من حكم الانتداب إلى وصاية ترامب

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 16:44 (توقيت القدس)
+ الخط -

في مأساة تختزل دموية الحرب الإسرائيلية في غزّة، شهدت واشنطن في 29 أيلول/سبتمبر 2025 لقاءً مصيريًا، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أُعلن عن خطة السلام المكونة من 20 نقطة؛ دخلت حيّز التنفيذ 10 تشرين الأول/أكتوبر. هذا الإعلان يشكّل محاولة جذرية لإعادة صياغة المشهد السياسي في غزّة تحت غطاء أميركي، في وقت يعتري الخطة غموض بنودها والضمانات المفقودة المرتبطة بتنفيذها.

تكشف الخطة عن تشكيل "مجلس السلام" الذي يقوده دونالد ترامب ويضم شخصيات دولية أبرزها توني بلير، وهو اختيار يحمل دلالات عميقة، فبلير هو تجسيد حي لمشاريع التدخّل الغربي الدموي في الشرق الأوسط؛ من العراق إلى فلسطين. اختيار بلير يشير إلى نية إحياء نموذج الوصاية الاستعمارية ويلغي الإرادة الفلسطينية.

قرار ترامب بتعيين الأخير لإدارة قطاع غزّة يمثّل انتهاكًا صارخًا للشرعية الدولية، فهو قرار أحادي لم يُعرض على مجلس الأمن ولم ينل موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا النموذج يُذكّر بنظام الانتداب إبّان الحقبة الاستعمارية. والأخطر أن الإدارة التكنوقراطية التي سيترأسها بلير تمثّل التتويج للاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى فصل القطاع عن الضفة الغربية، مما يُقوّض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلّة. هذا النهج يعيد إنتاج نفس العقلية الاستعمارية التي اعتبرت الشعوب غير قادرة على إدارة شؤونها.

ورغم أهمية الوساطة القطرية - المصرية - التركية، إلّا أنها تبقى محكومة بمعادلات الهيمنة الأميركية، التي تتحرّك في فضاء تضبطه الحسابات الأميركية-الإسرائيلية، وتغيير نقاط خطة ترامب إسرائيليًا بعد يوم واحد بموافقة ترامب، دون الرجوع إلى الشركاء العرب والمسلمين، فضلًا عن شن جيش الاحتلال الإسرائيلي الأحد 19 تشرين الأول/أكتوبر، غارات جوية مكثّفة على مناطق متفرّقة من القطاع، في أكبر خرق للاتفاق، والذي شكّل إخفاقًا وتهميشًا للجهود الدبلوماسية للدول المشاركة.

وقد كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية حقيقة خطة ترامب، ووصفتها بـ"الساذجة والخبيثة، وفيها دجل صريح"، مؤكّدة أن الضغط الأميركي على نتنياهو "هراء" لإيهام الدول العربية بتوازن المقترح الأميركي. ويكشف تحليلٌ أعمق عن وجود هيئة إسرائيلية سرية تُدعى "مكتب إدارة ما بعد الحرب"، تعمل على إعداد بنود الخطة، مما يؤكّد أن ما يُسوَّق له (مبادرة سلام أميركية) هو في الواقع مخطط إسرائيلي يُقدَّم بغلاف أميركي.

في قراءة للمشهد الدبلوماسي المصاحب للإعلان، يُلاحظ ترحيب الدول العربية والإسلامية التي حضرت "خطة ترامب"، الذي يعكس تحولًا في الاستراتيجية الدبلوماسية العربية والإسلامية. لكن هذا الترحيب لا يخلو من مفارقات، خاصة عندما يقترن بتصريح نتنياهو الذي يحاول تصوير الأمر كأن "العالم العربي والإسلامي يضغط على حماس لقبول الشروط الإسرائيلية". هذه القراءة التبسيطية تخفي تعقيدات الموقف الإقليمي وتنوع التوجهات بين الدول العربية. وهنا تبرز مخاوف جدية من أن تكون هذه الخطة فخًا يستهدف إنهاء القضية الفلسطينية، حيث تفتقر إلى أي ضمانات حقيقية تمنع إسرائيل من استئناف حرب الإبادة الجماعية بعدما استعادت أسراها وتقريبًا جميع الجثامين.

كما أن دخول القوة المسماة بـ "قوة الاستقرار الدولية" إلى غزّة والتي تقود تشكيلها الولايات المتحدة، ستكون أداة غير رسمية بيد الحكومة الإسرائيلية. وتضم القوة نحو 200 عنصر أميركي، بمشاركة ضباط من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ودعم من دول عربية مثل مصر وقطر والإمارات وتركيا، كما تجري مناقشات لانضمام باكستان وإندونيسيا وأستراليا وكندا وماليزيا.

معالم البديل المقبول

في تحليل البديل الحقيقي، نجد أن أي حل دائم يجب أن ينطلق من معادلة مختلفة تمامًا، حيث تكون السيادة الفلسطينية هي الأساس لا الهدف. فالمشكلة الجوهرية في كل الخطط أنها تتعامل مع الحقوق الفلسطينية كتنازلات يمكن منحها أو منعها، وليس كأسس غير قابلة للتصرّف. لا يمكن اختزال الإبادة الجماعية بالقطاع في معاناة إنسانية تتطلّب إغاثة عاجلة، فذلك يشكّل تغييبًا متعمدًا للسبب الجذري للعدوان الإسرائيلي، كما أن أي تسوية دائمة يجب أن تقوم على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع ضمانات دولية حقيقية لتنفيذها.

سلام على وقع القذائف

في الختام، تظهر الخطة الجديدة كمحاولة لفرض واقع جديد عبر دبلوماسية القوى، متجاهلة الدرس الأساسي من تاريخ الاحتلال: أن السلام الحقيقي لا يُفرض من الخارج، ولا يمكن أن يبنى على أنقاض العدالة. إن السلام الحقيقي ينبع من إرادة الشعوب واحترام حقوقها، وليس بالأسلحة الفتاكة؛ تُدار من قاعات المؤتمرات الفاخرة. والمفارقة المأساوية التي تجسّد جوهر الأزمة تكمن في أن مؤتمر السلام الذي انعقد في واشنطن، وبعده في شرم الشيخ، كانت خلاله الطائرات الحربية الإسرائيلية تواصل قصفها على غزّة.

ويكفي للتعبير عن فداحة الكارثة أن إسرائيل، وإن فشلت في تحقيق التطهير العرقي الكامل لغزّة، فإنها دمرتها تدميرًا شاملًا، وكان ينبغي أن تُجبر على دفع تعويضات عن الدمار اللاإنساني الذي تسببت فيه، بدلًا من الدول النفطية العربية التي اقترحها ترامب. إن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق والبقاء، ورغم كل المعاناة أثبت عبر التاريخ أنه قادر للذود عن نفسه رغم إعراض العالم عنه، وأن إرادة الحياة لديه ستبقى هي الأقوى من كل محاولات الإخضاع والإقصاء.