من غزة إلى سبتة... متى يتوقف الوطن عن أن يكون وطناً؟

02 اغسطس 2026
+ الخط -

"الوطن هو ألا يحدث كل هذا يا صفية". كتب غسان كنفاني هذه الجملة قبل عقود، لكنها تبدو اليوم وكأنها كُتبت لتفسير حاضرنا. لم يكن يعرّف الوطن بوصفه حدوداً أو علماً أو جواز سفر، بل بوصفه وظيفته الأولى: أن يحول دون وصول الإنسان إلى اللحظة التي يصبح فيها الهرب أكثر منطقية من البقاء.

وأنا أتابع صور آلاف المغاربة وهم يحاولون الوصول إلى مدينة سبتة، ظل هذا الاقتباس يطرق رأسي بإلحاح. رجال ونساء وأطفال يركضون نحو البحر، لا لأنهم يعشقون المخاطرة، بل لأنهم يرون في الضفة الأخرى احتمالاً للحياة. بدا المشهد، للوهلة الأولى، وكأنه يفرض رد فعل عاطفياً مباشراً؛ حزناً، أو غضباً، أو استنكاراً. لكن هذه المشاعر، على مشروعيتها، لا تجيب عن السؤال الأهم: ما الذي ينكسر داخل الإنسان حتى يصبح الغرق أقل إخافة من الانتظار؟ ومتى يتحول الوطن من مساحة للانتماء إلى مكان يشعر فيه أبناؤه بأن الحياة لم تعد ممكنة؟

أنظر إلى غزة وسبتة، فأشعر أن السؤال واحد، وإن اختلفت السياقات. كيف وصلنا إلى واقع بات الهرب فيه، بالنسبة إلى ملايين العرب، ليس نزوة ولا مغامرة، بل أفقاً وحيداً للخلاص؟ وكيف أمكن لفضاء عربي يمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج، ويحمل آلاف السنين من التاريخ والثقافة والذاكرة، أن يُختزل في مشهد يتكرر بأشكال مختلفة: بشر يبحثون عن مخرج، ولو كان عبر البحر؟

لم تعد مفاهيم الفقر والبطالة وعوامل الجذب والطرد كافية لفهم هذه الظاهرة. فالهجرة، في كثير من الأحيان، لا تبدأ عند الحدود، بل قبلها بوقت طويل؛ تبدأ حين تنقطع الصلة النفسية والرمزية بين الإنسان ووطنه، وحين يفقد ثقته بأن الغد قد يكون أفضل من اليوم. عندها لا يصبح البحر مجرد طريق، بل آخر مؤسسة يلجأ إليها من لم يعد يثق بمؤسسات اليابسة.

"سوسيولوجيا الانفصال عن الوطن"؛ هو علم لا يدرس حركة الأجساد بين الحدود فحسب، بل يدرس اللحظة التي يتوقف فيها الوطن عن أداء معناه

ولهذا قد نحتاج إلى ما يمكن تسميته "سوسيولوجيا الانفصال عن الوطن"؛ علم لا يدرس حركة الأجساد بين الحدود فحسب، بل يدرس اللحظة التي يتوقف فيها الوطن عن أداء معناه. اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأن وجوده لم يعد مرئياً، وأن كرامته لم تعد محل اعتراف، وأن مستقبله صار مؤجلاً إلى أجل غير معلوم. فالذين سبحوا نحو سبتة لم يعبروا مسافة مائية فحسب، بل سبق أن قطعوا مسافة أطول من الخيبة، وفقدان الثقة، والتآكل البطيء لمعنى الانتماء.

لم يكن هذا السؤال بالنسبة إليّ سؤالاً نظرياً.

لطالما كان السفر أحد أكبر أحلامي. لا لأنني كنت أحلم بالتجول في مدن العالم أو التقاط الصور أمام معالمه الشهيرة، بل لأنني وُلدت في غزة، حيث تبدو كلمة "السفر" نفسها أقرب إلى المعجزة. بالنسبة إلى الغزي، لا تعني هذه الكلمة سياحة ولا رفاهية، بل احتمالاً آخر للحياة.

