مقصلة الديمقراطية في العراق
تأسّست المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق باعتبارها هيئة دستورية لضمان إجراء انتخابات حرّة ونزيهة في جميع المستويات السياسية على أن تلعب دورًا محوريًا في تعزيز ثقة الجمهور بالعملية الديمقراطية من خلال تنظيم الاقتراع والإشراف على العدّ والفرز ومراقبة نزاهة المرشّحين والأحزاب. وكان من المفترض أن تمثّل ضمانة لحماية حقوق الناخبين ومنع التلاعب السياسي أو المحاصصة الحزبية. وبالتالي، تُعتبر المفوضية (من الناحية الدستورية) ركيزة أساسية لاستقرار النظام الديمقراطي في العراق ومؤشّراً على شفافية الدولة وشرعية المؤسسات.
في الدستور العراقي جاء في المادة (9/أولًا – ب): "يحظر تكوين مليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة". وبموازاة ذلك تُعيد المادة (8/ثالثًا) من قانون الأحزاب السياسية في العراق تأكيد المبدأ ذاته حين تقول: "يُحظر على الحزب السياسي المشاركة في العمل السياسي وضمنه الانتخابات إن كوّن أو ارتبط بقوة أو تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية أو له ارتباط بأي تنظيم مسلح".
بهذين النصين يُفترض أن تُبنى العملية الانتخابية على قاعدة المساواة القانونية، فلا حزب فوق القانون ولا مرشّح يُقصى بذرائع شخصية ولا مفوضية تؤوّل النصوص على هواها.
لكن الواقع العراقي يقول العكس تمامًا، إذ تحوّلت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (وهي من يفترض أن تكون ضامنًا للعدالة الانتخابية) إلى طرفٍ في لعبة التوازنات السياسية، تفسّر القوانين بما يخدم النسق المُهيمن على السلطة وتُقصي المُختلف معه.
في الأيّام الأخيرة، أعادت قضية استبعاد النائب، سجاد سالم، إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا عن معايير المفوضية في التعامل مع المرشّحين. فالرجل الذي عرفه العراقيون صوتًا نقديًا مُستقلًا داخل البرلمان وجد نفسه مجدّدًا خارج السباق الانتخابي لأسباب تبدو أقرب إلى التأويل الشخصي منها إلى تطبيق القانون. إذ فسّرت المفوضية تصريحًا أدلى به في مؤتمر للمرصد العراقي لحقوق الإنسان على أنّه "إساءة" رغم أنّ حديثه لم يخرج عن سياق التذكير بمعاني ثورة الإمام الحسين في محرم حين شبّه موقف المحتجين في تشرين بمواجهة الظلم والطغيان، مُنتقدًا أولئك الذين تلطّوا بعباءة الدين ليبرّروا القتل باسم المقدّس.
المفارقة الصارخة أنّ المفوضية رأت في هذه الكلمات مَساسًا بـ"القيم الدينية"، بينما لم ترَ في سجّل آخرين أي إخلال بـ"حسن السيرة والسلوك"، رغم أنّ بعضهم مُدان بقرارات قضائية. هنا يصبح السؤال: كيف تُقنع المفوضية الجمهور العراقي بعدالتها؟
الجواب لا يحتاج إلى كثير من العناء، فالمفوضية في صورتها الحالية لا تعمل كمؤسسة مستقلة بل كأداة بيد المنظومة الحاكمة. فهي، منذ تشكيلها تُدار وفق منطق المحاصصة حيث يُوزّع مجلس المفوضين بين القوى المتنفّذة كما تُوزّع الحقائب الوزارية. وحين تكون البنية خاضعة للتقاسم الحزبي، فإنّ قراراتها لا يمكن أن تكون مُحايدة. وهكذا تُصبح المفوضية جزءًا من منظومة السيطرة التي تفرض شكلًا واحدًا من السياسة ولونًا واحدًا للتمثيل، فيما يُقصى كلّ من يحاول الخروج عن هذا النسق.
كلما توسّعت دائرة الإقصاء والتمييز انكمشت دائرة المشاركة
ازدواجية المعايير التي تمارسها المفوضية ليست مجرّد خلل إداري أو تجاوز قانوني، بل هي "ضرب في جوهر العملية الديمقراطية". فالديمقراطية لا تقوم على مجرّد تنظيم انتخابات دورية، بل على تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وعلى ثقة الجمهور بأنّ صوته يمكن أن يُحدث فرقًا. وحين يشعر المواطن أنّ المفوضية تُقصي من تشاء وتُجيز لمن تشاء، فإنّ القناعة بعدم جدوى المشاركة تصبح أمرًا منطقيًا لا مجرّد تعبير عن عزوف أو لا مبالاة، في نتاج لإحباط نابع من انعدام الثقة في عدالة العملية الانتخابية.
