مدخل عميق إلى علم الاقتصاد

23 سبتمبر 2020
+ الخط -

حين تولّت إحدى صديقاتنا المتحمسات للتطوير مسئولية الإشراف على صفحة اقتصادية في صحيفة سيّارة، فكّرت في تخفيف جمود الصفحة بعض الشيئ، وقررت استكتاب عدد ممن لا علاقة لهم بالاقتصاد، ربما ليثبتوا للقارئ أن كل من هب ودب يمكن أن يفتي فيه، لعله لا يتهيب الإفتاء فيه هو أيضاً، وحين طلبت مني أن أكون من هؤلاء المخففين، قلت لها إنها أحسنت الاختيار، لأنني أمتلك من زمان نظرية متكاملة في علم الاقتصاد، لكن الظروف حرمتني من كتابتها، وحين سألتني عن تلك النظرية قلت لها إنه من الممكن اختصارها في كلمات خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان: "الفلوس حلوة، بشرط ألا تأتيك قبل فوات الأوان".

إذا كنت ستتهمني بالسطحية، فأنت ربما لا تتخيل أن علاقتي بالاقتصاد أعمق مما تتخيل، فأنا لعلمك درست الإعلام في مبنى كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة، عندما لم يكن لكلية الإعلام مبنى يلمّ طلابها، كما أنني درست مادة علم الاقتصاد ضمن مناهج كلية الإعلام، التي لم يكن اقتصادها يسمح بامتلاك مبنى تدرس فيه الطلبة الاقتصاد أو غير الاقتصاد؟

إذا بدت لك هذه علاقة وثيقة ومعقدة بالاقتصاد، وشجعتك على أن تطلب مني بعض المعلومات الاقتصادية، فلن أبخل عليك ما استطعت، لكن أرجوك ألا تسألني مثلاً عن القيمة المضافة أو السوق الحرة أو دورة رأس المال أو أي شيئ يخص مبادئ علم الاقتصاد الذي نجحت فيه بتقدير (امتياز)، ليس فقط لأنني حفظت الكتاب الذي قرره علينا دكتور لا أذكر الآن اسمه ولا رسمه، فقد طرشت ـ الكتاب وملامح الدكتور معاً ـ على كراسة إجابة الامتحان، وإنما لأنني كنت في تلك الأيام الخوالي مجبراً على أن أعيش الاقتصاد كفكرة ومعنى، بأن أصرف جنيهين ونصف فقط في اليوم، لكي أستطيع البقاء على قيد الحياة الجامعية، منفقاً من مدخراتي التي اكتسبتها من عملي في الصيف السابق على دخول الجامعة.

لم أصل إلى عمر جدتي بعد، لكنني أصبحت أؤمن مثلها وبشدة أن "أهم حاجة الصحة"، مع أنني أصبحت أمتلك بحمد الله من البنكنوت، ما لو رأته جدتي لربما ماتت من فرحتها بي قبل أن ينقضي أجلها

فلماذا إذن أتذكر نظريات الاقتصاد، إذا كنت قد مارستها على أكمل وجه بعد أن ضربتها كلها في خلاط الحياة وأخذت منها ما ينفعني، أما الزبد فقد ذهب جفاءً في كراسة الإجابة. للأمانة كل ما أذكره الآن من كل ما درسته أن هناك صراعاً شرساً دار في ساحة علم الاقتصاد لسنوات طويلة بين رجلين أحدهما اسكتلندي اسمه آدم سميث، وآخر ألماني اسمه كارل ماركس، والذي انتصر في النهاية هو الحاج عبد الغفور البرعي، أما الذي دخل السجن فهو هشام طلعت مصطفى، ولم نأخذ في الكلية وقتها أنه سيطلع براءة في نهاية المطاف، وأن مبادئ الاشتراكية الفابية ستقتضي أن لا يشيل الليلة محسن السكري لوحده، وأن ينام جميع القتلة في قصورهم، إذا لم يكن للقتيلة النائمة في القبر ظهر يرد غيبتها.

