلسطين، وفي قلب غزة، تقف المرأة الفلسطينية على جبهةٍ صامتةٍ لا تقل أهميّةً عن جبهات الحرب المُعلنة؛ جبهة تُبنى على الصبر والمقاومة اليومية. هنا، بين أنقاض المنازل المدمَّرة، والجدران المتصدّعة، وهدير الانفجارات، تتحول المرأة من كائنٍ يحمل همَّ العائلة إلى محور حياة مجتمعٍ بأكمله، تحمل في قلبها ذاكرة وطنٍ ونبض تاريخٍ. إنها ليست مجرد شاهدةٍ على الصراع، بل لاعبةٌ رئيسية فيه، بصمتها العميق لا تُقاس بالأسلحة، بل بالقدرة على استمراريّة الحياة.

بين الحصار والقيود الاقتصادية، تصبح المرأة الفلسطينية الركيزة الصامتة للاقتصاد المنزليّ والمجتمعيّ. في الأسواق الضيّقة أو في مطابخ البيوت المدمَّرة، هي من تحمل أعباء الحياة اليوميّة فوق أكتافها الرقيقة، تدافع عن الأسرة، وتزرع الأمل في الأرض المحترقة. إنها امرأة تصنع المعجزات بإعداد الخبز على بقايا الحطب، خبزٍ يكفي العائلة، وتتنقّل بين تحضير الطَّعام في المنازل المتضرِّرة وتنظيف الركام بعد القصف، مرورًا بتربية الأطفال وسط الخوف المستمر، وصولاً إلى إنشاء مشروعٍ صغيرٍ يحافظ على بعض الدخل، وتعليم الأطفال رغم الانقطاع عن المدارس. كلّ ذلك في ظلّ واقعٍ يفرض عليها أن تتحوَّل إلى مُعيلةٍ وراعٍ ومُعلِّمةٍ في آنٍ واحد.

النساء اللواتي يزرعن الأمل في الخيوط الممزَّقة للاقتصاد المحلي يُثبتن أن مقاومة الاحتلال ليست فقط على الأرض، بل أيضاً في الصبر والإبداع، وفي القدرة على تحويل الصّعاب إلى حياةٍ مستمرة.

هذه المرأة لا تكتفي بالبقاء داخل جدران المنزل؛ فهي ناشطة في الحركات المدنيّة، وصوتها يتردد في الاحتجاجات الشعبيّة، وفي قيادة المنظمات غير الحكوميّة. هنا، تتغير الأدوار التقليدية: من رعاية الأسرة إلى قيادة المجتمع، ومن صمت الضحيّة إلى خطاب الصمود. إنها تشارك في صياغة القرار الاجتماعي والسياسي، وتؤسس لجيلٍ جديدٍ يدرك أن المقاومة ليست مجرد سلاح، بل ثقافةُ حياةٍ، وعملٌ يوميّ، ووعيٌ تاريخيّ.

المرأة الفلسطينيّة ليست مجرد شخصيةٍ في صفحات التاريخ أو التقارير الإخبارية، وليست ضحيّةً أو شاهدةً على الحرب، بل هي المحور الخفيُّ للمشهد

وفي خضمّ ذلك، لا تزال المرأة في غزَّة تحمل جراح الحرب، وتعيد بناء النسيج الاجتماعيّ الممزق. هي الأم التي تحنو على أطفالها رغم انفجار الواقع، والأخت التي تسند شقيقها، والزوجة التي تتحمل غياب الزوج أو فقدانه. الصراع لم يُحوّل المرأة إلى ضحيةٍ فحسب، بل صنع منها مصفاةً للوجع، حاملةً للذاكرة الجماعيّة، وناقلةً للثقافة والقيم عبر الأجيال. هي النهر الذي يبتلع الحزن ويُخرجه أملاً، والظل الذي يحمي المدينة من انطفاء الإنسانيّة.

وفي وقتٍ يُفرض فيه الحصار، ويُقطع الهواء عن المدينة، تولّت المرأة الفلسطينيّة، وربما دون اختيار، مهمةَ حفظ الحياة. ووفقاً لتقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women)، يُقدَّر أن نحو مليون امرأة وفتاة في قطاع غزّة محرومات من الغذاء الكافي، والمياه الآمنة، والخدمات الصحيّة الأساسيّة. هذه الإحصائيّة، بحدّ ذاتها، تروي نزالاً يومياً، لا في ميادين القتال، وإنما في مطابخَ لا تسعها إنسانيةٌ كافية.

ومن بين شهاداتٍ حيّة، تقول إحدى الأمهات: "أُؤخر أولادي عن الطعام، فأكلُهم أولى مني، فأصبح جسدي خالياً وأنا أحتضنهم".

هذه العبارة ببساطتها تكشف كيف تغيّرت المعادلة داخل المنزل: من "أنا أولاً" إلى "أنا آخراً"، ومن "الحق أنا" إلى "حقهم قبل أن أكون". وفي إطار هذا الدور، تحوّلت نساءٌ كثيرات إلى معيلاتٍ للأسر بدلًا من أن يكنّ راعياتٍ خلف الكواليس. وتشير دراسة صادرة عن UN Women إلى أن نحو 493000 أسرة في قطاع غزّة أصبحت تترأسها نساء، أو أن المنزل يُدار بيد امرأة بعد أن فُقد الرجل أو غاب أو استُشهد. وهنا تكمن نقطة التحوّل الاجتماعي: لم تعد المرأة مجرد معاونٍ أو مرافق، بل أصبحت صاحبة قرار، تتحمل عبء القيادة اقتصاديًا وتنظيميًا ومعنوياً. لكن الصمت لا يزال هو القاعدة؛ فالمشهد الإعلامي الرسمي غالبًا ما يُغفل هذه الأدوار، ويصفها بأنها أعمال "مساندة" لا "قيادية". والمرأة هنا، رغم ضغط الواقع، تبدّل دورها من "التابعة" إلى "الفاعلة"، ومن "ربة بيت" إلى "مديرة مصغّرة"، ومن "أم" إلى "فاعلةٍ مجتمعية".

المرأة الفلسطينيّة، بهذا المعنى، ليست مجرد شخصيةٍ في صفحات التاريخ أو التقارير الإخبارية، وليست ضحيّةً أو شاهدةً على الحرب، بل هي المحور الخفيُّ للمشهد، محورُ صمودِ المجتمع الفلسطيني. إنها قصيدةٌ تُكتب بالحياة اليومية، تحمل المقاومة بصمتها، وتنقّح التاريخ بتضحياتها المتكررة. لقد حوّل الصراعُ دورها التقليدي إلى تجربةٍ معقدة من القوة والإبداع والصمود الاجتماعيّ والسياسيّ، لتصبح رمزًا حيًّا لتحدي الاحتلال واستمرارية الهوية الفلسطينية، ومرآةً تُظهر للعالم أن المقاومة الحقيقية تبدأ من البيت، ومن القلب، ومن الأيدي التي تزرع الحياة في زمن الحرب.

في نهاية المطاف، تبقى رؤيتي للمرأة الفلسطينيّة في قلب الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي أنها رمزٌ للصمود والتحمّل، لكنها غالباً ما تظل غير مرئية في التحليلات السياسية الرسمية. فبين الاحتلال، والحصار، والفقد، تتحوّل أدوارها من الرعاية المنزلية التقليدية إلى أدوارٍ اقتصاديةٍ وتعليميةٍ وسياسية، تتحمل فيها العبءَ المزدوجَ للصراع والعيش اليومي.

دلالات