من أوراق الغربة

19 أكتوبر 2020
+ الخط -

أمس، حمل البريد إليَّ، رسالة من صديق بعيد، وراء بحار الصمت والضجر.. هو ذا يقول من خلال تمزّقنا.. وانسحاقنا المجنون: لن تسقط يا عبد.. ما زلت خصباً خيّراً، رغم هذه المرارة التي تطلُّ من بين سطوركَ وأحرفكَ. نُحبّك يا صديقي.. نُحبّك كيفما كنتَ، وفي أي شكل تصبح فيه.. فدوامَتك الصحراوية لا تُبهجنا، رغم أنَّ البهجة حُلمنا أبداً: هو ذا تنين العصر يسحق إنسانيتنا.. يسلبنا أشياءنا الحلوة. أمسينا على الجرح ولا ننزف دماً. فكيف نقول هذا الكلام، فلنكن كما نشتهي نحن، لا كما يجب أن يُفرض علينا.

أجل يا صديقي البعيد، القريب.. شيء جديد طريف، وفاجع هذا الشيء الذي نحياه. إننا ننتقل من الحقل إلى الغرفة، من النور إلى الظلمة. من الحلم الجميل والمتألّم الباكي، رغم أنّه سحري، إلى الواقع الصلب.

يا صديقي! لقد انتهينا من التجارب الإحساسية والنظرية والخيالية، لنبدأ عهداً من تجارب الملموس والمكشوف، والواضح، واليابس.. نترك سراب الصفاء بأيدينا.. لنشعر جيداً بأننا نمسك بأيدينا واقعاً لا سراب فيه، أي لا جمال فيه.

الحلم سفر مليء بالغبار والبخار والضباب واللاوصول. والوصول الذي لا يشبع مليء بالاستزادة والإعجاب والدهشة والتوجّع.. ولكن غالباً لا خيبة فيه. خيبته نظرية خيالية، ليست خيبة مؤسسة في أرض ميتة، ليست خيبة مقفلة!

إليكَ أقول، من بين الأسلاك الشائكة حول روحي، دائماً هناك من لا يجتازون إلّا الطريق المجهول.. نحن هؤلاء! أتدري لماذا؟ لأن لنا القدرة دائماً على الكشف.. على التعرية

- الواقع يا صديقي، هو الذي يسفر لنا عن وجهه، والحلم نحن الذين نرفضه. فلماذا.. لماذا لا نمزج بين الاثنين، فالحياة قصيرة، لنعشها بالامتلاء الذي نحب!

- خيبة معرفتك الجديدة لوجه الحياة يا صديقي، تعرف من خلالها معنى الهلاك الحقيقي، وترى الوجه وجه الذعر، وتعاني شهوة الموت!.. الشهوة الصادقة للموت، لا شهوة التحايل المدلل الكذّاب.

- نترك الترف.. مهما قيل إنَّ المال قتّال، فهو ترف نسبياً، نترك الترف إلى القرف!

- وتصرخ بي من بئر عميقة راعية، بصوت تشوبه المرارة والفجيعة: (يجب أن تجد حبّاً فتجترح المعجزة يا صديقي، أعتقد أن الحب يقف لكل مآسينا بالمرصاد، فيه نعيد خلق أنفسنا. هناك أقول لك: إنَّ ذلك عمل ممكن وعظيم وبه تبدأ من جديد، كما بدأت أنا).

- إننا أحياناً نُصاب بخيبة أمل في الحب! لا بأس! خيبته ستكون معرفة الحياة أكثر.. أكثر.. أكثر، وسنظل على استعداد لنحب من جديد!

أنا لا أطلب لك المستحيل، لكني أعرف أنك ستخرج من تجربة الغربة والتشرّد، ممتلئاً بالتجارب. غنياً بالتعب والسأم واليأس والخبرة. نحن نبحث عن التجربة ولو دفعنا حياتنا ثمناً لها.. أما وهبنا أنفسنا للحرف، للكلمة؟

هل أقسو عليك و(أصوفر) لك لحن الهرب والرفض والخوف؟ هل أنفش لك صدري؟ وقبور الحقيقة، هل أخلع أبوابها جميعاً لأردك الينا؟ أنا لا أفسد عليك ظنّك الخائب، لأنني وكما تريدني لا أقرأ لك لأكون ناصحاً، أقرأ لك لأجد نفسي في سطورك.. وأكتب إليك لتجد نفسك في سطوري وفي صدري!

- وبعد، فقد أمضّني الشوق، واعتصرتني الغربة!

إليكَ أقول، من بين الأسلاك الشائكة حول روحي، دائماً هناك من لا يجتازون إلّا الطريق المجهول.. نحن هؤلاء! أتدري لماذا؟ لأن لنا القدرة دائماً على الكشف.. على التعرية. ولنا القدرة أيضاً، على إزاحة الستارة عن مسرح الحياة بكل شجاعة وصلابة وخيبة!

- أتعرف؟! إننا لا نبكي إلّا عندما نريد.. وكثيراً بل أبداً، نحن لا نريد بأن نبكي.. وهذا منتهى الرجولة! ولذا أراك اللحظة تبتسم ابتسامتك العريضة الفرحة، التي تعودنا عليها في بلادنا، أمنا التي لم نعد نحنُّ إليها، تركناها للغرباء الذين دمّروها وخرّبوها وسرقوا الكثير من محتوياتها وتراثها، و هاهي اليوم صارت وحيدة تقاتل من أجل البقاء، وهي كذلك!

