معتقلون لا سجناء
ثارت المعركة قبل أن يكتمل إعلان الإطلاق، تمامًا كالعادة التي لا أثق بصحّتها ولا بعلّتها، لكنّ المفيد منها اضطرار البعض إلى المشاركة فيما عزفوا عنه؛ فقرًا لا زهدًا، فقرَ واقعٍ أقصد، وفتحت من حيث لا تقصد بالضرورة نقاشًا علنيًّا ثريًّا، يمكن للمبادرة الاستفادة منه، وممّا قيل فيه أكثر مما جرى في اجتماعاتها المحدودة قبل التدشين.
بالأمس شاركتُ في إعلان تأسيس لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، بمشاركة عدد من أسر المعتقلين ومحامين وسياسيين، في خطوةٍ متأخّرة كثيرًا، نعم، لكن ضرورية، لأنّ التأخّر لا يلغي القيمة حين يكون الفعل في ذاته شهادة على الإصرار.
وهي لم تأتِ إلا بعد استنفاذ السبل الأخرى، التي طالما انتقدتها هنا وفي كلّ مكان، خاصةً تلك القنوات الاستجدائيّة التي اعتُمدتْ لسنين وسيلةً وحيدة للحصول على رأس أيّ معتقل، بعد تقديم الفدية السياسيّة التي دائمًا تكون باهظة، يدفع ثمنها لا الوسطاء وحدهم، بل حتى الوضع السياسي نفسه، الذي يترسّخ فيه علاقة مشوّهة ومذلّة بين السلطة ومن خارجها.
رغم التحيّة الواجبة لكلّ حراكٍ مهما كان خفيضَ الصوت والسقف، إلا أنّ نقدًا ذاتيًّا من البدء واجب، إذا لا يصحّ انتظار انتهاء التجارب فشلاً لننظر فيما أوصل إلى مآلها المُعتاد ذاك، وهو ما دار وما زال منذ الإعلان حتى لحظة الكتابة، من أطراف مُتباينة الانتماء والتصوّر، أمكن أن تكون أساسًا عمليًّا للانطلاق.
لا يصحّ انتظار انتهاء التجارب فشلاً لننظر فيما أوصل إلى مآلها المعتاد
ولعلّ أوّل ما تواجهه اللجنة (التي أنا عضوٌ فيها)، هو اسمها، إذ إنّ اقتصار عملها على الدفاع عن "سجناء الرأي" قصورٌ يجب معالجته، ليشمل كل المعتقلين (وسأعود إلى مسألة الاعتقال والسكن وما بينهما بعد قليل)، في قضايا الرأي وغيرها، من دون استثناء بغرضِ الحفاظ على الصورة المسالمة، ومن دون الاستنادِ إلى تعريفات السلطة أو اتهاماتها، التي يعرف الجميع قدر ما فيها من تلفيقٍ ووقاحة، ولا يصحّ أن ننسى أن القضايا جميعها التي لُفّقت وقت الثورة (يناير/ 2011) فيها تهم بالتخريب والعنف والاعتداء، والكثير من محكومييها مازالوا في المعتقلات حتى اليوم.
أما ثاني المسائل فهو امتداد لأولها، نطاق عمل اللجنة، فالمُلاحظ من إعلان التأسيس والاجتماعات المحدودة السابقة عليه وجود تيارات سياسية بعينها دون الأخرى، وأسر معتقلين في قضايا بعينها دون اتساعٍ للبقيّة، وأحسب أنّ الواجب توجيه الدعوة إلى "الكلّ" للمشاركة، أسرًا وتيارات ومستقلين، ولينضمّ من ينضمّ ما دام متّفقًا على الشعار الذي ختم به البيان التأسيسيّ "تبييض السجون"، وإن تمنّيتُ أن يكتمل بـ "وهدمها" .
ثالثًا، ألا تتحوّل اللجنة، ابتداءً أو مع الوقت، إلى جسر يعبر عليه بعضُ من أغلقت في وجوههم قنوات التواصل مع السلطة، حتى يستعيدوا تلك القنوات "الاستجدائيّة" ويعودوا لما نُهو عنه، ومن ثمّ "يفضّوها سيرة" ويعلنوا حلّ اللجنة أو إماتتها بفعل الوقت والإهمال، بل أن تتحوّل هذه المبادرة إلى عملٍ جادٍّ ودؤوب، يدفع فيه المشاركين إلى إحداثٍ خرقٍ في هذا الملفّ الجامد منذ سنين، بدءًا بإعادة امتلاك اللغة، وصولاً إلى تحرير المعتقلين، وانتهاءً بنسف القوانين والمسارات والمؤسسات الظالمة التي دعست الناس والبلاد في العشريّة السوداء الفائتة/الممتدّة، بغير تمييز ولا استثناء.
