مواجهة غير متكافئة مع الثلج

01 مارس 2021
+ الخط -

قال لي صديقي وهو يحاورني: طيب، بما أنك تحب الشتاء والثلج والصقيع مثل عينيك، فلماذا لا أراك تنشر صوراً لك مع رجل الثلج أو وأنت تلعب بالثلوج مع ابنتك وما إلى ذلك من الصور المستفزة التي ينشرها بعض أصدقائنا الباردين بحكم سكنهم في البلاد الباردة؟ فأقول له إنني لا أفعل ذلك حرصاً على مشاعره هو وأصدقائي من كارهي الشتاء ومحبي العَرَق والتلزيق، فليس لمشاعرهم أدنى اعتبار عندي كما يعلم، وما يمنعني من التفنن في التقاط تلك الصور هو أنني ببساطة أقيم في حي مزدحم من أحياء مدينة نيويورك، ولست أقيم مثلا في أحد ضواحيها الهادئة، وما يزيد المشكلة أنني أقيم في حي يكثر فيه عدد كبار السن الذين لم يأت أوان تقاعدهم، أو لم تسمح ظروفهم أو أمزجتهم بهجر نيويورك والهجرة إلى فلوريدا حيث الدفء المبين المتين.

وحين استغرب ذلك السبب، حكيت له عن أول مرة رأيت فيها الثلج رأي العين فانبهرت به وفرحت بتغطيته كل شيء حولي، وما إن انتهت العاصفة الثلجية من كبّ ما لديها، نزلت أنا وزوجتي وابنتي للتصوير مع الثلج بمنتهى الحماس، فسَلَقَنا المارون إلى جوارنا بنظراتٍ حِداد، وتعاملوا معنا بوصفنا مختلين عقلياً، لأن نزول الثلج يعيق حركة المدينة ويعطل الناس عن مشاويرهم، ويرفع درجة خطورة الأرصفة التي سرعان ما تتحول إلى فخاخ يبتهج لها دكاترة العظام وأخصائيو العلاج الطبيعي، وهو ما لم نأخذ وقتاً طويلاً في اختباره وإدراكه، ومع ذلك ظللت أحب الثلج وأبتهج به، لكنني صرت أكتم حبي له حرصاً على مشاعر جيراني، وأتبادل معهم لعنه والتذمر منه حين يحل على المدينة، ولعلك تعلم أن الاشتراك مع جيرانك في إعلان الكراهية والمحبة يقلل إحساسك بالغربة.

ولكيلا أحرم ابنتي من متعة التصوير وهي تلعب في الثلج ولو حتى لمرة لزوم الذكرى، صحبتها بعد نهاية عاصفة إلى حديقة أقفرت من روادها، فأخذت راحتها على الآخر، وحين جاء الشتاء التالي، كانت قد اكتسبت كراهية الشتاء من أقرانها، فلم تعد تحب النزول للعب فيه، وحين تزحلق صديق حديث العهد بنيويورك على طبقة جليدية فانكسرت قدماه وكعّ دم قلبه لدى الدكاترة، قررت الاحتفاظ بحبي للثلج من بعيد لبعيد، مؤجلاً قرار صنع أول رجل ثلجي حتى أنتقل إلى ضاحية هادئة يوماً ما، وحين أعلنت تلك الأمنية لصديق يسكن في إحدى الضواحي، سمعت منه ما لم يرضيني، وأراني فيديو له وهو ينزح جبالاً من الثلج لكي يتمكن من الذهاب إلى السوبر ماركت لشراء احتياجات البيت، وبالطبع أعلنت تعاطفي معه ولم أطلب منه أن يريني صوراً له مع رجله الثلجي.

مع ذلك أحب أن ألتقط صوراً يلعب الثلج فيها دور البطولة، لكنني كلما نشرتها لأصدقائي على الفيس بوك يرسلون لي تعليقات ورسائل متعاطفة تتكرر فيها كلمات الصهد والدفء المفقود والزمهرير وبرد الروح وما إلى ذلك من الإكليشيهات المرتبطة بالثلوج في أدمغتنا الشرقية التي سيّحتها الحرارة، فأمتنع عن كشف محبتي للشتاء وثلوجه، وأتذكر أنني كنت مثلهم ألعن سنسفيل الشتاء حين يقسو على بيوتنا التي لا عزل فيها ولا تدفئة، وأقول لنفسي إن محبة الشتاء من خلف زجاج البيوت الناعمة بالتدفئة ليست محبة تم اختبار صدقها، ثم أسأل الله ألا يدخلنا في تجربة كالتي دخلها أهل تكساس مؤخراً حين انقطعت عنهم الكهرباء والتدفئة فاختبروا شتاءً مفاجئاً لم يروا ما هو ألعن منه، وأرجوه أن يكفينا برحمته شرور الاحتباس الحراري وعبثه بالطقس في الشتاء والصيف.

