العروبة الناعمة: من معجم الدوحة إلى الموسوعة العربية
"الأمة العربية ما تزال أكبر قومية معاصرة لم تحظ بحق تقرير المصير، بالتحول إلى أمة ذات سيادة، ولم تحظ بفرصة الصراع بعد ذلك للتحول إلى أمة من المواطنين". يعبّر هذا القول للدكتور عزمي بشارة في كتابه "في المسألة العربية ..." عن الأس المأساوي الذي تنطلق منه العروبة (السياسية) العربية. وفي مقابل "العروبة الناعمة"، المُتمثّلة في العروبة اللغوية والثقافية، يمكن القول إنّ العروبة السياسية صلبة أو خشنة، أو ذات أبعادٍ خشنةٍ وشائكةٍ. فقد أصبحت العروبة السياسية سبباً للشقاق والتنازع والفرقة، إضافةً إلى كونها، أو بدلاً من كونها، "صمغاً لاصقاً للأغلبية في كلّ قطرٍ عربيٍّ". وفي الحالة السورية، لم تعد سورية "قلب العروبة النابض"، و"عقلها المفكر" والمصدر الرئيس للأفكار والتيّارات المؤسّسة لها، كما عبّر جمال عبد الناصر وباتريك سيل، فحسب، بل يمكن المُحاججة بأنّ العروبة السياسية كانت، أيضًا، سببًا رئيسًا في مقتل سورية-الدولة ورمحًا طاعنًا فيها، وسببًا لازدرائها والتنكّر لها، من قبل شريحةٍ واسعةٍ من السوريين أنفسهم، وعاملًا من عوامل ضعفها، بوصفها "دولةً لا وطنية".
ويستند مفهوم "العروبة الناعمة إلى نظرية القوّة الناعمة (Soft Power) كما صاغها جوزيف ناي، والتي تصف القدرة على الجذب والضم، من دون استخدام القسر أو الإكراه أو القوّة وسيلةً للإقناع. وفي مقابل العروبة السياسية الخشنة، التي تبدو مشروعًا طوباويًّا في أحسن الأحوال، ومشروعًا واهمًا وضارًّا في أسوئها، تبرز العروبة اللغوية والثقافية، بوصفها عروبةً ناعمةً، عروبةً طوعيةً غير إكراهيةٍ، تجمع ولا تفرِّق، وتبني ولا تهدِّم، وتغني الهوية وتمنع انغلاقها، وتفسح مجالًا للتعدّد، داخلها وخارجها، وللاغتناء بهذا التعدّد. ومن مزايا هذه العروبة أيضًا أنها غير مركزيةٍ وعابرةٌ للدول، ويمكن أن تعمل خارج إرادة الأنظمة السياسية، وأن تتجسّد في المبادرات الثقافية، والإنتاج الإعلامي، والتفاعل الشعبي.
فالعروبة الناعمة تُعاش وتُمارَس عبر اللغة، والثقافة، والإعلام، والفنون، والذاكرة المُشتركة، أكثر مما تُعلَن عبر الشعارات السياسية أو المشاريع الوحدوية. وهي تتجاوز كلّ الاختلافات الإثنية والدينية والعرقية والمناطقية. فوفقًا لتلك العروبة، العربي هو كلّ ناطقٍ باللغة العربية. وثمّة أقوالٌ كثيرةٌ، وقيمٌ ووقائع أكثر، تدعم هذا التعريف أو ذلك المعيار. وبذلك يصبح الانتماء العربي أو العروبي انتسابًا، لا نسبًا، ويتجاوز المفهوم الضيّق للهوية (العربية)، وينفتح على تعدّد الهُويّات داخل الفضاء العربي، وخارجه. ويمكن النظر إلى العروبة الناعمة على أنّها بديلٌ مناسبٌ، في السياق الراهن على الأقل، عن المشاريع السياسية، كما يمكن النظر إليها على أنّها تمثّل تحوّلًا في طريقة التفكير في العروبة ذاتها: من هُويّةٍ مغلقةٍ إلى أفقٍ مفتوحٍ، ومن خطابٍ تعبويٍّ إلى ممارسةٍ ثقافيةٍ، ومن وحدةٍ ناجزةٍ مفترضة إلى تفاعلٍ حيٍّ يقدّم شكلًا جديدًا أو مُتجدّدًا من الانتماء العربي أو العروبي في عالمٍ متحوّلٍ وصيرورةٍ لا تهدأ.
