معالم ثرثارة على طريق الكتابة!

24 سبتمبر 2020

(مقاطع من رسائل إلى كاتب "أشبب"، تورط وطلب مني النصيحة) 

...أنا آسف جداً على شتائمي السابقة التي يبررها ما بيننا من عشم، لكنني بصراحة لم أفهم من أين أتيت بافتراضك أن الكاتب ينبغي أن يكون لديه أصلاً ثقة بنفسه أو بما يكتبه، ولا كيف تصورت أن الثقة يمكن أن تجتمع مع الكتابة؟ ورأيي بما أنك طلبته: ربما تكون الثقة صفة تليق بواعظ يحدث الناس عن يقين الآخرة، أو مهندس يشرف على تسليم عمارة سكنية لا ينبغي أن تسقط قبل نصف قرن، أو جراح لم يُعرف عنه أبداً أنه نسي مقصاً داخل بطن مريض، أما الكتابة فقد خُلقت لكي تجتمع مع الشك والحيرة والتردد والارتباك والاضطراب وما شئت من سائر المرادفات المناقضة للثقة.

...

بدا لي من هواجسك الطافحة من سطور رسالتك أنك تشغل بالك كثيراً بإيجاد ضمانة تحميك من شر الخرف السياسي والفكري في مراحل عمرك القادمة، وهو أمر ربما أعذرك فيه بسبب هول ما تراه الآن من مواقف يتخذها كبار المبدعين الذين أحببتهم تتناقض مع ما عاشوا عمرهم من أجله، لكنني لم أفهم ما علاقتك أنت أصلا بمواقف هؤلاء؟ ولماذا تشغل بالك بهم أصلا أكثر من انشغالك بنفسك؟، وحاشا لله أن أقول: بخيبتك.

إذا بدا لي كلامك متعالياً، فتذكر أنني منعت نفسي بصعوبة من لعب دور كبير السن "المختال بحكمته" على من هو "أشبب" منه، فلم أقل لك مثلاً: "اتنيل على عينك مش لما يبان لك أمارة الأول في الحاضر لكي تفكر في مستقبلك"، لم أقل ذلك لأنني احترمت فيك حرصك على تأمين موقعك من التاريخ، وهو حق مشروع ليس من حق أحد أن يصادره عليك، ومع ذلك فإن رأيي الذي لن يعجبك كما أظن، هو أن ما ستتركه خلفك من إبداع سيكون في المستقبل أهم من مواقفك ومن شخصك.

بالطبع سيكون أمرا رائعاً إذا حرصت على أن تكون مواقفك وسيرتك متسقة مع إبداعك، سيشكرك ورثتك على ذلك وهم يقرأون ثناء المتخصصين من الأجيال المقبلة على ذلك الاتساق العظيم بين المبدع وإبداعه، لكن الأرجح ـ في ظني على الأقل ـ أن أحداً لن يتذكر مواقفك أو يهتم بها أصلاً إلا إذا تركت خلفك إبداعاً يستحق أن يتذكره أحد، ولن يتحقق ذلك بكونك موهوباً فقط، فكم من موهوبين أضاعوا موهبتهم هباءا منثورا بعدم أخذها بجدية، وإدراك أن أخذها كأمر مسلم به، يشكل نسبة لا يستهان بها من العوامل التي تساعد غدر الزمان على الفتك بأصحاب المواهب إن كانوا بالفعل أصحاب مواهب، هذا إذا سلّمنا من الأصل أن هناك شيئاً اسمه الموهبة، ونفينا قدرة الإنسان على تحقيق ما يحلم به إن أجاد السعي من أجله.

...

أصبحت أرى من اللكّ والعجن في رسائلك السابقة أن مشكلتك الرئيسية تكمن في اعتقادك أن بقاءك من عدمه يتوقف على آراء من حولك فيك وعلى اعترافهم بموهبتك أو بما تظنه موهبتك، والحقيقة أن اعتراف من حولك بك سواءً كانوا كتابا أم قراء أمر جميل ومهم، ويكذب من يقول لك أنه لا يسعده ولا يرضيه، لكن غيابه أو وجوده ليس الدليل الأكيد على وجود موهبة لديك، فكم من كتاب لمعوا وانتشروا سريعا ثم انطفأوا واندثروا أسرع، وكم من كتاب ماتوا دون أن يعترف بهم أحد، ولم يجدوا طريقهم إلى التأثير والإنتشار إلا بعد سنين طويلة من وفاتهم، لا أظن أنك ستحب كثيرا تذكيرك بأمثلة مثل فرديناند بيسوا وفرانز كافكا وإيميلي ديكنسون وغيرهم من الذين طفحوا الكوتة في حياتهم ونالوا الخلود بعد موتهم، فمن حقك أن تطمع في ما ناله تولستوي وشكسبير ونجيب محفوظ وماركيز من دلع الزمان الوفير المستحق، لكن المشكلة أن رغبتك الشخصية مهما كانت صادقة لن تكفل لك وحدها مصيرك، وللأمانة لست أدري ما الذي يمكن أن يحدد لك مصيرك أو مصيري، ولو قال لك أحد أنه يدري فاقطع علاقتك به فورا، لأنه إما كذاب أو جاهل أو نصاب أو طمعان فيك بما يخالف شرع الله.