أنا حريص على ألا أغرقك الآن في هراء لا يليق بجلال رغبتك في المعرفة الاقتصادية، ولذلك سأكتفي بأن أضيف إلى معلوماتك الاقتصادية معلومة أظنها ستبهرك أو ستهمك، وهي باختصار: "أهم حاجة في الدنيا الصحة". جدتي رحمها الله كانت تقول ذلك على الدوام، ومع ذلك ماتت مريضة ككل الجدات اللواتي لا يكففن عن ترديد أن "أهم حاجة في الدنيا الصحة". جدتي بالمناسبة كانت تؤمن باقتصاد السوق، بدليل أنها كانت تجيئ بكل حاجة البيت من السوق القريب من محطة مصر، لأنه أرخص بكثير وأنضف من البقالين الحرامية الذين لم تنجح تحذيرات سورة (المطففين) المنبعثة دائماً من راديوهاتهم في ردعهم عن سرقة الزبائن.

لم أصل إلى عمر جدتي بعد، لكنني أصبحت أؤمن مثلها وبشدة أن "أهم حاجة الصحة"، مع أنني أصبحت أمتلك بحمد الله من البنكنوت، ما لو رأته جدتي لربما ماتت من فرحتها بي قبل أن ينقضي أجلها، ولو رآه الحاج السويركي صاحب محلات (التوحيد والتعدد والنور) لمات من الضحك على خيبتي الثقيلة التي تجعلني أظن أن "دي فلوس". فسبحانك اللهم رب آدم سميث وكارل ماركس وعاطف صدقي وعاطف عبيد وخالق الكون بالاختيار والجبر والطوارئ، ولا اعتراض على حكمتك وحكمك.

يعني، عندما لم أكن أملك شروى نقير، كنت أنام ملء جفوني عن شواردها، والآن عندما أصبحت أمتلك ما يملأ كل جيوبي عن فوارغها، أصبحت أستجدي النوم وأبوس يد الأرق أن يتركني وحالي، منذ أن حذرني طبيب صريح أكثر من اللازم، بأنه في حالة صحية مماثلة لحالتي، تحدث أغلب الذبحات الصدرية في الساعات المتأخرة من الليل، ومع أنني قلت له يومها بتلقائية الفرحان: "الحمد لله أنا لا أنام إلا وشّ الفجر"، فقد جاء رده صاعقاً لتلقائيتي ولفكرة السهر من أساسها: "ما هو السهر الكتير ده بقى أخطر من الذبحات الصدرية ذات نفسها".

بعيداً عن سيرة المرض التي تغم، ولكي أفي بما وعدته في العنوان الذي ربما اضطرك لاستكمال القراءة طلباً للعلم، إعلم هداك الله أن علم الإقتصاد في رأيي يتلخص في المفارقة الدرامية الآتية: عندما كنت فقيرا "دُقّة" كنت أتبرم من إضطراري اليومي لأكل الكشري بالدَقّة، وأتوق إلى صحبة يومية للجمبري وسائر إخوته من سكان البحار، بنفس الدرجة التي أتوق فيها إلى تقبيل جوليان مور، واليوم بينما أنا قادر مادياً بفضل الله على مسافدة كل أشكال "السي فود"، أصبحت ممنوعاً لأسباب صحية وبشكل لا يقبل الهزار من الإكثار في أكل الكشري والجمبري في ضربة واحدة، وهي معادلة يمكن ترجمتها بلغة الاقتصاديين إلى أنه: "كلما زاد طلب الإنسان على مباهج الحياة قل المعروض منها عليه، وعندما يقل طلبه عليها غصباً عن عين الذين خلِّفوه يزداد عرضها عليه، دون تفسير لهذا التناقض الرئيسي الذي يسميه المؤمنون الصالحون بالابتلاء، هدانا الله كما هداهم".

لعل من الأوقع أن تختم معلوماتك الاقتصادية القيمة بأن هذه النظرية التي أتحفتك بها آنفاً، لم يكن عم أحمد الأكتع بائع الفلافل الأشهر في شارع عمر بن الخطاب بحاجة إلى دخول مبنى كلية الاقتصاد لدراستها، ومع ذلك فقد صاغها بطريقته الخاصة وكتبها بذراعه التي صمدت أمام غوائل الدهر على لافتة ورقية لم تكن في البدء متسخة، والتي علّقها خلف رأسه مباشرة على أساس أن الذكرى ستنفع الغافلين من زبائنه الذين عليهم وهم ينتظرون دورهم في الحصول على فلافله المحشيّة الساحرة أن يقرأوا حكمته الخالدة التي يعجز عن الإتيان بها فلاسفة الاقتصاد الحر والمخطّط والمقلِّم ولو اجتمعوا: "إجري يابني آدم جري الوحوش وإبقى قابلني".