مقاومة
الأعشاب والنباتات الصغيرة التي أطلّت برأسها مع بداية الربيع من بين أحجار الرصيف وشقوق الجدران، بدت كما لو أنها أمضت الشتاء كلّه تقاوم لكي تخرج أخيراً إلى الضوء. هكذا، كنت أتخيّلها وقد أمضت شهور السُبات تراكم الطاقة والعزم بما يكفي لتنتقل، ما إن يحين الأوان، من التراب الكامن حيّاً تحت طبقة الباطون، إلى السطح والشمس الربيعية، باحثة عن أيّ ثغرةٍ تمكّنها من النفاذ إلى الخارج.
وأنا، حين أمشي كلّ يوم، اعتدتُ النظر تحت قدميّ لئلا أتعثّر بمخلّفات الكلاب التي لا يحترم أصحابها عمّال القمامة أو المشاة، لا تقاوم عيناي الانجذاب لتلك النباتات الصغيرة تطلّ برأسها من بين أحجار الرصيف، أو من شقوق في الحائط الرملي القديم الذي يسوّر ميدان سباق الخيل المجاور لبيتي، والذي يعود تاريخ بنائه إلى مرحلة معمارية كانت تُبنى فيها بيوت بيروت من هذا الحجر المحلي الأصفر.
كان هذا الحائط، يجعلني أشعر بحمولة ما يختزنه عن ماضي المدينة. كما بدا لي سهل الاختراق على النباتات اليافعة، ربما لتآكله وقدمه وليونة ذاكرته.
كان حائطاً واطئاً لم يعد يكفي على ما يبدو لتسوير الميدان وجاره المُلاصق قصر الصنوبر، مقرّ إقامة السفير الفرنسي منذ زمن الانتداب، فرفعوا فوقه حائطاً جديداً من الإسمنت هذه المرّة، عالياً جداً وتعلوه أسلاك شائكة وكاميرات مراقبة. ومع أنّ تماسك الحائط الجديد أصلب، لا بل إنه يبدو أصمّاً بعد أن سُدّت كلّ ثغراته بلطخات من الباطون، إلا أنّ تلك النباتات لم تتوقف عن شقّ طريقها في الإسمنت، لتخرج نضرة من بعض الثقوب التي أحدثتها. نضرة ويافعة لكن أصلب من تلك التي تشق الحجر الرملي العتيق. مع أنّ هذه الأخيرة كانت أكثر ازدهاراً، إلا أنه يخيّل إليّ أنها أقلّ صلابة من تلك التي عانت المشقات. قوّية هي تلك النباتات. وكلّما كان الجدار الذي تخترقه أصلب، كلما بدت أقوى بعد أن تمكنت منه.
قوّية هي تلك النباتات. وكلّما كان الجدار الذي تخترقه أصلب، كلما بدت أقوى بعد أن تمكنت منه
لا تفهم من أين أتت، كما لو أنها نبتت من ذاكرة نفسها! أغلبها من فصيلة الخبيزة أو السرخس أو الطيّون، وهي من أقدم ما نبت على وجه الأرض قاطبة.
من حين إلى آخر، خصوصاً في الأحياء القريبة من وسط بيروت، أي من المدينة القديمة قبل توسّعها، تجد في شقوق الأرصفة غصن شجرة انبثق للتو هنا أو هناك، يعلن شكل أوراقه عن هُويّته، كتلك الوريقات الصغيرة من شجرة تين شقت مكان التقاء الرصيف بالجدار في منطقة الناصرة. على الأرجح كانت جدة جدة جدتها مزروعة هنا منذ عشرات السنين، لكنها أُزيلت لبناء تلك البيوت القرميدية التي لا يزال بعضها قائماً بفضل المطاعم التي اشترتها، بدلاً من أن تحافظ عليها الدولة وتعلنها تراثاً معمارياً.
الرصيف أيضاً، تتخلّله أنواع من تلك النباتات. آه... هذه لا شك ستُصبح شجرة ليمون. أوراقها واضحة الدلالة، بالشكل واللون: خضرة فاتحة تميل الى الأصفر. ليست صفرة الذبول المطفأة، بل اصفرار النضارة اللامع الذي يسبق بلوغ الوريقات اخضرارها الكامل.
