من صيد فيسبوك (3)

من صيد فيسبوك (3)

21 يونيو 2021
+ الخط -

قلتها من قبل وأعيدها وأزيدها، لا يتعامل كل مستخدمي "السوشيال ميديا" معها بوصفها وسيلة للحوار والتعرف على الأفكار الجديدة، بل يتعامل أغلبهم في ظني معها بوصفها وسيلة لتأكيد الأفكار والانطباعات التي يعتقدون بصحتها بالفعل، ولذلك تتضاءل جدوى الانشغال بالتصحيح والرد والحوار، وتظل المسألة مرتبطة باستعداد الشخص نفسه للحوار، وبرغبته في التخلي ولو عن جزء بسيط مما هو معتقد به، ولأنني أؤمن بهذا قبل أن أقرأ دراسات علمية تؤكده ـ راجع ما كتبته سابقاً بعنوان (لماذا انتصرت الفبركة ولماذا ستظل تنتصر؟) ـ وتأكد إيماني به بعد أن قرأت تلك الدراسات، أفضل التمسك بشعار (الحياة قصيرة فدع ما يغيظك إلى ما لا يغيظك) الذي أضعه في خانة التعريف بي على حساباتي في تويتر وفيسبوك، وهو ما يجعلني أفضل عدم إضاعة الوقت في الرد على أغلب ما يكتب عني من اتهامات وشتائم، لأنني متأكد أن الرد عليها لن يعني شيئاً لمن هو مقتنع بها، أما من لا يقتنع عادة بما يُكتب عن الآخرين من شتائم واتهامات، ويفضل تكوين رأيه عنهم من خلال قراءة ما يكتبونه، فالرد الأفضل سيكون من خلال متابعته لما أكتبه، وهو ما يمكن أن يوصله إلى فكرة أصح وأدق عني، ولحسن الحظ فأنا لست مهتماً إلا بالتواصل مع هذا النوع من البشر، برغم قلة عدده، لكن التجارب علمتني أن التواصل معه أبقى وأجدى وأقل ضرراً.

هناك أمثلة عديدة يمكن أن أسردها للتدليل على هذه الفكرة، لكني سأختار أشدها تفاهة، ربما لأنه أكثر تسلية، شوف يا سيدي، حدث ذات يوم غير بعيد أن شاهدت على صفحة أحد الأصدقاء فيديو يتمشى فيه بعض الخراتيت في شارع يبدو شبيهاً بالشوارع المتفرعة من شارعي الهرم وفيصل، بينما يعلق على مشيها الوئيد مواطن مصري خفيف الظل، أعجبني الفيديو فقمت بمشاركته وكتبت تعليقاً مصاحباً يقول "أوجين يونسكو مين يا عم إنها ميصر"، وأشرت إلى فصل نشرته في كتابي (في أحضان الكتب) أتحدث فيه عن مسرحية يوجين أونيسكو الشهيرة (الخرتيت) وظاهرة خرتتة البشر في أيامنا النحسة هذه، وكان الصديق الذي قام بنشر الفيديو قد "منشنني" وذكّرني بما كتبته في ذلك الفصل.

بعد دقائق من نشر الفيديو نبهتني صديقة إلى أن الفيديو تم تصويره في نيبال وليس في مصر، فشكرتها وقلت لها إني سأعدل ما كتبته في التعليق، وبعدها جاءتني رسالة من متابعين كريمين يقولان إن الفيديو الأصلي ليس عليه تعليق باللهجة المصرية وأن عليه حقوق ملكية، فشكرتهما وحذفت الفيديو، وانتهى الموضوع بالنسبة لي، بعدها فوجئت أن متابعاً سيساوياً كريهاً "منشنني" عند صاحب الفيديو الأصلي الذي كان يشكو من انتهاك حقوق ملكيته للفيديو، فرددت عليه بأنني حين تم تنبيهي إلى الفيديو حذفته على الفور، وأن الموضوع كله بالنسبة لي هزار مرتبط بمقال أحبه، وشكرته على اهتمامه بما أنشره في حسابي مؤكداً على أنني لا أستنكف أبداً عن الاعتذار عن أي أخطاء مهنية أو لغوية، وأعتز بالملاحظات والتصويبات التي تردني من الأصدقاء والمتابعين.