وعن اللغة فقد سبق أن اشتبكتُ غير مرّة مع قاموسٍ تمّ فرضه غصبًا على الواقع "محبوسين وسجناء لا معتقلين، غير معروف مكان احتجازهم لا مختفين قسريًّا، ألقت القبض عليه لا اختطفته، خطأ لا جريمة .....إلخ"، ما رسّخ تعريفاتٍ ماسخة لجرائم كبرى، ترتكبها السلطة بشكلٍ دوريّ بحقّ الجميع، من دون امتلاك القدرة على الصراخ بحقيقة ما يجري لهم، شيء يذكّرني كثيرًا بقاموس الاحتلال في مواجهة المقاومة "مخربين لا مقاومين، دولة إسرائيل لا الكيان الصهيوني، يهودا والسامرة لا غزة والضفة .... إلخ" والنهاية معروفة، من لا يحرّر لغته لن يحرّر أسراه ولا بلده، هنا كهناك وهناك كهنا.
من لا يحرّر لغته لن يحرّر أسراه ولا بلده، هنا كهناك وهناك كهنا
ولعلّ آخر نقطة أنبّه عليها، ضرورة أن يتّسع نطاق عمل اللجنة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والمالي للمعتقلين والمعتقلات بجانب الدعم القانوني والسياسي، نظرًا إلى ما تعرّضوا له وأسرهم في السنين الفائتة/ الممتدّة، من أضرار تحتاج إلى أعمار لتُجبر، ونظرًا إلى العداء الوقح والضربات العنيفة التي وجّهتها السلطة إلى كلّ من حاول تقديم ألوان الدعم هذه لهم من الأفراد أو المجموعات الصغيرة.
هذه المسائلُ ليست ترفًا نظريًّا، بل هي شروط البقاء والفاعلية لأيّ جهدٍ يسعى بصدقٍ إلى العدل والحريّة، وأعلم أنّ ثمّة من سيدفع باتجاه خطابٍ جذري يرى المنظومة كلّها ظالمة، ويعتبر كلّ ضحاياها (سياسيين كانوا أم جنائيين) مظلومين يستحقون الإنصاف (وأنا من هذا التيار)، وهذا موقفٌ أخلاقي في جوهره، قبل أن يكون انحيازًا سياسيًّا، لكنه يحتاج إلى وعيٍ بحدود الممكن في اللحظة الراهنة، وإلى إدراك أنّ الطريق إلى التغيير يبدأ بخطواتٍ أكثر واقعية، لذا أتوقّع أنّ التيار ذاته سيقبل بتبنٍّ جماعي لخطوط أسبق على ذلك من دون التخلّي عن الغايات الكبرى نظريًّا وسعيًا.
ما دام فينا من يؤمن بوطنٍ بلا سجناء، فثمة أملٌ بأن نصحو يومًا على وطنٍ بلا سجون
أما عن الخلاف الذي ثار حول ظهور شخصيّة واحدة في الصورة والتوقيعات، فأحسب أنّ التجربة ستفرز نفسها بنفسها؛ فمع كلّ اختبارٍ حقيقي سيتبيّن من يعمل بجدٍّ ومن ينسحب عند أوّل عاصفة، وحين تتبنّى اللجنة خطابًا جديًّا، حرًّا، نابعًا من ضميرها لا من قوالب السلطة، فإنها ستصبح قادرة على الصمود واستكمال طريق نضالها، أو ستتفجّر لتبدأ مبادرات أخرى من جديد على أسسٍ أصدق.
إنّ الأصل في الأمر هو الوضوح والمصارحة: أن نبدأ النقاش من الجذور، لا من القشور، وأن نضع المبادئ قبل الأسماء، والمعايير قبل الولاءات، ثم نترك التجربة تمتحن الجميع.
فربما لا يتحقّق الحلم غدًا، لكنّ السعي إليه هو الذي يُبقي فينا المعنى والكرامة، وهو الذي يقول بوضوح إن كنّا استسلمنا، أم ما زلنا نقاوم. وما دام فينا من يؤمن بوطنٍ بلا سجناء، فثمة أملٌ بأن نصحو يومًا على وطنٍ بلا سجون.