للأسف الشديد، شعرت أن كل ما سبق أن كتبته لك في رسائلي السابقة لم يُجد نفعا في إقناعك بأن "تبص في ورقتك" وتركز فيما تفعله أكثر من انشغالك بردود الأفعال عليه من كل من هب ودب

كل ما يمكن قوله أن ما تواتر بين السابقين والمعاصرين ولا أظنه سيتغير بين اللاحقين، أن مصير المبدع لا يحدده أبدا رأي الآخرين فيه، بقدر ما يحدده اصراره على أن يطارد أحلامه، وأن يسعى لتطوير نفسه وحماية موهبته مما يفسدها، أتذكر هنا عبارة سمعتها من الفنان الكبير عادل إمام في حوار أجريته معه قبل 15 سنة، وكنا نتحدث يومها عن علاقته بفنان كبير آخر هو عبد الحليم حافظ وقدرة كلا منهما على الإستمرار في النجاح والتأثير، تقول العبارة "الفنان وحده يحمل داخله عوامل بقائه أو فنائه"، وهي عبارة مهمة أتمنى أن تتأملها بغض النظر عن رأيك الوجيه في مشوار عادل إمام الفني الذي لن يفرق معه ببصلة، فضلا عن أن مناقشته ليست مجال حديثنا الآن.

...

قليلون جداً في تاريخ الأدب والفن الذين ولدوا عباقرة من أول عمل قاموا به، وكثيرون من الذين ولدوا عباقرة لم يكملوا نجاحهم كما كان مأمولاً منهم، وكثيرون من الذين انضربوا بالصُرم القديمة في بداية مشوارهم أو تعرضوا للإتهام بأنهم مجرد "مديوكر"، تحولوا إلى عباقرة بعد ذلك حين اشتغلوا على أنفسهم ولم "يشتغلوا" أنفسهم، وعرفوا أن كل شيئ يبدأ وينتهي داخل بيتك الذي هو دماغك وروحك ووجدانك.

دعنا نتخيل مثلاً لو كان نجيب محفوظ ـ وهو عندي من سادة أدباء الإنسانية ـ قد تأثر بكلام من طلبوا منه أن يركز في الكتابة الفلسفية بعد أن قرأوا رواياته الأولى باهتة الحضور التي تحدثت عن تاريخ مصر الفرعونية، تخيل مثلا لو كان فيودور ديستويفسكي ـ وهو ثاني أديب لا أتصور الحياة بدون أدبه بعد محفوظ ـ قد تأثر بكلام من سلقوا رواياته الأولى بألسنة حداد، قائلين عنه كلاماً مريعاً نقل بعض نصوصه المترجم القدير سامي الدروبي في مقدمات تلك الروايات، ومن المؤكد أنك بعد قراءته ستستغرب من قدرة ديستويفسكي على الاستمرار في الكتابة، وقد كان يمكن أن يفشخه ذلك الكلام لو كان خرعاً منشغلا بآراء الآخرين فيه، أكثر من انشغاله بما يريد أن يقوله، على العكس ربما كانت الآراء التي هاجمت الصديقين العزيزين نجيب وفيودور في ذلك الوقت المبكر دافعاً أقوى لكي يعاندوا أيامهم ويطاردوا أحلامهم، حتى لو لم يكن أحد يراها غيرهم، وحتى لو لم يكونوا هم أصلاً يرونها بشكل واضح.

هل أنت محتاج إلى أن أذكرك أن الأمور نسبية، وأنه لن يصبح أي كاتب بمكانة نجيب أو فيودور أو غيرهما لمجرد أنه ظل يطارد أحلامه، طيب، دعني أذكرك بأن محمد جلال ومحمد يوسف القعيد مثلاً ظل لديهما الدأب والإصرار لإصدار رواية كل سنة أو سنتين، ولم ينُبهم وينُبنا سوى التنقل من رداءة لرداءة، ومع ذلك فنسبية الأمور لا تنفي أنه بنسبة كبيرة جداً ـ ومجربة أيضاً ـ  يظل عدم الانشغال بما هو خارجك أفضل بكثير من الإنشغال به، فلن ينفعك ولن يضرك أحد بقدر ما ستنفعك أو ستضرك إدارتك لحياتك وسيطرتك على جموح نفسك أو خمولها، مع ضرورة التأكيد على أن تلك الإدارة والسيطرة لن تمنع أبدا إمكانية رشق مركبك في صخرة وغرقها، لكن حدوث ذلك بعد أن اجتهدت وحاولت، سيجعلك تؤدي مهمتك بشموخ يشبه شموخ قبطان سفينة تايتانيك حين أدركه الغرق، وتترك خلفك ذكراً طيباً كالذي تركه عازفو تايتانيك الذين قاوموا الغرق بالمزيد من العزف الذي لم يعبأ به أحد.

...

