مقالب صحافية

28 أكتوبر 2020
+ الخط -

بعض الناس، ومنهم أدباء ونقاد وقارئون، تبهرهم الأسماء الأدبية أو الفنية المشهورة، أو المتداولة على الألسنة، مثلما التماعة "الفلاش" تغمرهم للحظات بالدهشة والضوء وارتعاشة الأهداب، فإذا هم أسرى هؤلاء المشهورين، يرجحون كفّتهم كيفما كان حال (الميزان)، ويؤثرونهم على سواهم إعجاباً وانبهاراً، حتى ولو كان نتاج أحد هؤلاء الرائجة أسماؤهم يستحق ذلك. ولكنه سحر الاسم وتأثيره، يفعل فعله، فما يملك (المبهور)، أو المخدوع أن يعترض أو حتى يناقش لئلا يَشك أحد في ذوقه، أو يستخفّ برأيه، وكم في ذلك من لطائف ومواقف، بعضها يُروى هنا للعبرة والذكرى والتاريخ والجغرافيا إن شئت.

ذات يوم، من سنوات طويلة، وفي عاصمة عربية، حمل زميل صحافي -يشرف على صفحة أدبية- قصة قديمة لتوفيق الحكيم اسمها على ما أذكر "العالم سنة مليون" إلى عدد من نقّاد وأدباء (ذلك الزمن!) في تلك العاصمة، على أنها من تأليف قارئ متأدّب، يحسب نفسه أنّه أعاد فتح الأندلس بقصته تلك، وطلب الزميل من الذين استفتاهم إبداء آرائهم في (محاولة) القارئ، فتباروا -ولا مباريات كأس العالم- في ردح وقدح القصة وصاحبها، ونصحوه بعدما (شرشحوه)، بأن يَنقعها ويشرب ماءها، ويبحث له عن هواية يتسلى بها، غير الأدب والقصة، لأن القصة يا بني، صعب دربها، وعسير إدراكها، والحبكة عندك كذا، والسرد كيت، والنتيجة كتاكيت!

صاحبنا فرّ بجلده وفروة رأسه إلى يوم الناس هذا وقد علّمته الحياة أنَّ القيمة -في لغة التعامل- للفعل لا للاسم..

وبعد أيام، والدعاية الثقيلة للزميل نفسه لا تزال، سحب صاحبنا من درج مكتبه قصة عادية، بل وسطحية نائمة في بريد القرّاء كان قد بعث بها قارئ من الدرجة الثانية -إن جاز التعبير- وتوّجها الزميل المشرف على صفحة الأدب، باسم توفيق الحكيم، على أنّها واحدة من قصصه القصيرة المنسيّة، والتي لم يسبق نشرها: وإنه في صدد رصد الآراء و (التحليلات) النقدية أو الطبية من بعض النقاد والأدباء المبهورين بالأسماء، فما كان منهم إلا أن أخذوا يتبارون بالحماسة نفسها، كل بأسلوبه ومصطلحاته في إظهار (محاسن) القصّة، وإضفاء الهالات عليها، وبعضهم اعتبرها فتحاً عظيماً في كتابة القصة القصيرة على أصولها، ويؤكد أحدهم "ما دام سوق المزاد قائماً على هذا النحو، أنّها، أيّ وربّي، من أفضل ما كتب توفيق الحكيم من قصص"، وطالب آخر بمزيد من مواصلة البحث والتنقيب -بالإذن من التنقيب عن النفط- عن مثل هذه القصص الرائدة الناهضة، المنسية المخفية لتوفيق الحكيم وغيره من الأدباء الكبار.

ولا بد أنكم تعرفون (خلاصة) ما حدث بعد ذلك! فقد نشر الزميل الأديب تفاصيل (المقلب) الصحافي الذي شربه بعض نقاد ذلك الزمن، وأوضح الالتباس، وكشف (اللعبة) التي انطلت حيلتها على أصحابنا الأفذاذ، تحت عنوان -مع عدم المؤاخذة يا جماعة-!

ويومها كمَن له الجماعة عند أحد المقاهي، وتربّصوا به الدوائر لتلقينه درساً لا ينساه في عدم أمانة (المقالب الصحافية).. ولكن صاحبنا فرّ بجلده وفروة رأسه إلى يوم الناس هذا وقد علّمته الحياة أنَّ القيمة -في لغة التعامل- للفعل لا للاسم.