مكاتب بلا أوراق!

18 مارس 2021
+ الخط -

قبل سنوات توجهت نحو بناء الحكومة الفيدرالية مسرعاً وأنا مشغول البال عمَّا سأواجهه من ازدحام ومعاملات وأوراق. كل ما أحتاج إليه هو وثيقة أو تصريح واضح بسيط يفيد بإقامتي في مدينة دنفر في ولاية كولورادو الأميركية، ولكن هل سيكون الحصول على هذه الوثيقة سهل المنال؟ ففي أميركا أكثر من مائتي مليون مثلي؛ وفي مكاتب الحكومة مئات بل ربما آلاف من البشر؛ فكيف يمكن التعرّف على الموظف المختص؟ وهل سأستطيع أن أوضح له ما أريد في غمرة الزحام؟ وهل سأتمكن من التعبير عمّا أرغب وأنا أرطن بلغة إنكليزية متواضعة وسط ضجيج الآخرين، واحتجاجاتهم الصامتة؟ ويعلم الله وحده ما سيطلبه الموظف المتربّع وراء مكتبه من دلائل وإثباتات. المهم لا بد من مواجهة الموقف عاجلاً أو آجلاً. دخلت البناء الأزرق الذي يبدو هادئاً رصيناً باثاً في نفسي الشجاعة والثقة والسكينة.

وصلت في وقتٍ مناسب إذ لم يكن المكان مزدحماً كما توقعت، وكان سروري عظيماً عندما وجدت إشارات ولوائح عديدة توجّه المراجعين إلى المكاتب المختصة في كافة فروع الحكومة، وبعد بحث قصير عرفت أنّ مكتب الإقامة هو في احدى غرف الطابق الرابع. دخلت المصعد الذي كان فارغاً إلّا من رجل مسنّ وامرأة كانا في طريقهما نحو الخروج؛ وغمَرني شعور بالارتياح إذ إن الأمور تسير بسهولة ويسر. إلّا أنّي كنت متأكداً من أن الكفاح سيبدأ في الطابق الرابع في تلك الغرفة اللعينة.

كان الباب مغلقاً على غير العادة في مكاتب الحكومة. فتحت الباب على مهل. لم يكن في الغرفة الواسعة سوى سلسلة متتابعة من المكاتب الفارغة إلّا مما عليها من أجهزة تشبه التليفزيون. لم يكن هناك أي إنسان سواي! بل إنّني لم ألاحظ وجود أي كرسي مقابل تلك المكاتب الفارغة! خرجت من الغرفة لأتأكد من رقمها! عدت ومددت رأسي بحذر لأعيد النظر في هذه الغرفة الهادئة الغريبة، وفي هذه المرة فاجأني صوت نسائي لطيف قائلاً: تفضّل.. ماذا تريد؟ وفي الزاوية البعيدة من الغرفة لمحت امرأة في منتصف العمر أو أكثر قليلاً، في شعرها شيء من الشيب، وفي ثيابها البسيطة كثير من الجدية والهدوء. سألتها متردّداً، هل هذا هو المكان الصحيح للحصول على وثيقة إقامة؟ أجابت بهدوء: أجل. وبعدها بأقل من دقائق كانت الوثيقة المطلوبة في يدي! كل ما طلبته مني بعض المعلومات البسيطة التي أدخَلتها بدورها على جهاز الكومبيوتر الذي أمامها؛ و بعد ثوان امتلأت شاشة التليفزيون بسلسلة من الكلمات والأرقام احتوت كل المعلومات التي تتعلق بوجودي في أميركا كما فهمت.. ثم انتقلت هذه المعلومات آلياً إلى آلة إليكترونية قامت بطباعة هذه المعلومات بسرعة هائلة على الوثيقة الرسمية المطلوبة وانتهى الأمر!

تذكرت مكاتب الحكومة في بلدي: الازدحام الشديد، والصراخ الذي يفجّر اليأس، والضجيج الذي لا يطاق، والرشوة ومبدأ الدفع بالتي هي أحسن.. والموظف الذي لا يكاد يبين وراء الكتلة البشرية المتراكمة أمامه وحوله وفوقه، ورائحة الغبار والعرق؛ والأوراق المتناثرة؛ والأوراق المكدّسة؛ والمعاملات التي تستمر أياماً وأسابيع... وجوازات السفر التي تلقى في الهواء؛ والهويّات الشخصية التي تضيع، والانتظار الذي يستمر لأكثر من ستة أشهر للحصول عليها؛ والسجل العدلي الذي وقفت من أجله وراء قضبان النافذة الحديدية ساعات وساعات تحت ضغط الآخرين في يوم صيف حار لكي أستطيع الحصول عليه وكأنه كنز ثمين!