تشهد العروبة اللغوية والثقافية استمراراً في الحضور القوي، وتزايداً في قوّة هذا الحضور
وعلى العكس من العروبة السياسية التي تعيش أزمة تدهورٍ إلى درجةٍ تفسح المجال للتشكيك في معقوليتها وفي معنى وجودها أصلًا، تشهد العروبة اللغوية والثقافية استمراراً في الحضور القوي، وتزايدًا في قوّة هذا الحضور. ومن علامات وجود هذا الازدهار، ودعمه، يمكن ذكر إنجاز المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والمتمثّل في "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، والعمل الذي يقوم المركز نفسه به لإنجاز الموسوعة العربية (أرابيكا) بحيث تكون على غرار الموسوعة البريطانية (بريتانيكا)، فتضم أكبر قدرٍ ممكنٍ من المعارف المُفيدة والرصينة في جميع المجالات تقريبًا. وثمّة محاولاتٌ موازيةٌ، في الشارقة وغيرها، وسابقةٌ، في دمشق وغيرها، تعبّر عن تنافسٍ حميدٍ، من حيث المبدأ، وآمل أن يكون أنموذجًا للتنافس العربي الإيجابي والبنَّاء، وعاملًا مُساعدًا على تكامل مثل هذه الجهود وتناغمها، لا على تناقضها وتضاربها.
النهضة الحضارية العربية المنشودة تتضمّن نهضةً لغويةً وثقافيةً بالضرورة. وهذا هو حال كلّ نهضةٍ في كلّ العصور والثقافات والأمم. هذا هو حال عصري النهضة الأوروبية، بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، والنهضة العربية، بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين. والتشديد على أهمية النهضة اللغوية والثقافية لا يعني إنكار حصول نهضةٍ وتغيير إيجابيٍّ في المجال السياسي، بل يمكن للنهضة الثقافية أن تعزّز فرص نجاح النهضة السياسية، والعكس بالعكس. والأوضاع (السياسية) العربية الراهنة عمومًا، وفي المشرق العربي خصوصًا، في حالةٍ من الانحطاط والسوء، لدرجةٍ تمكن المُحاججة معها أننا وصلنا إلى قاع الهوّة التي بدا أن لا قرار لها. وتبدو مشروعات "المعجم التاريخي للغة العربية" والموسوعة العربية، بواكير النهضة العربية (اللغوية والثقافية) المنشودة أو جزءًا منها ودعامةً رئيسةً من دعائمها.
النهضة الحضارية العربية المنشودة تتضمّن نهضةً لغويةً وثقافيةً بالضرورة
"إنه لسانٌ عربيٌ مبين، ولغةٌ تَسكُن في وجداننا جميعًا، وتاريخٌ مشتركٌ نأمل أن يسهم معجمنا التاريخي في تدقيق تخيّله، وحلمٌ لا ينفك يراود من لا شفاء لهم من حبهم للعرب والعروبة". هذا ما قاله الدكتور عزمي بشارة في كلمته خلال حفل إعلان الاكتمال التاريخي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية. وأظنّه عبَّر عن علاقة كثيرات وكثيرين باللغة العربية. وفي حوارٍ سيُنشر، قريبًا، مع الصديق العزيز والدكتور القدير أديب صعب، وصف نفسه بأنه "كائنٌ لغويٌّ"، ليس بالمعنى الأنطولوجي الوجودي فحسب، بل بالمعنى الفكري والمشاعري والقيمي أيضًا. وهو كذلك في علاقته الخاصة الجميلة والحميمة مع اللغة العربية. ووجدت هذا القول يعبِّر عن علاقتي الغرامية، الثقافية والوجودية، باللغة العربية أيضًا. فأنا "كائنٌ لغويٌّ" و"عروبيٌّ، لغويًّا وثقافيًّا" بالمعنى الذي عبّر عنه كلٌّ من أديب صعب وعزمي بشارة، في الوقت نفسه.
سبق لي أن قلت، مع أخريات وآخرين، إنّ اللغة العربية يتيمة. وقد قدّمت الكثير من القرائن التي تدعم هذا الطرح. وآمل أنّ إنجاز المعجم التاريخي، والاهتمام بإنجاز موسوعةٍ عربيةٍ شاملةٍ (أرابيكا)، في الدوحة والشارقة، وغيرهما، ووجود مشاريع ومؤسسات أخرى، يجعل درجة اليتم أقل، وصولًا إلى القضاء المنشود عليه بالكامل.