من حكايات حارتنا... حكاية الأعمى
عبد الحفيظ العمري
حارتنا واحدة من حارات الدنيا الضيّقة، التي لا تنتهي حكاياتها ولن تنتهي. وهنا أدوّن بعضاً من تلك الحكايات.
حكاية الأعمى
أراه كلَّ يوم في طريقي إلى مكان عملي، قابعاً أوّل الدرج الذي يربط الحارة بالشارع العام. يرتدي الملابس التي لم يُغيّرها منذ سنين خلت. يحمل في يده عصاه التي يتوكّأ عليها في طريقه. وأحياناً أشاهد عقب سيجارة في يده وهو متكوّمٌ في بقعته المعهودة، ينفخ به بكلّ انتشاء.
جلستُ قربه ذات يوم، وبدأتُ بتأمّل ملامحه البائسة؛ عينان غائرتان في محجريهما، ولحية بيضاء غير مرتّبة ملأت وجهه، وعمامة ملفوفة كيفما اتفق على رأسه، وعندما يضحك تظهر أسنانه الصفراء غير المرتّبة.
في ساحة حارتنا العتيقة مشيت معه في إحدى المرات. أمسكت بيده، مُستفسرًا عنه، فكانت إجاباته متحفّظة وهو يقول: ماذا تريد أن تعرف عني يا ولدي؟ أنا واحد من خلق الله، لا أعرف شيئاً عن هذه الدنيا التي لم أرها. فقد وعيتُ عليها وأنا أعمى كما ترى، لا أعرف لي أباً ولا أماً ولا أهلاً، حتى اسمي لا أعرفه. تخيّل أنّي بلا اسم؟! ولولا بقية من أهل الخير الذي يمدّون لي يد المساعدة لمَا بلغت هذا العمر.
كيف جاء إلى الحارة؟ ومن أين؟ لا أحد يدري. إنّه الأعمى الغريب في حارتنا العتيقة
سألتُ عنه مَنْ يعرفه، فلم يسعفني أحدٌ بإجابات شافية، سوى أنَّهم وجدوه في الحارة منذ عقود، شاباً أعمى يتلمّس طريقه في طُرقها، لا يعرفون له اسماً ولا أهلاً.
كيف جاء إلى الحارة؟ ومن أين؟
لا أحد يدري. إنّه الأعمى الغريب في حارتنا العتيقة.
حكاية الخطيب المفوّه
ظهر في حارتنا خطيبٌ جديد، يخطب بطريقة مُميّزة ومختلفة عمّا تعوّدناه من خطباء الحارة المعروفين. فالرجل فصيح اللسان، سريع البديهة، يُدهشك باستحضاره للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة في كلِّ خطبة يلقيها في مناسبات الحارة. وما أكثر مناسباتها.
لقد استأثر هذا الفصيح بسوق الخطابة في حارتنا مما أشعل مشاعر الحقد عند خطبائنا الآخرين، فما كان منهم إلّا أن نالوا منه في خطبهم؛ فلمّحوا وصرّحوا لمآرب الرجل من خطبه المُنمّقة تلك. فقالوا إنّه يروم منصباً سياسياً رفيعاً، وإنّ خطبه التي تحارب الفساد والمحسوبية وغيرها من أمراض حارتنا العتيقة ما هي إلّا حبائل يغازل بها مشاعر الفقراء والمسحوقين في حارتنا لكي ينحازوا إلى جانبه في قابل الأيام.
اختفى فجأة كما ظهر فجأة، فتنفس الخطباء الصُعداء
هل كان الرجل يروم ذلك فعلاً؟
لا يمكننا الحكم على هذه التهم والمزاعم من حيث صدقها أو زيفها؛ فالرجل ليست لديه ميول سياسية واضحة، والتهم التي وُجِّهت إليه جاءت من خصوم رأوا فيه ساحبًا للبساط من تحت أرجلهم. فماذا تتوقع منهم؟
مرّت الأيام سريعة واختفى الرجل من حارتنا، من دون أن يعلم أحدٌ سبب اختفائه؛ لقد اختفى فجأة كما ظهر فجأة، فتنفس الخطباء الصُعداء.
حكاية الشَكَّاء
قابلتُ اليوم صديقي الذي زاملته في الثانوية العامة في بدايات تسعينيات القرن المنصرم، لقد كان اللقاء صدفةً من صُدَف الدهر الخؤون. فالرجل الذي لم أشاهده منذ زمن بعيد، مارس عليه الدهرُ فنونَه وعجائبَه؛ شاب شعرُه وتغيّرت سحنتُه عمّا ألفته. لا غرابة، فقد مرّت عشرون سنة كاملة.
بعد التحية والسلام خضنا بحديث عن الأحوال وما دارت به علينا الأيام؛ فعلمتُ أنَّه قد ابتُلي بمرض السكري والضغط معًا، وأنَّه لم يتزوّج حتى الآن، ولا أظنّه عازمًا على ذلك بعدما مرّت سنوات العمر الجميل.
صحيح أننا كلّنا نشكو من أحوالنا الحياتية، لكن ترديد الشكوى بشكل مفرط لن يحلَّ شيئًا
ثم انبرى يشكو من وضعه ووضع الناس من حوله، وأنَّ الحارة قد ضاقت عليه بما رحبِتْ، ولا مجال للغربة في هذا العمر.
تفرّقنا على أمل لقاء قريب، وقد تعدّدت اللقاءات بحكم تقاطع طريق عملي مع الطريق التي يسلكها كلَّ يوم، وفي كلِّ مرّة لا يملُّ صاحبي من الشكوى من وضعه المعيشي الراهن، ووضع الحارة، فيما أنا أحاول التسلية عنه بكلمات التصبّر والجَلَد اللذين يجب أن يتحلّى بهما.
لا أحبُّ أسطوانة الشكوى التي يردّدها صديقي دائمًا، وكأنَّه المظلوم الوحيد في الكون. صحيح أننا كلّنا نشكو من أحوالنا الحياتية، لكن ترديد الشكوى بهذا الشكل المفرط لن يحلَّ شيئًا، لذا صرتُ، للأسف، أتجنّب تلك الطريق التي يمرّ بها، فأسلك طريقًا آخر.
وتستمر الحكايات...