مسجد الحي

26 سبتمبر 2020

(مو بيدي .. قلبي هو اللي ساقني إليك). هكذا نطقها الحاج محمد، وخرجت من قلب مفعم بالحب حيال ابنه البكر الذي يُحبّه حبّاً لا مثيل له.

فرح عبد العزيز بهذه الكلمات البسيطة التي سمعها من أبيه، وهو ينطق بها. ويعلم الابن، ابن الخامسة والثلاثين عاماً، مدى حب أبيه واحترامه الزائد له، في الوقت الذي كان فيه الحاج محمد يحبس في جوفه كلاماً كثيراً يحاول البوح به ويُسمعه لابنه الذي يكنّ له احتراماً وتقديراً يليق به، ولا سيما أنّه يُجلّه ويقوم على خدمته، ويوليه في الوقت نفسه، وداً كبيراً، وهذا ما كان يُفاخر ويعتزّ به تجاه أقاربه وأصدقائه.

جلس الأب على كرسيه الخشبي الصغير، بينما جلس ابنه على حافة الرصيف، أمام بيته في الشارع العام، وجلست إلى جانبهما، هيام، زوجة ابنه وبعض أبنائهما الصغار الذين كانوا يلعبون أمام البيت في نهاية يوم من أيام الصيف الذي يميل طقسه بعض الشيء إلى البرودة!

كان الشارع يضجّ بالناس قبل أذان المغرب بحوالي ساعة، بينما أخذ الأهالي المجاورون للمسجد الذي يقع أمام منزل عبد العزيز مباشرة، ولا يبعد عنه سوى أمتار قليلة، بعقد حلقات متفرّدة طالما يدعو إليها أغلبهم، وكانت تشتمل هذه الجلسات على أبناء الحي الذي يقيمون فيه، فضلاً عن بعض الأفراد الذين يقيمون في الشوارع القريبة لحيّهم، والتي لا تبعد عن المسجد مسافات بعيدة، بالكاد تتطلب مشياً لا يتجاوز الدقائق العشر، وتربطهم مع أهله علاقات ود مجبولة بالمحبّة الخالصة، ومنذ زمن بعيد وهم يبدأون بالتوافد إلى المسجد لأداء صلواتهم.

التجمعات التي شهدتها الحارة تعددت هنا وهناك. في هذه الحارة الشعبية كانت العلاقة التي تربط الأهالي مع الجوار فيها الكثير من الاحترام، ولم يقف أحد من الجوار في يوم ما موقفاً معادياً حيال أي أحد من أهالي الحي، وإن وقع إشكال ما، وإن كان عارضاً، فإنه في طريقه إلى زوال .. وما يربطهما مع بعضهما البعض من أواصر الصداقة والاحترام يفوق الكثير من التقدير والتبجيل.

التفت الجميع إلى حديث الحاج عوض الذي صار يقصّ عليهم بعض القصص المضحكة، بعيداً عن قضية إمام المسجد ومشاكله التي لا تنتهي، وهو المعروف بسرد أمثال هذه القصص وحفظه الكثير منها

في الحارة، كانت العلاقة بين الحاج محمد وصديقه الحاج عوض علاقة متينة، ومبنية على الاحترام والتآخي والتوادد، وكانت تجمعها جلسات متفرّدة بصورةٍ يومية أمام منزل ابن الحاج محمد، يغلب عليها تبادل وجهات النظر، وعرض ما رافقها في هذه الحياة من مشاكل، واستعراضها بحضور أبنائهما، في بعض الأحيان، أضف إلى رجال الحارة الذين كانوا يتابعونها ويحفظونها عن ظهر قلب، ويستمتعون بها، وتتضمن الكثير من صور، ولا أحلى، من أيام الزمن الجميل..

كان الحاج عوض ابن الخامسة والسبعين عاماً ذكياً جداً ولماحاً، ويتميّز عن بقية أقرانه بالكثير من الأشياء. رجل قصير القامة، قوي البنية، أبيض الوجه، بشوشاً في هيئته، محبّاً للناس، وقوراً.. صاحب نظرة ومعرفة بالأشخاص، وعارفاً بالعشائر، وخبرته في الحياة اكتسبها من خلال علاقاته ومعارفه، واحتكاكه المباشر مع الناس، وهذا ما يُعرف عنه، ويعرفه أبناء حي الحميدية الذي يقيم فيه منذ أكثر من ستين عاماً.

حي الحميدية الذي يقع بالقرب من المسجد الجامع الأثري القديم الذي سبق أن بناه الخليفة العبّاسي أبو جعفر المنصور، ورمّمه في ما بعد الخليفة هارون الرشيد، إضافة إلى وجود مسجد إسلامي حديث بناه أهالي الحي على نفقتهم الخاصة ويؤمّونه لأداء الصلوات..

المسجد الإسلامي الحديث العهد، تعاون أبناء الحي على بنائه، وتناوب على أداء الأذان، وإلقاء الخطب الأسبوعية فيه عدد من المتمرسين الشباب في فن الخطابة، إلّا أنهم لم يكونوا بالمستوى المطلوب الذي كان يأمله أبناء الحي أن يكونوا عليه، فكانت الخطب التي تلقى مكرّرة وتُسلَقُ سلقاً، ولا يلتفتُ إليها أحد لأنها تخلو من أي هدف أو معنى، فكانت مجرد خطب تلقى لإرضاء المسؤولين عن مديرية الأوقاف في المدينة التي هي من تُعد أمثال هذه الخطب، وتوجّه أئمةَ المساجد بإلقائها في كل يوم جمعة، ورغم الحضور الكثيف للأهالي إلى مسجد الحارة في صلاة يوم الجمعة، إلّا أن أغلب الخطب التي تلقى لم تكن ترضي الحاضرين من سكان الحي ما دفع بأغلبهم الى الذهاب الى مساجد أخرى للاستماع إلى خطبة يوم الجمعة، والتي كان يؤكد فيها أهالي الحي أنها أفضل بكثير من الخطبة التي يلقيها عليهم إمام المسجد وخطيبه الشيخ حسن الذي لا يعلم ألف باء الخطابة وفنونها وأصولها..

