ملامح الحكم الرشيد
راجَ مصطلح الحُكم الرشيد في العقود القليلة السابقة، حاملاً على المستوى الاقتصادي مضامين ليبرالية لدفع الدول النامية إلى الاقتداء بالنموذج الغربي، شرطاً للحصول على القروض والمساعدات، وواضعاً على المستوى السياسي قواعد طريقة اعتلاء الحكم والوصول إلى سُدّته، ومُحدّداً على المستوى الثقافي مدى انسجام منظومة الأفكار التي يحملها أصحاب الحكم وما يرضاه المجتمع الدولي من مبادئ؛ فجاءت الأمم المتحدة بتسعة معايير للحكم الرشيد غلب عليها الطابع السياسي، وجاء البنك الدولي بستة معايير غَلَب عليها الطابع الاقتصادي، وجاء صندوق النقد الدولي بمعاييرَ للحكم الرشيد غلب عليها ضرورة مكافحة الفساد، وتكلّمت فيه الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ونظّر له الغرب، ووضعوا له شروطاً ومعايير.
وبين مكافحٍ ضدّ تلك المعايير ومنافحٍ عنها، ومنفتحٍ عليها ومتهمٍ بإرادة الغزو الفكري والتبعية؛ كان لحالة التردّي التي عاشتها كثيرٌ من الشعوب فترةً ليست بالقصيرة، أثرٌ كبيرٌ في وأد فكرة الحكم الرشيد في عقولهم، فتراهم يشكّكون في كلّ عهد، ويحكمون بالإجهاض على كلّ ولادة.
والحقيقة أن الحكم الرشيد ليس ضرباً من الخيال نقرأه في ما سَطّر التاريخ، وليس أمنيةً نطلقها في فضاء الأماني فتضيع بين التلميح والتصريح، بل هو أفعالٌ وممارساتٌ تُسلك على طريقٍ صحيح.
ويبدو الحكم الرشيد انعكاساً لحقيقة استخلاف الله تعالى في أرضه واستعماره لعباده فيها، ليحكموا في أرضه وفق مراده، فلا يَظلم أحدٌ ولا يُظلم. وتأتي أهمية التصدي لفكرة الحكم الرشيد من حقيقة أنّ إصلاح الدولة يقتضي صلاحَ من وَلِيَ أمرَها، وسياساتهم التي يتبعوها، وفق سنة الله في الأمم، والحُكم على مآل سلوكهم، فالناس على دين ملوكهم.
ليس الحكم الرشيد ضرباً من الخيال نقرأه فيما سَطّر التاريخ، وليس أمنيةً نطلقها في فضاء الأماني فتضيع بين التلميح والتصريح؛ وإنما هو أفعالٌ وممارساتٌ تُسلك على طريقٍ صحيح
ورغم عدم وجود نموذج أوحد للحكم الرشيد، ولا إجماع حول لزوم نعت الحكم بالرشد أو جعله صالحاً (فما قد يراه البعض صالحاً قد يراه آخرون عكس ذلك)، فإن هناك جملةً من الصفات التي تلتصق بالحكم الرشيد ولا تغادره إلا بنزع تلك الصفة عنه، فيُستدل على الحكم الرشيد بها.
ومن موجبات الحكم الرشيد أن لا يكون لمدينة اهتمامٌ على سواها؛ فليس لسكان العواصم أن يروا أنفسهم خيراً من سكان سائر المدن، وليس من رشادة الحكم في شيءٍ أن يرى أهل مدينةٍ فضلاً لغيرهم عليهم لبعد مدينتهم عن مركز اتخاذ القرار أو قلّة مواردها أو طبيعة تكوينها.
ومن ملامح الحكم الرشيد المساءلة، ولهذا كانت "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها". ومنها سيادة القانون والمساواة أمامه من دون تحيّزٍ ومن دون تمييز، ولهذا كانت "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". ومنها أن تكون الكفاءة معيار القياس في تقلّد المناصب وتولّي شؤون العامة، ومن هنا كانت "إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني". ومن ملامح الحكم الرشيد انتقال الحكم من ترويع الناس إلى تأمينهم، فيعتصم الناس بالدولة بدل أن يعتصموا منها، فيحافظون على الحكم لحفظ أنفسهم به، فينتقل الناس من الاغتراب السياسي، إلى حالة الدعم والمنافحة، بما تسري عليه الحكومة من الحقّ، وما تلتزمه من صدق.
ومن الملامح أن يُحسن الحاكم إلى من ساسهم؛ فلا يكلّفهم فوق طاقتهم، ولا يُرهقهم ما لا يطقيون، وأن يرفق بالناس فلا يُدرك طاعن السن كسراً، ولا يخاف الناشئ مستقبلاً، ولا يُقهر ضعيفٌ ولا صغير، ولا تُهدر لهم كرامة، ولا يُلحق بهم خزيٌ ولا ندامة، ولا يُترك المال في يد كبرائهم فيطغوا، ولا يمنع الخير عن بسطائهم فيُقهروا، وألا يُغلق بابٌ من دون مُساءلة، فيلتجأ الناس بالظالمين على الظالمين.
ومن ملامح الحكم الرشيد أن يكون لحكم القانون اعتلاء، بما يتطلّبه ذلك من استقلال القضاء من دون تدخّلٍ أو تغوّلٍ على اختصاصه، وأن تُبرّر السياسات فتتضح أسبابها، وأن يكون الإعلام صوت أصحاب الحاجة والمظلومين، وأن يُطارد الفساد فلا تجد له مكاناً ولا سبيلاً، وأن تُحفظ الموارد فلا توضع إلا وفق معايير العدالة الاجتماعية.
ومن رشاد الحكم أن يلتزم الحاكم ما أراد المجموع، بعد أن يتدافعوا بقدر فهمهم ونظرهم، حتى يتفقوا على رأي يرضونه، فيُساس الناس بالعدل الشورى، وأن يُحترم الإنسان باعتباره عنصر الحكم وسببه، وجوهر الاستخلاف في الأرض وسبب الاستعمار فيها.