في ذات الوقت قد تقدّم ناشطون شباب بشكاوى رسمية إلى المفوضية ضدّ الأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلّحة مع الأدلة والإثباتات بذلك استنادًا إلى الدستور وقانون الأحزاب، لكن المفوضية لم تناقش تلك الملفات ولم تُصدر أيّ توضيح ولم تعقد حتى اجتماعًا لمراجعة هذه الخروقات. هذا الصمت ليس حيادًا، بل "تواطؤ" مُعلن مع القوي على حساب القانون. فحين يُعاقَب المستقل على كلمة ويُغضّ الطرف عن حزب يملك تشكيلًا مسلّحًا تُصبح الدولة نفسها طرفًا في انتهاك الدستور الذي وُجد لحمايتها.
إنّ سلوك المفوضية يُعيدنا إلى سؤال الثقة بالعملية السياسية؛ كيف يمكن لجمهورٍ أن يثق بمؤسسة تُمارس الانتقائية في تطبيق القانون؟ وكيف يمكن إقناع الناس بالذهاب إلى صناديق الاقتراع وهم يرون أنّ النتائج محسومة سلفًا لصالح من يمتلك القوة والسلاح والنفوذ؟
إنّ المقاطعة المُتزايدة للانتخابات في العراق ليست موقفًا سياسيًا طارئًا، بل ردّ فعل طبيعي على فقدان الثقة بالعدالة الانتخابية. فكلّما توسّعت دائرة الإقصاء والتمييز، انكمشت دائرة المشاركة، وكلّما استُخدِم القانون كأداة انتقائية تقلّصت شرعية النظام الذي يرفعه شعار الديمقراطية.
لا يمكن للديمقراطية أن تزدهر في بيئةٍ يُكافأ فيها من يملك السلاح ويُعاقَب فيها من يملك الرأي
بهذه الطريقة تُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي وتتحوّل الانتخابات إلى طقس شكلي لتجديد شرعية سلطة قائمة لا لتداولها. والمفوضية، وهي واجهة المفهوم الإجرائي للديمقراطية، تمارس اليوم ما يمكن تسميته بـ"القوننة الانتقائية للإقصاء"، أي تحويل الخلاف السياسي إلى مخالفة قانونية مُفترضة لتبرير منع المختلفين من المشاركة في الحياة السياسية مثل ما حصل مع النائب سجاد سالم. وهنا تكمن الخطورة الكبرى، فحين يُفرّغ القانون من روحه يصبح مجرّد أداة للهيمنة وتفقد الدولة قدرتها على احتضان التعدّد والتنوع، اللذين يُفترض أن يكونا روح الديمقراطية وجوهرها.
إنّ أزمة الديمقراطية في العراق اليوم ليست في غياب النصوص، فالدستور واضح والقوانين واضحة، بل في غياب الإرادة التي تجعل النصوص فوق الانتماءات. فالمفوضية العليا هي التي يُفترض أن تحمي المسافة بين السلطة والناخب وتذيب هذه المسافة، لا أن تتحوّل من حكمٍ بين اللاعبين إلى "لاعبٍ يرتدي قميص أحدهم".
ولذلك، فإنّ إصلاح العملية الانتخابية لا يبدأ من إعادة النظر في قانون الانتخابات فحسب، بل أيضًا من إعادة بناء المفوضية نفسها على أسس مهنية خالصة بعيدة عن المُحاصصة الحزبية والطائفية. ومن دون استقلالٍ حقيقي لمؤسسة الانتخابات ستبقى الديمقراطية في العراق واجهة جميلة تخفي وراءها نظامًا مُغلقًا يعيد إنتاج ذاته.
في الختام، لا يمكن للديمقراطية أن تزدهر في بيئةٍ يُكافأ فيها من يملك السلاح ويُعاقَب فيها من يملك الرأي. وحين يُصبح القانون انتقائيًا تتحوّل الانتخابات إلى أداة للإقصاء لا للتعبير، وإلى وسيلة لإدامة السلطة لا لتداولها.
عندها فقط، يُصبح السؤال مشروعًا كيف نُقنع المواطن العراقي بالتصويت إذا كانت النتيجة تُكتب مُسبقًا في مكاتب المفوضية؟