نزع سلاح حزب الله: خيارات صعبة قد تؤدي إلى صراع شامل
نظير الكندوري
تطبيقاً لقرار وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب بين إسرائيل وحزب الله، والذي نص على إلزام لبنان بحصر السلاح في ستة أجهزة أمنية حكومية محددة، ومصادرة جميع الأسلحة غير المصرح بها، بما في ذلك سلاح حزب الله، كلّفت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام الجيش اللبناني بوضع خطة لضمان حصر السلاح بيد الدولة. جاءت هذه الخطوة بدفع أميركي-إسرائيلي، وبدعم من خصوم الحزب المحليين، لتشكل اختباراً لقدرة الحزب على الالتفاف على قرارات الحكومة وإبطاء تنفيذها، وهو الذي اعتاد رفض جميع الدعوات لنزع سلاحه منذ مؤتمر الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية.
الضربات القاسية التي تلقاها الحزب في حربه الأخيرة مع إسرائيل ألحقت به أضراراً جسيمة وأضعفت قدراته التنظيمية والعسكرية، وأظهرت بما لا يدع مجالاً للشك اختراقه استخباراتياً. ومع ذلك، فإن هزيمته في هذه الحرب لا تعني نهايته عسكرياً، إذ لا يزال فاعلاً في المعادلة اللبنانية. وترى إسرائيل والولايات المتحدة أن خطره ما زال قائماً.
من الواضح أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على نزع سلاح الحزب، خاصة في ظل غياب ضمانات بعدم تعرض البلاد لاعتداءات إسرائيلية جديدة، ما يصعب إقناع الحزب بالتخلي عن سلاحه. فالولايات المتحدة تطالب باستمرار بنزع سلاح الحزب، لكنها لا تقدم أي ضمانات لحماية لبنان من إسرائيل، الأمر الذي يضع الحكومة في موقف المنصاع للمطالب الأميركية دون قناعة حقيقية.
مخاطر النزع والسيناريوهات المحتملة
إذا حاولنا قراءة المشهد بعيداً عن الانحيازات والعواطف، ومن دون استحضار تاريخ هذا الحزب، فإننا نرى أن لبنان مقبل على أمر خطير. فالإصرار الأميركي–الإسرائيلي على دفع حكومة سلام إلى الإقدام على هذه الخطوة، وبسرعة، ليس مجرد رغبة سياسية، بل إن تل أبيب وواشنطن تدركان تماماً أن لبنان سيدخل في سيناريوهات مرعبة تصب جميعها في مصلحة إسرائيل، ولن يجني منها لبنان أي مكاسب تُذكر.
الإصرار الأميركي–الإسرائيلي على دفع حكومة سلام إلى الإقدام على هذه الخطوة، وبسرعة، ليس مجرد رغبة سياسية، بل إنهما يدركان تماماً أن لبنان سيدخل في سيناريوهات مرعبة
ومن هذه السيناريوهات المحتملة التي قد تقع في لبنان جراء هذا الإصرار الأميركي–الإسرائيلي على نزع سلاح حزب الله أن الأخير سيرفض ذلك بشكل قاطع، وستدعمه إيران في خياره سياسياً، وربما عسكرياً إذا أمكنها ذلك. كما سيعلن الحزب تحدّيه للقرار واستعداده للدخول في مواجهة مع الأطراف الداعية إلى نزع سلاحه، سواء كانت جهات حكومية (كرئاسة الجمهورية أو الحكومة أو الجيش)، أو قوى سياسية، كحزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع.
أما القول إن الحزب ليس بمقدوره الدخول في حرب أهلية ضد كل هذه الأطراف فهو وهم، إذ إنه لا يزال يحتفظ بترسانة من السلاح تمكّنه من ذلك. وليس مستغرباً أن تنضم حركة أمل لمساندته والدفاع معاً عن الطائفة الشيعية، فكلاهما يدرك أن نزع سلاح الحزب يمثل تهديداً مباشراً للطائفة الشيعية اللبنانية.
أما على الجانب الآخر، فلا يُتوقع أن تقف مع الحكومة سوى جماعة سمير جعجع، بينما سيختار السنّة والدروز (بزعامة وليد جنبلاط) الحياد، إذ يرفضون الانجرار إلى صراع تقف وراءه إسرائيل والولايات المتحدة. وحجتهم في ذلك قوية، فالدعوات إلى نزع سلاح الحزب صادرة عن عدو خارجي هو إسرائيل، ومن دولة غير جديرة بالثقة هي الولايات المتحدة. وبالتالي، قد يجد الحزب ومعه حركة أمل نفسيهما في موقف عسكري أفضل إذا اندلعت مواجهة داخلية لبنانية.