الذي زاد وغطى أن زميل دراسة قديم التقط منذ أسبوعين سكة الزياط السالف ذكرها وقرر السير فيها بكتابة تجاوزت في حقي، متناسياً أن وجوده في الحياة هو من أهم أسباب تصديقي اللحظ

بعد ساعة فوجئت بأن ذلك المتابع السيساوي قام بعمل زيطة وزمبليطة مستخدماً "سكرين شوت" من "البوست" الذي حذفته وكأنه توصل إلى سر حربي، كاتباً كلاماً من نوعية "آدي مستوى المثقفين.. فضيحة للخونة.. إنهم يكذبون إنجازات السيسي ويصدقون مشي الخراتيت في شارع مصري"، دون أن يشير إلى ردي السابق عليه، وبدلاً من أن أقوم بالتعليق عليه فأقوم بحرق بنزين لا يستحق إهداره عليه، قمت بعمل بلوك فوري له لكي أساعده على المزيد من الزياط الذي يؤكد وقوفه في صف الرئيس القائد المفدى الذي أغرق الوطن بإنجازاته، لأن جدوى الحوار منعدمة مع أي شخص يبدأ حديثه بالتأكيد على وطنيته وخيانتك، وحصافته وحماقتك، وهو ما أقوم به مع أي شخص يبدأ حديثه مع الآخرين بالتأكيد على يقينه المطلق بصحة رأيه سواءً كان سيساوياً أو إخوانجياً أو ثورجياً أو حتى من طائفة العدميين الجدد الذين أصبحت العدمية السلبية بالنسبة لهم يقيناً وديناً.

الذي زاد وغطى أن زميل دراسة قديم التقط منذ أسبوعين سكة الزياط السالف ذكرها وقرر السير فيها بكتابة تجاوزت في حقي، متناسياً أن وجوده في الحياة هو من أهم أسباب تصديقي اللحظي لأن هناك خراتيت يمكن أن تمشي في شوارع مصر، فبعثت له رسالة أقول فيها إنني سأحاول تصديق أنه غاضب من كلام كتبته على سبيل الهزار، وأنه لا يستطيع التسامح مع اعتذاري عنه وحذفي له، فهل أطمع أن يعتذر عن مئات البوستات والتغريدات التي حاول أن يقنع فيها متابعيه بأن هناك جهازاً يعالج فيروس الإيدز وفيروس سي ويقوم بتحويلهما إلى كفتة يتغذى عليها المرضى، واعتباره لكل من يشكك في ذلك الجهاز أو يطالب بالتحقق منه أنه خائن يشكك في القوات المسلحة التي تبنت الجهاز، أو أن يعتذر عن نشره بدل المرة عشر مرات لأوراق مفبركة سماها وثائق يتهم فيها المعارضين بالخيانة والعمالة، أو أن يعتذر عن تخوينه كل من اتهم وزارة الداخلية بتصفية مواطنين خارج إطار القانون واتهامها لهم بقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، قبل أن يتضح أنهم أبرياء من تلك التهمة التي أسندتها جهات التحقيق الإيطالية إلى عدد من ضباط وزارة الداخلية ذكرتهم بالاسم، أو أن يختار أي كذبة من الأكاذيب التي روج لها عبر السنين الماضية ويعتذر عنها لكي أصدق تباكيه على الحقيقة وخوفه عليها.

بالطبع لم أتلق إجابة من صديقي الخائف على الحقيقة الذي يكتب دائماً عن عدم اهتمامه بما أكتبه، ثم أقرأ له بلاغات أمنية في صورة بوستات يقوم فيها بالتحريض على ما أكتبه، وكما علمت من أصدقاء مشتركين فهو لا يكتفي بذلك، بل يقوم بإرسال ما يكتبه لبعض القيادات الأمنية التي يتعاون معها من أجل حماية الوطن من أعدائه المعارضين، مع أن صفحتي على فيسبوك مفتوحة للكافة وليس فيها أسرار أخفيها، ولا أدري إذا كان يفعل ذلك طواعية أم تكليفاً أم طمعاً، لكنني قررت أن أستثنيه من تقليد البلوك، لأن ما يكتبه يساعد على انتشار ما أكتبه ويوصله إلى مسامع حضرات الضباط الذين قد يمنعهم انشغالهم بالتعذيب والتلفيق من متابعة ما أكتبه طيلة الوقت، فله ولكافة المخبرين المتابعين لما أكتبه خالص الشكر والتحية، على أمل أن يريحهم انشغالي وبعدي عن السوشيال ميديا منذ شهرين بسبب الانشغال بمشروع كتاب جديد، وآمل أن أعود بما يسرهم ويرضي غددهم الوطنية دائمة الالتهاب، والتي لا يريحها إلا التخوين وكتابة التقارير في حب مصر.