تذكّرني مكاتب الحكومة في بلدي بكتلة متماسكة من الأوراق والبشر يلصقها مزيج من العرق والغبار.

هل تشكل هذه الثورة التكنولوجية خطراً على مستقبل الإنسـان؟ لا شكّ أنّ هذه الثورة ستغيّر كثيراً من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية

أين ذهبت الأوراق هنا؟ وكيف تستطيع موظفة واحدة أن تقوم بخدمة المراجعين هنا رغم أنهم دون شكّ أكثر منا عدداً بمرات عديدة؟ لا شكّ أنَّ السرّ يكمن في تلك الآلة الجديدة التي حلت محل الأوراق والبشر في المكاتب الحديثة.. الكومبيوتر، أو ما نسميه أحياناً العقل الإلكتروني.

لقد أدخل الكومبيوتر ثورة جديدة في حياة الإنسان، ثورة تكنولوجية غيّرت كثيراً من جوانب حياتنا اليومية. وأنا لا أتحدث الآن عن المستقبل وإنما أتحدث عن الواقع الحالي.
 إنّ نظرة سريعة إلى العالم من حولنا توضّح دون غموض مدى عمق التغييرات التي أدخلها الكومبيوتر في حياة الإنسان المعاصر، بدءاً من أجهزة المطبخ، ومروراً بأجهزة التليفزيون والهاتف والسيارة والطائرة ووسائل الاتصال السلكية واللاسلكية، ومعاملات البنوك والمكاتبات، وإدارة الأعمال في الشركات الدولية، وفي المصانع وفي الأسلحة التقليدية والنووية؛ حتى نصل إلى الأبحاث العلمية ودراسات الفضاء!

لقد دخل الكومبيوتر حياتنا وبدأ في تغييرها حتى يصح أن يقال بأننا نشهد الآن ثورة تكنولوجية جديدة ستفوق آثارها على حياتنا ما قدمته الثورة الصناعية من قبل.

الكومبيوتر جهاز كهربائي بسيط في مبادئه، معقّد في امكاناته التي تبدو الآن بغير حدود. وإذا تجوّل الإنسان الآن في عالم هذه الأجهزة لوجد منها أنواعاً متعدّدة، فمنها ما يختفي ضمن أجهزة نستعملها كل يوم في بيوتنا مثل: الهاتف، السيارة، الفرن الكهربائي الحديث، غسالة الأواني المنزلية الآلية، مجففة الملابس وغيرها، وقد نشاهد هذه الأيام في بعض البيوت والمكاتب أجهزة الكومبيوتر الشخصي الصغيرة والتي تشبه جهاز تليفزيون موصول بآلة طابعة.

يغزو هذا الجهاز الصغير الآن بيوت العالم الغربي ويتقدم بسرعة فائقة ليحتل مكانة أساسية فيها لما يُقدمه من خدمات مدهشة.

وكما يمكننا استعمال أجهزة التليفزيون المعقّدة دون حاجة إلى معرفة طريقة صنعها وكيفية عملها فإننا نستطيع الآن استعمال الكومبيوتر لأغراض شخصية خاصة دون أن نحتاج إلى دراسة مستفيضة في تخطيط وبرمجة هذه الأجهزة، إذ يمكننا أخذ برامج الكومبيوتر الجاهزة والتي تحقّق ما نريد عمله ونغذّيها إلى الجهاز الذي يقوم بتطبيقها كما نشاء ونأمر، وتوجد برامج الكومبيوتر الجاهزة الآن بشكل أقراص، أو أشرطة صغيرة تُعلّم الجهاز ما يجب عليه القيام به، وهناك آلاف من هذه البرامج الجاهزة التي يمكننا القيام بعمليات عديدة مثل تسجيل أرقام الهاتف وعناوين الأصدقاء، وتفصيلات الدخل اليومي والمصروف؛ بالإضافة إلى كتابة مواضيع وكتب كاملة وتخزينها وتصحيحها، بل وتصحيح الإملاء إذا أخطأ الكاتب، كما تقوم بعمليات الإحصاء ووضع الجداول المختلفة بشكل مخططات بيانية حسب الطلب، هذا بالإضافة إلى تعليم الأولاد القراءة والكتابة والرياضيات، وتسلية العائلة بالألعاب الإلكترونية التي فاق عددها وتجاوزت امكاناتها كل ما اخترعه الإنسان من ألعاب وتسلية منذ فجر التاريخ حتى الآن!

