ممنون شواربك
رحم الله عليّ بن العباس، المعروف بابن الرومي من شعراء القرن الثالث الهجري في العصر العباسي. القائل: لكم علينا امتنانٌ لا امتنان به/وهل تَمُنُّ سماواتٌ بأمطارِ. ونحن نعيش اليوم في عالمٍ يُلحّ علينا باستمرارٍ أن نُحصي نِعمنا، ويحثنا على ترسيخ مفهوم "ممنون شواربك" وأن نُشيد بالامتنان بوصفه فضيلة أخلاقية. الامتنان ينبت في عالمنا المعاصر وكأنه الفطر السحري. ولكن ماذا لو لم يكن الامتنان فضيلةً على الإطلاق؟
خُذوا مثلاً ما تُتحفنا به وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نَنشر صوراً وفيديوهات ممتنة، ونحكي لحظات من حياتنا مختارة بعناية. ونادراً ما تنبع من مشاعر عفوية، بل تُنتقى لنيل الاستحسان والإعجاب والقبول الاجتماعي. قد تبدو هذه التعبيرات بريئة، بل ساحرة، لكنها تُعزز فكرة أن الامتنان واجب وليس تجربة طبيعية. وما يجعل بعض الامتنان سخيفًا ما نجده على صفحات مختلف وسائل التواصل الاجتماعي من تعليقات الامتنان الوفيرة التي يتلقاها "محرر ثقافي" ما في مجلة أو جريدة ما. لماذا؟ لأنه نشر مشاركة شعرية لشاعر مع صورته البهية، فتذهب لموقع النشر هذا لتقرأ القصيدة، فماذا تجد؟ لا هي قصيدة ولا هم يحزنون، وتعلم علم اليقين لماذا كان الشاعر الفحل ممنونًا من شوارب المحرر الثقافي.
حتى في المواقف الحميمة، قد يحمل الامتنان ضغوطًا خفية. فالشكر لشخص عزيز قد يُولّد ديونًا أو توقعات غير مُعلنة، مثل رد المعروف، أو الاعتراف بالجميل، أو ردّ اللفتة. هذا ليس ضارّاً دائماً، ولكنه يُصبح كذلك عندما يُطلب الامتنان أو يُستخدم وسيلةَ ضغط. وبهذا المعنى، لا يُعدّ الامتنان فضيلةً بحتة؛ بل هو عقد اجتماعي ذو عواقب عاطفية. الامتنان غالباً ما يكون أقل ارتباطاً بالتقدير الحقيقي، وأكثر ارتباطاً بالحفاظ على الانسجام الاجتماعي، وقمع السخط، وتطبيع عدم المساواة. إنه قوةٌ قهريةٌ هادئة. ومع ذلك، نادراً ما نُعلّم التشكيك فيه. نُدرّب على افتراض أن الامتنان فضيلةٌ بطبيعته، أو محايدٌ أخلاقيًّا، وهو ليس كذلك، أو مفيدٌ شخصيًّا، وهو كذلك. ماذا لو سمحنا لأنفسنا، بدلًا من ذلك، باستجوابه؛ لنسأل: هل امتناننا نابعٌ منّا حقاً أم مفروضٌ علينا؟ و"خلي الشوارب على جنب" على حدِّ تعبير المغني اللبناني طوني حنا في أغنية مشهورة.
السؤال ليس ما إذا كان الامتنان جيداً أم لا. السؤال هو ما إذا كانت ثقافتنا قد بالغت في تقديره. باعتمادنا الامتنان، ضرورةً أخلاقية، نخاطر بتجاهل الانزعاج، والتغاضي عن الظلم، وكبت المشاعر الحقيقية. أحيانًا، يكون أشجع فعل هو عدم الشعور بالامتنان. أن نسمح لأنفسنا بالغضب أو الإحباط أو عدم الرضا. أحيانًا يكون الخيار الأصح هو حجب الشكر، على الأقل حتى نشعر به حقاً. بإعادة التفكير في الامتنان، لا نرفض اللطف أو التقدير، بل نستعيد حقنا في الشعور بالعواطف بصدق، من دون شعور بالذنب أو الإكراه. نقاوم الضغوط الخفية التي تدفعنا للامتنان لمواقف لا تستحقه، وكثيراً ما نواجه ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، لأن الامتنان الحقيقي، كسائر الفضائل، لا يُفرض علينا؛ بل يجب أن ينبع طوعًا، بوعي، ومن دون إلزام. حينها فقط يكون له معنى. إن الفعل الأكثر شجاعةً وحكمةً هو أن نتوقف عن عدّ النعم عند الطلب، وأن نقاوم طغيان الامتنان القسري، وأن نستعيد حقنا في الغضب وعدم الرضا والصدق. فالامتنان ينبغي أن يخدمنا نحن، لا أجندات الآخرين.
يتم تجاهل الغضب والحزن والإحباط، ويُقال لنا أن ننظر إلى الجانب المشرق، ونُسأل: لِمَ تنظرون إلى النصف الفارغ من الكأس، امتنوا للنصف الممتلئ منها؟ بهذا المعنى، يصبح الامتنان قيدًا مخمليًّا، رقيقًا، ومهذبًا، ولكنه يكبح المشاعر الحقيقية ويخفي المشكلات التي نحتاج إلى مواجهتها. تزدهر النفس البشرية بالتعقيد، لكن ثقافة الامتنان تُشجع على التبسيط، يجب أن يُنظر إلى كل شيء من خلال عدسة الامتنان.
مارس الامتنان يوميًّا، أشعل شمعة بدل أن تلعن الظلام، وستكون أكثر سعادة. في حين أن التأملات السريعة فيما نقدّره قد تُحسّن مزاجنا، إلا أن هذا التأطير قد يُعرّضنا لاعتبارات شخصية مقلقة. هل تشعر بالتعاسة؟ ركّز على ما لديك. هل تُعاني الديون أو المرض أو الظلم الاجتماعي؟ اذكر نعمك. وهكذا يُصبح الامتنان بمثابة ضمادة نفسية مؤقتة، إصرارًا هادئًا على أن المشكلة لا تكمن في الظروف المحيطة بنا، بل في إدراكنا الشخصي. إنه في الوقت نفسه مُهدئ ومُشتت للانتباه عن العمل الهادف. من الجدير بالذكر أن الامتنان ليس سيئًا في جوهره. فالامتنان الصادق والعفوي يُعمّق العلاقات، ويُعزز التعاطف، ويُرسّخ فينا لحظاتٍ قيمة. لكن المشكلة تكمن عندما يُطلب الامتنان، أو يُغلّف، أو يُستخدَم سلاحاً، عندها؛ يتوقف عن كونه فضيلةً، ويصبح أداةً خفيةً للتلاعب العاطفي والنفسي.