أما السيناريو الثاني المتوقع، فهو أن الحرب الأهلية إذا اندلعت لن تظل محصورة داخل لبنان، فالجوار اللبناني، ولا سيما سورية التي تعاني هشاشة أمنية وسياسية، يجعل احتمال انتقال النيران إلى داخلها أمراً وارداً، ما قد يحوّل الصراع إلى حرب إقليمية تدخل فيها سورية مُرغمة لا راغبة. وفي هذه الحالة، لن تبقى إيران بعيدة عن المشهد، إذ ستتدخل لدعم أتباعها في المنطقة. وهنا يبرز السؤال: هل ستكون باقي الأطراف، وخاصة دول الخليج التي تدعم توجهات واشنطن وتل أبيب في لبنان، بعيدة عن هذه النيران؟
أما السيناريو الأقل احتمالاً، فهو أن يوافق حزب الله على دعوات نزع سلاحه، ويرضى بالتحول إلى حزب سياسي بحت، وهذا أمر غير وارد بتاتاً، لأن الحزب يدرك أن سلاحه هو ما يمنع الأطراف الأخرى من شن حرب تستأصل وجوده ووجود الطائفة التي يدافع عنها، كما حدث مع الفلسطينيين حين تُركت المخيمات الفلسطينية فريسة للمجازر بعد خروج منظمة التحرير من لبنان.
كما أن تخلي الحزب عن سلاحه لن يضمن وقف الاعتداءات الإسرائيلية، بل سيفتح شهية تل أبيب لمزيد من التوغلات. وهذا السيناريو سيكون كارثياً، ليس على الحزب فقط، بل على اللبنانيين جميعاً. ولنا في تجربة سورية خير دليل؛ ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تدّعي أن النظام السوري السابق كان عدواً لها وساهمت في إسقاطه، لم تتوانَ عن التوغّل في الأراضي السورية بسبب عدم قدرة الحكومة الجديدة على الرد. بل إنها صنعت من حكومة أحمد الشرع عدواً لها لتبرر كل اعتداءاتها على سورية وتوغلاتها فيها، وهي اليوم تعتزم خلق فتنة داخلية تحول دون تمكن النظام الجديد من بناء دولة سورية قوية.
الحلول الممكنة
المطلوب اليوم من الأطراف اللبنانية، على اختلاف أطيافها، تحمّل مسؤولية تاريخية لحفظ بلادهم، تتجاوز الحسابات الطائفية والسياسية، من أجل الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها. كما تقع مسؤولية تاريخية أيضاً على الدول العربية الفاعلة، ولا سيما سورية، لإعادة النظر في علاقتها مع الحزب وإيران، إذ تقتضي المصلحة المشتركة تجاوز خلافات الماضي وبناء علاقات عقلانية تخدم مواجهة التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة.
تقع مسؤولية تاريخية على الدول العربية الفاعلة، ولا سيما سورية، لإعادة النظر في علاقتها مع الحزب وإيران، إذ تقتضي المصلحة المشتركة تجاوز خلافات الماضي وبناء علاقات عقلانية
وإذا ما احتكمنا إلى العقل بعيداً عن العاطفة، ورغم أن لحزب الله تاريخاً مقلقاً في لبنان وسورية وحتى في العراق، فإن اللبنانيين مُلزمون بمساندته والعمل على عدم نزع سلاحه في هذه المرحلة بالذات، لأن الخيار البديل سيكون أكثر خراباً ودموية.
وعلى قادة سورية طي صفحة الماضي في علاقتهم مع الحزب، والبحث معه عن نقاط مشتركة تضمن مصالح سورية، فالحزب اليوم في مرحلة ضعف، وكذلك الحال مع إيران، ومدّ سورية لجسور التعاون معهما لتخطي تهديدات إسرائيل ليس فكرة غير منطقية. فما المانع من أن تعيد سورية ودول عربية أخرى توظيف علاقتها مع حزب الله وإيران لخدمة مصالح الدول العربية؟ ولماذا لا تتحول المعادلة بحيث تكون سورية الجديدة صاحبة المبادرة في احتواء الحزب، ثم توظيفه في المعركة ضد إسرائيل، تماماً كما استخدمت إيران في السابق بعض التنظيمات في المنطقة لخدمة أهدافها؟ لقد حان الوقت لأن تقوم سورية الجديدة بتوظيف الحزب وإيران لمواجهة إسرائيل، درءاً لخطرها، وحفاظاً على مكاسبها.
إن سقوط حزب الله أو إضعاف إيران أو إسقاط نظامها، لن يصبّ في مصلحة دولنا على المدى البعيد، إذ إن ذلك سيخلّ بالتوازن الإقليمي، وسيمنح إسرائيل فرصة للانقضاض على دول المنطقة واحدة تلو الأخرى، نظراً إلى أن السنة حالياً لا يمتلكون القدرة على بناء قوة ردع وتوازن مع إسرائيل. فإذا ما تمكنت دول المنطقة من امتلاك قوة وشوكة، فلن تكون بحاجة إلى الاستعانة بإيران وأذرعها لتحقيق التوازن مع إسرائيل. وحتى يحين ذلك الوقت، يبقى الحزب عنصراً ضرورياً، ولو مؤقتاً، في معادلة التوازن.
الوضع في العراق مقارنة مع لبنان
الوضع العراقي يختلف جذرياً، إذ لا يواجه تحديات مثل لبنان المجاور لإسرائيل، ويمتلك أجهزة أمنية قادرة على حفظ الأمن إذا توفرت الإرادة الوطنية. لذا، فإن نزع سلاح الحشد الشعبي هناك ضرورة وطنية، بخلاف لبنان الذي يعيش في مواجهة مباشرة مع خطر خارجي.