مدخل مقتضب إلى العدمية الإيجابية!

18 نوفمبر 2020
+ الخط -

(مقاطع من رسالة لن تصل إلى صديق دهسته سيارة نصف نقل خلال محاولته أن يرى الوجود جميلا)

...يا صديقي: ببساطة أعتقد أن جزءاً كبيراً من صدام الثائر أو المتمرد أو الحُر أو الراغب في إصلاح ما حوله مع كثير من الناس من حوله، يكمن في افتراضه الخاطئ أن الناس يمكن لهم أن يخاصموا في أغلب الأوقات طبيعتهم التي بُنيت على النقص والضعف وتكبير الدماغ.

لذلك يُصدم الثائر أو المتمرد أو الحُرّ أو الراغب في إصلاح ما حوله عندما يرى أن أغلبية الناس من حوله يؤمنون بالحلول الوسط أو يؤمنون أصلاً باللا حل إذا كان أكثر أمناً، ويؤثرون السلامة على المواجهة، فيبدأ في رميهم غاضباً بالجبن والخوف، ليصفوه في أطيب الأحوال بالحماقة والتهور وفي أوسخها بالخيانة والتآمر، مع أنه لو كان قد بنى تعامله مع الناس على أن الله لم يخلقهم جميعا أبطالاً أو فرساناً، لاستطاع أن يوفر كثيراً من طاقته السلبية التي تضيع في الصدمة والصدام وخيبة الأمل، ولربما نجح في توفير طاقته نحو معارك أقل خسارة، ولا أقول "أقل خسارة" من باب التشاؤم العبثي، بل من باب الأمانة العلمية، فعندما أرى بنفسي معركة انتصر فيها أحد أعرفه نصراً حاسماً، سأكتب بعدها عن وجود معارك تنتهي بالنصر المبين.

قلت لك من قبل عندما سألتني عن منهجي في الحياة، إنني أؤمن بالعدمية الإيجابية التي لا تُعوِّل كثيراً على حدوث تغيير أو تطور، لكنها تؤمن أيضاً بأن الحلم بهذا التغيير والتطور والعمل من أجلهما، أفضل وأشرف وأجدع وأكثر حرقاً للسعرات الحرارية من الاستسلام لعفن الواقع والغرق في خرائه حتى الثمالة، وأعقل وأحكم من الإيمان بأننا سنعيش حتى نرى أحلامنا وهي تتحقق كاملة على أرض الواقع.

أعلم أنك لم تقتنع بما قلته في هذا الصدد كثيراً، لأنك لم تقتنع بإمكانية اقتران العدمية بالإيجابية، كما أنك لا تحب العدمية السادة، وتفضل الإيمان المطلق بالأمل والتغيير، وتعتقد إنك إن عملت من أجله ستراه حتماً ولزماً، ولأنني لست مُبشراً أو مندوب مبيعات لشركة العدمية الإيجابية فلن أبذل مجهوداً أكثر لإقناعك، فقط سأدعوك إلى أن تتعامل مع الحياة من منظور بيت شعر حفظته صغيراً وفهمته مبكراً فساعدني على ما تغبطني عليه أحياناً من قدرة على التعاطي مع الصدمات والإفلات من وطأة خيبة الأمل:   
"ومُكَلِّف الأشياء ضد طباعها.. 
مُتطلِّبٌ في الماء جذوة نار"

ما أخشاه الآن أن تظن في كلامي هذا دعوة إلى تكبير الدماغ عن طلب ما تظن أنه الحق، أو الكف عن الحلم بما هو أفضل وإن بدا مستحيلا

يعني ببساطة، أنت لن تستطيع أن تطلب من أي إنسان أن يكون ملاكاً منزهاً عن الدناوة والخطأ والجُبن والغل والضعف والحقد، لكنك يمكن أن تجتهد لكي تحاصر دناوتك وأخطاءك وجُبنك وغلك وضعفك وحقدك، لكنك وأنت تفعل عليك أن تعلم أنك ستفشل كثيرا، وليس عليك عندها أن تُصدم، إلا إذا كان من حق من يضع في الماء جذوة نار أن يُصدم لأنها انطفأت.

أعلم أنك ربما نظرت إلى البيت الشعري الذي رويته لك باستخفاف، لأنه يحكي في المحكي على طريقة "كأننا والماء من حولنا.. قوم جلوسٌ حولهم ماء"، وربما كان ذلك صحيحاً، لكنك ربما أعدت له الاعتبار لو أوردته لك ضمن السياق الذي يقتطعه الناس منه، فهو جزء من قصيدة قالها شاعر اسمه أبو الحسن التهامي لم يشتهر إلا بقصيدة يرثي بها ولده، وقد جاء هذا البيت جزءاً منها، وسأختار لك من بقيتها أبياتاً ربما أضاءت لك المعنى الذي قصدت أن أحدثك عنه إشفاقا مني على طاقتك المهدرة.