كانت الجلسة عامرة تضمّ بين صفوفها الحاج محمد والحاج عوض، وجار المسجد بندر، ولفيف من الأهالي المجاورين للمسجد، ينتظرون قيام صلاة المغرب، وكانوا في هذه الفترة التي تسبق الصلاة كل يبدي رأيه عن خطبة الشيخ حسن، إمام المسجد التي ألقاها يوم الجمعة الفائت، والتي حضرها بندر جار المسجد، وقبل انتهاء الخطيب من خطبته بربع ساعة فضّل الخروج من المسجد على إكمال الخطبة إلى نهايتها بذريعة أنه لم يفهم منها شيئاً، وهذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها بندر من المسجد قبل الانتهاء من إكمال الخطبة، وإنما، كما أكد، فإنّها المرّة العاشرة، ولم يعد بإمكانه الحضور في المرات القادمة للمسجد للاستماع الى خطبة الجمعة، بل إنه قرّر الذهاب إلى مسجد آخر، بعيداً عن الحي الذي يقيم فيه.

قال بندر للجالسين في الحلقة المنعقدة الذين صاروا يبدون آرائهم كل على حدة عن الشيخ حسن وخطبه، والذي أكد لهم في أكثر من مرة أن الحكومة ستقوم بمساعدة المواطنين، وتقديم يد العون لهم بتسهيل تأمين رغيف الخبز لأبناء الحي الذي يعاني منه الكثير، والعمل على الإقلال من ساعات تقنين الكهرباء، وغيرها من الخدمات الضرورية الرئيسة التي سبق أن سمع عنها المواطن في أكثر من مرّة، ومن زمن بعيد، وما زالت مشاكلها معلّقة وإلى اليوم، وهذا ما دفع به إلى لعن وسبّ وشتم الإمام والحكومة، بينه وبين نفسه، وخرج من المسجد قبل أن يوجّه للإمام أي كلمة تخدش الحياء!

في الجلسة العامرة التي كان يحضرها أكثر من ثمانية أشخاص، من أبناء الحارة، نهض بندر، وقال: يا شباب أرجوكم اسمعوني! منذ تم تعيين هذا الشخص إماماً للمسجد ومضمون خطبة يوم الجمعة التي يلقيها هي هي.. لا جديد فيها! لم نفهم منها شيئاً على الإطلاق. كلها تصبّ في تمجيد الحكومة والقيادة العظيمة للرئيس الخالد! مللنا منه وقرفناه. فالإمام يا شباب يريد الحفاظ على كرسيّه، وإلّا فلماذا كل هذا التفخيم بها وبعطاءاتها ومكانتها، وكأنها، من خلال خطاباته، حققت للمواطن الازدهار الاقتصادي والعيش الكريم، وأرضعته حليب السباع! المواطن، كما تعرفون جميعكم، لم يزد عليه شيء، فهو يعيش في فقر مدقع، وواقع ميؤوس منه، وأنتم تعرفون ذلك حق المعرفة أيّها الأخوان، ما رأيكم؟

ردّ عليه الحاج عوض، بصوتٍ خفيض، بالكاد يسمع: إنّها الحكومة يا بندر. فهو يقول ما يرضيها. إنّه موظف صغير ولا يمكنه مخالفة رأيها. هذه تعليماته لهم! يقصد شيوخ المساجد. ولا يمكن لهم أن يخرجوا عن عباءتهم، وما يكتبونه لهم على الورق، الذي يوزّع عليهم قبل خطبة يوم الجمعة، يجب أن يُسمعوه للناس!

ويؤكد الحاج عوض للحاضرين: المساجد كما ترى بنفسك مراقبة من قبل عناصر الأمن الموزعين عليها جميعاً. فهم يحضرون كل الخطب بدون أن يشعر بهم أحد!

كان خليل من بين الحضور، وهو شاب طيّب خلوق، وصادق في حديثه، قال: ما ذكره عمّي الحاج عوض صحيح مئة بالمئة، ولكن ليس باليد حيلة؟ علينا الالتزام والرضا بما يقوله إمام المسجد. إنّه مجرد موظف، وهذا دوره.

التفت الجميع إلى حديث الحاج عوض الذي صار يقصّ عليهم بعض القصص المضحكة، بعيداً عن قضية إمام المسجد ومشاكله التي لا تنتهي، وهو المعروف بسرد أمثال هذه القصص وحفظه الكثير منها، نتيجة خبرته الطويلة في الحياة، أو من خلال مشاهداته لها ولمسها بيده، أو نتيجة المواقف التي حصلت معه أثناء عمله الذي كان يمارسه، ولأكثر من خمسين عاماً.

دقائق ويبدأ المؤذن برفع صلاة المغرب، فأخذ جميع من كان في الجلسة بالتوجّه بعضهم إلى المسجد، لأخذ مكانه فيه، ومنهم من ذهب إلى عمله، والآخر غادر إلى منزله.. وهكذا دواليك.