ثم نخطو من أجهزة الكومبيوتر الصغيرة هذه إلى الأجهزة الشابة التي تستخدم في إدارة أعمال الشركات والمصانع وفي المستشفيات.. إلى أجهزة الكومبيوتر الضخمة التي تتمكن من إدارة عمليات البنوك والاتصالات الدولية وإطلاق الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية وتخزين الكميات الهائلة من المعلومات في المكتبات الرئيسية وفي دوائر الحكومة لشؤون الإحصاء والتخطيط والدفاع.. وما يُخبئه لنا الكومبيوتر من استعمالات وخدمات في المستقبل القريب سيكون أكثر خطراً وأهمية دون شك.

ولننظر مثلاً إلى مدى التغيير الذي حصل في مكاتب العمل نتيجة لاستخدام الكومبيوتر. لقد كادت الأوراق تختفي من الاستعمال ونقص عدد الموظفين والمراجعين كنتيجة مباشرة لكفاءة عمل الكومبيوتر وسرعته في الأداء. ولا عجب في ذلك فقد كادت مكاتب العمل التقليدية تختفي وراء أكداس الورق؛ وامتلأت الغرف الخلفية والعلوية والسفلية بأكداس مكدّسة من المعاملات القديمة والسجلات التي يعلوها التراب.. حيث يشغل الورق في مكاتب العمل حجماً كبيراً بالمقارنة بسجلات الكومبيوتر الإلكترونية، فمثلاً يُمكننا تخزين كل ما تحتويه الموسوعة البريطانية من كلمات في قرص واحد من أقراص التسجيل الإلكترونية التي يستعملها الكومبيوتر، ويمكن تسجيل كل البيانات العائلية لمدينة كاملة على شريط واحد يسهل تخزينه وحفظه، وتسهل العودة إلى ما يحتويه من معلومات في دقائق قليلة.. ولعلنا نذكر جيداً تلك الساعة الممضة الطويلة التي قضيناها ذات يوم في البحث عن سجلات قديمة أو مقالات أو أرقام مكتوبة على الورق ومحفوظة بالطرق التقليدية، في حين أنّ سجلات الكومبيوتر صغيرة الحجم، سهلة التخزين والحفظ، وذاكرته القوية المنسقة سهلة الاسترجاع سريعة الأداء. ولا عجب في ذلك لأن هذا الجهاز يقوم بالبحث عن المعلومات المحفوظة في ذاكرته ويقدمها إلينا جاهزة في سرعة تماثل سرعة الضوء الهائلة قبل أن يرتد إلينا طرف البصر.

ثم لنفكر قليلاً بالوقت الذي نحتاجه لكي ننقل المعلومات المكتوبة على الورق، هذا النقل الذي يتمّ عادة باليد أو بالبريد، وما يحتاج إليه من جهد بشري وموظفين وأموال، في حين أنه يمكننا نقل المعلومات بشكل ومضات كهربائية تسير بسرعة الضوء في أسلاك الهاتف أو حتى بشكل أمواج كهرطيسية تخترق الفضاء وتنعكس على الأقمار الصناعية وتقطع المسافات الشاسعة في أجزاء قليلة من الثانية وتستقبل في المكان الذي نريد ويحولها الكومبيوتر إلى كلمات تظهر على شاشته كلمح البصر.. وهكذا يعلم المدير في اليابان ما يقوم به ممثل شركته في أميركا وأوربا فوراً ودون انتظار لأوراق البريد..

وإذا أضفنا إلى هذه السرعة في الأداء والكفاءة في عمل الكومبيوتر ما تحتاجه الأوراق والأقلام من مال وما تضيعه من جهد ووقت وما تحتاج إليه من موظفين لما استغربنا اتجاه الشركات والحكومات إلى التوسّع في استخدام الكومبيوتر، ليس في مهام التخطيط الرئيسية فقط وإنما نزولاً على طول الخط الإداري حتى المكاتب الصغيرة التي تتعامل مباشرة مع الناس.. لأن استخدام الكومبيوتر أرخص كلفة وأكثر كفاءة وسرعة في القيام بأعمال المكتب من الأقلام والأوراق.