يقول أبو الحسن التهامي في قصيدته: 
"حُكْمُ المنيَّة في البريَّة جـــــــارِي
مـــــــــــا هذه الدُّنيا بدارِ قَرار
طُبعت على كَدَرٍ وأنت تريدُها
صفواً مـــــــــن الأَقذاء والأكدار
بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبِراً
حتَّى يُرى خبراً من الأَخبــــــــار
ومُكلِّفُ الأَيام ضدَّ طباعهــــــا
متطلبٌ في الماءِ جـــــــــذوة نار
وإذا رجوتَ المستحيل فإنَّمــــــا
تبني الرجاء على شفــــيرٍ هار"

ما أخشاه الآن أن تظن في كلامي هذا دعوة إلى تكبير الدماغ عن طلب ما تظن أنه الحق، أو الكف عن الحلم بما هو أفضل وإن بدا مستحيلا، وهو ما إن قلته لي سأتخذه دليلا جديدا على صدق نظرية أبي الحسن التهامي، إذ أنني توسمت فيك الفهم والنجابة، ونسيت أنك مطبوع على الحفظ والبلاهة.

كلمة ختامية سأقولها قبل أن أعطيك الميكروفون: يا صديقي اطلب المستحيل ولكن لا تندهش إن لم يطلبه أحد معك، كن كما تحب ولكن لا تجزع لو ظل الناس كما يحبون، لا تطلب من الناس أن يخاصموا جبنهم وخوفهم ودناوتهم ثم تندهش إن لعنوا سنسفيل أمك، وإذا كانت أبيات أبو الحسن التهامي صعبة عليك في تذكرها، فيمكن أن تستبدلها بخمس كلمات خفيفات على اللسان ثقيلات في الميزان "اللي يلعب الدح ما يقولش أح".

طبعاً، أنت الآن مندهش لأنني لم أندهش عندما وجدتك ترد على كل ما قلته لك بذلك المجتزأ الشعري الذي جعلته "لِبانة" في فمك من زمان: "كن جميلا تر الوجود جميلا"، لا أدري هل أصبحت الآن بعد ذكره أفضل؟ هل تشعر الآن أنك رسول التفاؤل وخليفة ابراهيم الفقي في أرض الأمل؟ طيب، من السهل أن أخدعك بالقول إنني متفائل وحزين في نفس الوقت، لأن الحزن لا ينفي التفاؤل، كما لا ينفي أمل الشفاء ألم المرض، ومن السهل أن آخذ كلامك بجدية فأذكرك بأن الشطر الأول من بيت الشاعر إيليا أبو ماضي الذي صدعت دماغنا به كان يقول "أيها الشاكي وما بك داءٌ"، وهو أمر يثبت سُموّ أخلاق إيليا وحسن أدبه، لأننا إن افترضنا أنه وجد حقا مواطنا يشكو دون أن يكون لديه داء، لوجب أن يكون الشطر الثاني من البيت: "أما انت ابن كلب وسخ صحيح".

لن أتعب نفسي معك في الكلام مجددا لكي أشرح لك ثانية الفرق بين العدمية الإيجابية والعدمية السلبية، سأكتفي بتحقيق نصر محدود نحسم بعده مسألة الإستشهاد بإيليا أبي ماضي هذه إلى الأبد، عندما أفاجئك بأن من كتب تلك الأبيات الجميلة التي تعتبرها مضرباً للمثل في التفاؤل والأمل هو نفسه الذي كتب الأبيات التالية:    
قيل اعشقوها، قلتُ: لم يبقَ لنا
 معها قلوبٌ كي نُحِبّ ونعشقا 
وطنٌ أردناه على حبّ العُلى 
فأبى سوى أن يستكين إلى الشقا
وطنٌ يضيق الحر ذرعا عندهُ
وتراه بالأحرار ذرعاً أضيقا 
مشت الجهالةُ فيه تسحبُ ذيلها 
تيهاً، وراح العلمُ يمشي مطرقا 
شعبٌ كما شاء التخاذل والهوى 
متفرقُ ويكاد أن يتمزقا 
لا يرتضي دين الإله موفّقا 
بين القلوب ويرتضيه مفرّقا
لم يعتقد بالعلم وهو حقائقٌ
لكنه اعتقد التمائم والرُّقى 
وحكومةٍ ما إن تُزحزح أحمقاً
عن رأسها حتى تولّي أحمقا".

يبقى أن أضيف إليك معلومة أن إيليا أبو ماضي كتب هذه الأبيات قبل هجرته عن وطنه، أما تلك الأبيات التي تدعو إلى التفاؤل والأمل والإقبال على الحياة، فأغلب الظن أنه كتبها حين تذكر برغم أحزانه على فراق الوطن، أنه في النهاية لم يعد مجبراً على أن يعيش في بلاد تعودت شعوبها على أن "ما إن تُزحزح أحمقاً.. عن رأسها حتى تولّي أحمقا".

...

فصل من كتاب (أضغاث أفكار) ـ تحت الطبع.