بالأمس كنت أقف في انتظار فتح الإشارة، مع أن الشارع كان خالياً من السيارات، لكنني لم أرغب في المخاطرة بزحلقة تتسبب فيها فكاكة العبور السريع، وقررت إخراج الموبايل لألتقط صوراً لطبقة من الثلج قرر أحد الكلاب أن يخترقها ويقضي حاجته فيها، وبدا لي حاصل التقاء بياض الثلج بصفار وسواد مخلفات الكلب صالحاً لإنتاج صورة حافلة بالمعاني، عن الحياة التي لا يمكن أن يدوم لها صفاء، وعن الحنين للمألوف الذي يدفع الكلب إلى تفضيل مواضعه المألوفة على غيرها مهما كانت غارقة في الثلج، وبعد أن رأيت الصورة بدا لي أن معناها لن يكون واضحاً، إلا إذا قمت بالتقدم نحو فضلات الكلب لتصويرها من زاوية أقرب، لكنني لم أستسلم لوسواسي الفني الذي حرضني على الاقتراب، لكيلا أستقر بعد الزحلقة وسط ذلك التكوين الثلجي الخرائي.

قبل أن تُفتح الإشارة، اقتربت مني سيدة مسنّة تدفع أمامها عربة تسوق، وتنظر إلى السماء وتشوِّح بيديها غاضبة، فبدا لي من ملامحها أنها تشبه أحداً أعرفه، وحين اقتربت أكثر وسمعت صوتها وهي تقول بغضب شديد لا يتسق مع ملامحها الوديعة: 
Snow again, *** **** snow again, **** you snow, not again son of *****,
أدركت أنها تشبه الفنان عبد العظيم عبد الحق في فيلم (الإرهاب والكباب) حين نزل من الأتوبيس وأخذ يصب غضبه على جميع من حوله مشوِّحاً بيديه ولاعناً أيامهم السوداء. 

كان قد سبق لي أن رأيت أناساً من أهل نيويورك يلعنون السماء حين ينهمر عليهم ثلجها، أو الأرض التي يتزحلقون عليها، لكن ما لفت انتباهي أن السيدة الغاضبة كانت تصوب غضبها إلى سماء خالية من الثلج، أو على الأقل هذا ما قاله لي تطبيق الطقس الذي أكد أن احتمال سقوط الثلج اليوم لا يتجاوز 10 في المئة، وهو ما شجعني على إنجاز مشوار الصيدلية قبل العاصفة الثلجية التي ستحل في الغد، ولذلك تصورت أن السيدة المسكينة قد فاض بها الكيل من حبسة البيت التي تسببت فيها العاصفة الماضية التي دامت ثلاثة أيام، فقررت أن تلعن السماء باعتبار ما سيكون أو بحكم ما كان، فابتسمت لها وأخذت أهز رأسي متعاطفاً، تعاطفاً كاذباً بوصفي من محبي الثلوج، وهو حب لن يكون من الحكمة إعلانه في ظرف كهذا.

لم تمض ثوانٍ ونحن ننتظر فتح الإشارة، حتى بدا لي أن غضب السيدة كان له ما يبرره، وأن خبرتها الطويلة بثلوج نيويورك جعلتها تشمها قبل أن تصل إلى القرب من سطح الأرض، وحين زاد اقترابها وبدأت في التساقط، زاد غضب السيدة التي قررت أن تؤجل عبورها للطريق لكي تواصل إفراغ أكبر قدر ممكن من غضبه، فلا تعود بها إلى البيت، وعندما عبرتُ الإشارة عائداً إلى البيت قبل أن تسوء الأمور، كانت السيدة مستمرة في مواجهتها الغاضبة مع السماء التي قررت ألا تقصرها على الشتائم وتضيف إليها حقائق علمية تبرر غضبها وتجعل بذاءتها مشروعة ومستحبة: 
**** you snow, can we rest in this ****** hell, it’s ALASKA year and they say it will keep going until ****** MAY, I can’t take it anymore, ****  ****** snow, leave us alone son of ****.

وقبل أن أبتعد، بدا لي أن غضب السيدة لم يهدأ حين واصلت إعلانه بنبرات أعلى، بل تزايد حين لم تجد بين المارة من يشاركها فيه، فلم يجاملها أحدهم بهزة رأس أو شتيمة مشتركة، بل سارع بعضهم بالابتعاد عنها خوفاً على نفسه، وحين رأيت على فم أحدهم ابتسامة مكتومة، بدا لي أنه مثل حالاتي عاشق يكتم محبته غير المبررة للثلوج والزمهرير.