صدقني أو "إنشالله عنك ما صدقتني"، كثر الحزن يعلم البكاء، وسنوات الكتابة ستعلمك ـ مبكراً إن كنت محظوظاً ـ أن إرضاء كل الناس غاية لاتدرك، وأن إرضاء الكثير من الناس قد يضللك ويجعلك عبداً لذلك الرضا، ويحولك من كاتب إلى مندوب مبيعات أو مقدم لبرنامج (ما يطلبه المستمعون)، لذلك لا تدمن الاستماع لمن يثني عليك ولا تجزع من الاستماع لمن يلعن سنسفيلك، وتذكر دائماً أن الكتابة ليست سوى تقليب دائم في تربة الحياة، فأنا لا أميل كثيرا إلى من يتعاملون مع الكتابة على أنها زراعة مضمونة الثمار، فالزرعة التي لايزرعها القارئ لنفسه بنفسه لايمكن أن تعيش أبداً، والمسألة مسألة وقت، فأنت في بداية حياتك تحب الكاتب الذي يقول لك ما تحب أن تسمعه، ويمكن أن تظل كذلك حتى نهاية عمرك، لكنك لو لم تغير ذلك "الأتيتيود" في وقت ما من حياتك، ستفتقد كثيرا متعة الارتباط بكتاب يلعبون في دماغك ويقلبون تربة أفكارك ويستفزون تفكيرك ويجعلونك تعيش متعة وعذاب امتلاك العقل النقدي الذي يؤمن بمقولة نجيب محفوظ الخالدة: "الحقيقة بحث وليست وصولاً"، وهي عبارة انبهرت بها منذ قرأتها معلقة على الحائط بجوار مكتب واحد من أساتذتي، حولته الأيام إلى نصّاب قراري، ولم يقلل ذلك من انبهاري بها.

...

للأسف الشديد، شعرت أن كل ما سبق أن كتبته لك في رسائلي السابقة لم يُجد نفعا في إقناعك بأن "تبص في ورقتك" وتركز فيما تفعله أكثر من انشغالك بردود الأفعال عليه من كل من هب ودب، لذلك بدا لي أن استخدام مثل عملي يمكن أن يكون مفيداً أكثر في إيصال فكرتي البسيطة إلى مخك الذي تمنعني مودتك من وصفه بـ "الضِلِم".

شوف يا سيدي، لأنني أعلم محبتك لأدب الأستاذ بهاء طاهر عموماً، ولمجموعته القصصية الرائعة (بالأمس حلمت بك) خصوصاً، قررت أن أشركك في نقد كتبته مواطنة اختارت لنفسها اسم (زهرة أندلسية) في صفحة إنترنت مهتمة بالكتب، قالت فيه بالنص: "القصص إما عميقة جدا لدرجة إنها ما تتفهمش، أو سطحية جدا لدرجة إنك تندم على قراءتها، النهايات المفتوحة لم تعجبني، ولم يعجبني أسلوب الراوي العليم في تلك القصص، ولا أسلوب السرد لأن تطويل الوصف زيادة عن اللزوم يفسد النص"، وقد لقي تعليقها استحسان العديد من متابعي الصفحة الذين يعتبرونها ناقدة رائعة، ويأخذون رأيها نبراساً لما يقرأونه بسبب "ثقافتها الواسعة وذوقها الرفيع".

أقول لك هذا، لعلك إن وجدت نفسك تفكر وأنت تكتب في رد فعل القارئ الذي لا تعرفه، وتسأل أين سيكون موقع كتابتك من هواه، تتذكر مصير بهاء طاهر الذي لم يرزقه الله رضا (زهرة أندلسية) وجعلها سبباً في انصراف عدد لا بأس به من القراء عن أدبه، ولا أظن أنه يشكو من ذلك صحياً أو نفسياً، ولا أدري إذا كانت (زهرة أندلسية) ومتابعوها سيعيدون النظر في موقفهم بعد ذلك أم لا عندما تتطور أذواقهم، وهو أمر وارد، فأنا نفسي لم أعد أحب كتابة بهاء طاهر بنفس القدر الذي كنت أحبها به وأنا في سن (زهرة أندلسية)، ولا أظنك ستهتم بذلك، فضلاً عن أن يهتم به الأستاذ بهاء، ولست مشغولاً بالنقاش معك حول ذلك كله، بقدر انشغالي بأن أذكرك أن كل شيئ تكتبه مهما كانت جودته في نظرك، سيجد من يتعامل معه بوصفه "عميق جدا لدرجة إنه ما يتفهمش أو سطحي جدا لدرجة إنه يندم على قراءته"، لذلك من الآخر اكتب ما يحلو لك، كما يحلو لك، لأنه لو كان الله يمنح رضا الناس جميعا لكاتب، لمنح بهاء طاهر رضا (زهرة أندلسية).

ولعلي لا أجد ما أختم به رسائلي لك التي أسأل الله أن يجعلها "آخر الأحزان"، بغير تذكيرك مجددا بالنصيحة الحكومية الوحيدة التي استفدت منها في حياتي، نصيحة الإدارة العامة للمرور: "لا تنشغل بغير الطريق".