الدقّة في الأداء والكفاءة في العمل مقرونة بالسرعة والانتظام أدخلت الكومبيوتر إلى عالم الصناعة أيضاً، ففي معامل السيارات الحديثة مثلاً في اليابان وفي أميركا وفي ألمانيا وغيرها تجد الكومبيوتر يأخذ شكلاً آخر هو الذراع الآلية التي يقوم بتوجيهها وتنظيم حركتها جهاز الكومبيوتر، وتستطيع مجموعة متناسقة من هذه الأذرع الآلية القيام بدور العمال في المصنع على شريط الإنتاج المستمر، إذ تقوم كل ذراع بتركيب أو تحريك جزء معين من مراحل صنع السيارات وهي تتحرك على شريط الإنتاج ويقوم الكومبيوتر بتنظيم حركة هذه الأذرع بحيث تتكامل العملية إلى صنع السيارة المطلوبة.

تتمتع هذه الطريقة في الإنتاج الآلي في المصانع بامتيازات كثيرة بسبب كفاءة هؤلاء العمّال الآليين الذين يعملون باستمرار طيلة ساعات الليل والنهار وطيلة أيام الأسبوع والعطل والأعياد دون كلل أو ملل أو مرض. كما أنّ هؤلاء العمال الآليين يستطيعون العمل في درجات حرارة يصعب على الإنسان تحملها، ويمكنهم العمل وسط الأبخرة الكيميائية والغبار والإشعاع دون خوف على صحتهم أو كفاءتهم في الإنتاج مما يمكنهم القيام بالأعمال التي قد تشكل خطراً على صحة العمّال من البشر.

وقد يخطر للمرء أنّ الذراع الآلية لا تستطيع القيام بغير عمل معين صنعت خصيصاً للقيام به مثل بقية الآلات الميكانيكية التقليدية الأخرى مما يجعل هذه الذراع الجديدة محدودة الإمكانات كثيرة التكاليف، ولكن الكومبيوتر الذي يحرّك هذه الأذرع يعطيها إمكانات كبيرة وإن تعليم وبرمجة الكومبيوتر الذي ينظّم حركة الأذرع الآلية لا يحتاج إلى أكثر من يوم واحد يقوم بعدها هذا الطاقم من العمال الآليين بإنتاج سيارات أخرى مختلفة حسب التصميم الجديد المطلوب تنفيذه. ولا عجب بعد معرفة هذه الامتيازات أن تقبل الشركات على استخدام الكومبيوتر وعماله الآليين في عمليات الإنتاج بلهفة ونشاط.

وأنا لا أتحدث الآن عن مصانع المستقبل وإنما أتحدث عن مصانع موجودة حالياً في كندا وأميركا واليابان وألمانيا حيث يقوم العمال الآليون تحت إشراف وإدارة الكومبيوتر والإشراف على سير العمل بشكل عام، وبالتأكيد من قبل مهندسين مختصين بإدراج الصورة المراد تصميمها ومن ثم العمل على تنفيذها وبكل بساطة.

وبلغ التقدّم الآن في هذا المجال مرحلة حرجة إذ يقوم الكمبيوتر بتركيب وصنع هذه الأذرع الآلية ذاتها وإنتاجها أيضاً في مصانع آلية مشابهة!

وهكذا تصنع الآلة الذكية آلة أخرى مشابهة تذكرنا بعملية الحمل والولادة في المخلوقات الحية!

فهل تشكل هذه الثورة التكنولوجية خطراً على مستقبل الإنسـان؟ لا شكّ أنّ هذه الثورة ستغيّر كثيراً من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، ومن طرق العمل وأساليب الإنتاج والحياة اليومية.

ولكنني أظن أنّها ستمنح إنسان المستقبل مزيداً من الحرية ومتسعاً من الوقت.. إنّها ستحرّر إنسان المستقبل من العمل اليدوي، وستمنحه مزيداً من الوقت لكي يفكّر ويُبدع، ويزيد من استخدام امكاناته العقلية التي ميّزته أساساً عن بقية المخلوقات الحيّة، ويزيد من البحث والنظر في هذا الكون البديع حتى يتوصّل إلى الحكمة وإلى إدراك آيات خالقه في الآفاق.

دلالات