بالنسبة إلى الغزي، السفر لا تعني هذه الكلمة سياحة ولا رفاهية، بل احتمالاً آخر للحياة

ثم جاءت حرب الإبادة، ولم يعد السفر حلماً مؤجلاً، بل صار مرادفاً للنجاة. وجدت نفسي، مثل مئات الآلاف من الغزيين، أمام سؤال لم أتخيل يوماً أن أواجهه: هل أخرج من بيتي، أم أبقى فيه منتظراً أن يتحول إلى ركام فوق رأسي؟

اخترنا النزوح إلى جنوب القطاع، وهناك بدأت أتعرف إلى حياة لم أكن أظن أن الإنسان قادر على التكيف معها. عشت في بيت متهالك، ثم في خيمة، وتعلمت كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف الأشياء كلها. كنت أستيقظ كل صباح، أرتدي عباءتي، وأهرب إلى البحر، أبقى أمامه حتى تغيب الشمس، كأنني أستعير منه ما يكفي من الحياة لأصمد يوماً آخر.

وفي كل تلك المحطات، كانت هناك فكرة واحدة أتشبث بها: السفر. لم يكن موعداً محدداً، ولا تأشيرة في جيبي، بل وعداً داخلياً بأن هذه الحياة ليست النهاية. كنت أقول لنفسي إن باباً ما سيفتح يومًا، وإن للحياة وجهًا آخر غير الذي أراه الآن. وربما لهذا استطعت أن أواصل أيامي؛ لا لأنني كنت أقوى من غيري، بل لأنني كنت في أمسّ الحاجة إلى أمل، أي أمل.

ولهذا، حين رأيت صور سبتة، لم أرَ مدينة بعيدة، بل رأيت سؤالًا أعرفه جيدًا. تخيلت، للحظة، أن الغزيين امتلكوا الفرصة نفسها؛ أن يُفتح أمامهم باب إلى العالم بعد سنوات الحصار والحرب التي لم تترك بيتًا إلا وطرقته، ولا عائلة إلا وخلفت فيها شهيدًا أو جريحًا أو مفقودًا أو نازحًا. كم إنسانًا كان سيعبر؟ وكم أمًا كانت ستحمل أطفالها وتمضي؟ وكم شابًا كان سيغادر مدينة يحبها، لا لأنه توقف عن حبها، بل لأنه يريد فقط أن يعيش؟

فالإنسان لا يغادر وطنه لأنه كفّ عن حبه، بل لأنه لم يعد قادراً على الحياة فيه. يمكن للمرء أن يحمل وطنه في قلبه، وفي الوقت نفسه يبحث عن مكان لا يخشى فيه أن يموت تحت سقف بيته، أو في طابور المساعدات، أو داخل خيمة لا تقيه حر الصيف ولا برد الشتاء.

ولهذا أعود إلى جملة كنفاني: "الوطن هو ألا يحدث كل هذا يا صفية".

فالوطن ليس امتحاناً دائماً للنجاة، ولا مكاناً يُخيَّر فيه الإنسان بين الموت البطيء والرحيل. الوطن الحقيقي هو المكان الذي لا يضطر فيه أبناؤه إلى البحث عن البحر كي يشعروا بأن الحياة لا تزال ممكنة.

وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا يهرب الناس من أوطانهم؟ بل ماذا حدث للأوطان حتى صار أبناؤها يرون في الخروج منها آخر أشكال الأمل؟

فالمأساة ليست في أن يعبر الإنسان الحدود، بل في أن يسبق عبوره الجغرافي انفصالٌ أعمق؛ حين يغادر الوطن قلب أبنائه قبل أن يغادروا هم أرضه. عندها لا تكون الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل شهادة على أن شيئاً جوهرياً قد انكسر في العلاقة بين الإنسان ووطنه.

ريما القطاوي
ريما القطاوي
ريما القطاوي، كاتبة روائية، وباحثة في الشأن العام عمومًا، والفلسطيني خصوصًا، تدور اهتماماتها البحثيَّة حول القضايا العامَّة المعاصرة ودورانها في عوالم الصحافة، صدر لها رواية "كلنا على سفر".