- كيف أخبرك عن الخرافة والدموع الوهمية التي تصطخب مسعورة من قوة تحجّرها؟ لم يكن لنا متكأ نستعين به على رد العاصفة، لأن خَلفَنا جبال الوهم والظلام والسواد..

نحن لسنا بدعة! وأنا أراك الآن يا صديقي البعيد، الغريب، فأحس الغربة غربتين!

نحن إذن حقيقة!؟

- تلك الأرصفة التي بدأنا تشرّدنا عليها مذ كنا صغاراً.. أتذكر؟

إنّها أبداً موجودة في كل مدينة.. أنت الآن تحرّك ضمير الحجر.. لقد بلغت في غربتك كل ما يصبو إليه أديب فنان.. بلغت حدّة التجربة.

أنت تعانيها. تتجرّعها كؤوساً مرّة. ومع ذلك تقول للناس العاديين: (إنَّ الكأس حلو المذاق! نحن نكذب على الآخرين لأننا نرغب أن تكون تجربتنا ملكنا وحدنا.. ونحن أكثر الناس نزفاً وألماً في الحياة، لأننا أكثر الناس إحساساً بالمأساة الفاجعة!).

والمأساة أننا نبحث عن الحقيقة، والحقيقة وراءنا تبحث عنا، وتجلدنا بسياط من لهيب؟

- إنّي أتململ يا صديقي! سحقتني الغربة.. رغم أني تعودت عليها، واندمجت في صخبها وأجوائها العامرة، ولم يعد بخاطري تذكر بلدي الذي تركت وظل النوم ثقيل على أهدابي!
رأسي مثقل بالنعاس، وقلبي يئنّ ويلهثُ.. وعليَّ أن أبقى ثقيلاً في وجه العاصفة، واقفاً على قدمي!

صلّ من أجلي.. يا صديقي، إذا كان هذا أضعف الإيمان... فإني أعيش أيام الغربة وسنواتها التي أخذت تهرول مسرعة يوماً بعد آخر..  وسنة بعد أخرى، وما زلنا نستذكر بعض الماضي الذي لم يعد يهمنا!

صديقي البعيد القريب: عندما أطالع بعض الصحف العربية، عبر المواقع الإلكترونية، وبعضها صحف عريقة، أشعر بما يشبه الحزن والأسى.. ففي هذه الصحف دعوة صريحة لسفح الدموع وشق الجيوب وتعذيب النفس.. وأشعر بالأسى أكثر لأن هناك من يدفع أجر هذه الدعوة، من البسطاء من الناس وعشاق الندب والبكاء على الأطلال..!

فاقرأ في صحيفة عربية محترمة صفحة كاملة، وأحياناً صفحتين، مخصصتين فقط لنعي الموتى ولدعوة الأصدقاء والأقارب للاحتفال بمآتم الفقيد.. وأحياناً للاحتفال بمرور أربعين يوماً على وفاته، وربما بمرور سنة أو خمس سنوات على هذه الوفاة..!

والذين يقرأون صحفاً عربية أخرى سيجدون أن عدوى (الندب) هذه قد انتقلت إليها، إن لم تكن بكل تفاصيلها فبشكل يوحي بأنها ـ مرغمة أو راغبة ـ سائرة على ذات الطريق التي سارت وما زالت تسير عليها!

دلالة كل ذلك أننا ما زلنا مغرمين بتعذيب النفس -بل وإذلالها أحياناً- تماماً كما كان أجدادنا الأولون من الشعراء يفعلون عندما لا يجدون ما يستهلون به قصائد الغزل، أو قصائد حرق البخور على أعتاب السلاطين والولاة، سوى البكاء على الأطلال التي درست، كأنما لا يجوز للشاعر أن يبدأ قصيدته إلّا بسفح الدموع!

حين أفكر في هذا الأمر -وكثيراً ما فكرت فيه بل وأوذيت بسببه- تصفعني حقيقة واحدة، وهي أننا ما زلنا شعب يكره الحياة، وهو بالتالي يكره نفسه لأنه ما زال يعيش حبيس التوابيت والأقبية التي خلفتها له عصور الذل والانحطاط!

وفي ظني -وقد أدرنا ظهورنا للحياة- فإنه لا يحق لنا أن نطلب من الآخرين أن يحترموا فينا ما لم نحترمه نحن داخل ذواتنا.. وفي ظني أيضاً أننا ما لم نحرق التوابيت ونهدم الأقبية التي حبستنا فيها الصفحات المعتمة في تاريخنا الطويل المشرق، فإننا سنظل أمة لا تملك إلا أن تبكي على الأطلال كما فعل الأجداد، أو تبكي على صفحات الصحف كما يفعل الآن الأحفاد، وكما يفعل أخوتنا في جريدة الأهرام، وغيرها كثير!

نعيش الأيام في غربتنا، فرحين بكل مؤسياتها أفضل ألف مرة من بلد يُعاني أهله من تشرّد وجوع وفقر.. وضياع، والبحث في كل يوم عن المجهول، عن الأمس الذي نسيناه!

دلالات