وهناك أيضاً غصن صغير يطلّ برأسه من بين أحجار الرصيف تؤكّد وريقاته أنّه سيكون شجيرة توت تروي لنا في بزوغها هنا، أنّ بستاناً كان موجوداً في هذا المكان، أيّام كان التوت شجرة شائعة في لبنان منذ أكثر من قرن، خاصّة في منطقة بدارو التي كانت على الأرجح تقع خارج العاصمة قديماً. توت حرير القز الذي تسبّب كساده بعد عزّ في مجاعة البلاد. توت شراب إفطار شهر رمضان وطعم البوظة القديم. توت وليمون وجميز وتين، تنبت من دون أن يستنبتها أحد من تراب ذاكرة المدينة، ذاكرة البساتين التي كانت هنا. تقاوم، مثلنا، لكيلا تنسى من هي ومن أين أتت.
النباتات لم تتوقف عن شقّ طريقها في الإسمنت، لتخرج نضرة من بعض الثقوب التي أحدثتها
"تحت الرصيف، غابة". لم أكن أفهم شيئاً من تلك العبارة حين رأيتها للمرّة الأولى مكتوبة بالفرنسية في إعلان معلّق على جدار إحدى محطات المترو في باريس. هل كانت الغابة؟ لا بل كانت الجملة "تحت الرصيف، الشاطئ" أو البحر؟
يومها، كنت قد وصلت للتو إلى العاصمة الفرنسية للدراسة. وكنت مع طالب زميل، يساري الميل، حاول أن يشرح لي حين سألته عن المغزى، معنى تلك العبارة التي عصي فهمها على مخيّلتي.
لم أفهم كيف يكون الشاطئ أو البحر تحت الرصيف؟ بقيت الجملة معلّقة في عقلي وظننت أني نسيتها قبل أن تعود فجأة لتحضر في عقلي حين رأيت تلك النباتات. هل كانت تعني أنّ البحر كامن تحت ذاكرة الرصيف الذي اعتلاه؟ "ففي البدء كان العماء، وكانت المياه تغمر جلد الأرض". هل يقصد أن الطبيعة لا تُنسى؟ هل يُقصد أنّ ما تمّ سجنه بالقوّة تحت طبقة من الإسمنت وحجارة الرصيف قد يعود، بكلِّ إصرار وثبات، لينبت من ذاكرة نفسه حين يؤون الأوان؟
يوم رأيت الإعلان نهاية الثمانينات، لم يكن هناك إنترنت. حين تذكرت الجملة بالأمس عدت إلى المنزل. فتحت حاسوبي وطبعت جملة "تحت الرصيف... الشاطئ" في محرّك البحث. وإذ بكمية من الروابط تخبرني أنّ أصل العبارة شعار ثوري، كان قد خطّه أحد طلاب ثورة أيار/مايو العام ١٩٦٨ في فرنسا، على لوح إحدى قاعات جامعة السوربون.
تقول القصة إنّ العبارة، التي كانت من تأثير المدرسة السوريالية في المخيّلة الطلابية، واحدة من أربعمئة وخمسة وأربعين شعاراً رفعها الطلاب في ثورتهم تلك (حسب صحيفة لوموند). وفي رواية أخرى أنها سبقت تلك الثورة. بدلالة صورة التقطها روجيه فيولي وهو مصوّر فرنسي، لجدار قريب من جامعة السوربون في مارس/آذار من ذلك العام، أي قبل شهرين من اندلاع ثورة الطلاب. كذلك كان هناك جدل حول الملكية الفكرية للشعار الذي تحوّل بيد أحد أولئك الطلاب إلى اسم مجلة سياسية في ألمانيا بعد ذلك. لم أفهم هذا النزاع، خصوصاً أنه، أي الشعار، دخل وتغلغل في المخيّلة الجماعية وأصبح بحكم نفسه مشاعاً!
لكني فهمت أخيراً كيف يكون البحر كامناً تحت حجارة الرصيف، وكيف أنّ الذاكرة والهُويّة ليستا بحاجة إلا لبعض التراب لتُزهرا من جديد حين يأتي وقتها. تماماً كتلك النباتات الربيعية مخترقة حجارة الأرصفة التي حاولت طمسها وإسمنت الإبادة.