مخاض الكتابة من أجل الإنسان
مصطفى العادل
تتسلَّل أنوار الفجر عبر نافذة غرفتي من جديد، فتوقظني من غفوة الأحلام، وقد استيقظ الجزء الأكبر من العالم قبلي، والجزء المتبقي منه لم ينم أصلًا. على مكتبي الذي تبعثرت فيه الأوراق والأقلام، ألف مقالة تحتاج إلى الكتابة، ألف فكرة محاصرة بين عقلي ومداد القلم تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج إلى العالم.
أشعر بإلهام عظيم وأمامي بعض الوقت قبل أن أغادر الغرفة لأدخل في زحام الحياة اليومية. تغاريد عصفور حر في الخارج، ورائحة القهوة المنبعثة من المطبخ، وصيحات ديك بلدي في الخارج بجوار النافذة المقابلة لمعلمة سيدي موسى في قمة الجبل. أشياء كثيرة كلها توحي إليّ بالكتابة وتُشعل في داخلي رغبة كبيرة في ترجمة الأفكار إلى كلمات، والانطلاق في رحلتي اليومية في عالم الكتابة.
أجلس على كرسيّي المُنهَك في مكتبي المنزلي وأنا أفكر في مفتاح المقالة، في عنوان النص، في موضوع للإبداع، لكن من دون جدوى. سؤال واحد هو الذي يُسيطر على عقلي: في ماذا ستفيد مقالتُك التي ستكتبها وتنشرها الناسَ في العالم؟
أدرك في لحظة فارقة أن الكتابة أمانة قبل أن تكون هواية، جهاد من أجل الإنسان في عالم ما بعد الإنسانية، عبادة يومية كالصلاة تمامًا قبل أن تكون عادة نلتجئ إليها عند الشعور بالرغبة في الكتابة، نقترب بها إلى الخالق ونحاسب على كل نص وعلى كل كلمة وعلى كل حرف، كما نحاسب تمامًا على كل قول أو فعل.
أضع القلم جانبًا وأنا أحاول أن أوقف سيلَ الأسئلة التي تهاجمني وهي ترفض الكتابة من أجل الكتابة فقط: في ماذا سيفيد وصفك للطبيعة هذا الإنسانَ الذي يبكي في كل مناطق العالم؟ ما قيمة كتاباتك حول قريتك وحول الأدب والفن وأشياءَ تافهة أخرى وسط هذه الدموع التي لا تكاد تتوقف في أمّتك؟ أضع الأوراق جانبًا وقد أعدت ترتيبها بشكل لافت، ثم ألقي القلم بعيدًا لأتحوّل مرة أخرى إلى مشاهدة التلفاز لبعض الدقائق.
على فضائياتنا العربية التي لا تتوقف عن نقل المآسي وتعري الجانب المتوحش في هذا العالم، ألف فكرة تحتاج إلى الكتابة. على قناة الجزيرة عشرات الأخبار العاجلة التي تدعو بصوتها الحزين كتّابنا إلى الالتفات إليها. آلاف المقالات هناك على أرض فلسطين دُفنت مع الشهداء لأنها لم تجد كاتبًا ليكتبها للعالم، وآلاف القصص في السودان وفي سورية لم تجد قاصًّا يخرجها في قالب إبداعي يغير بها العالم، ويوصل رسالة الإنسان إلى عالم يعيش أسوأ اللحظات في زمن ما بعد الإنسان.
الكتابة أمانة قبل أن تكون هواية، جهاد من أجل الإنسان في عالم ما بعد الإنسانية، عبادة يومية كالصلاة تمامًا قبل أن تكون عادة نلتجئ إليها عند الشعور بالرغبة في الكتابة
أدركت أننا لا نملك في الأصل طاقات إبداعية كافية لنقل كل محننا إلى العالم، ما دمنا لا نرى مَن يكتب في الأسواق، ووسائل المواصلات العامة، وفي الأماكن المزدحمة. علمت أننا في الحاجة إلى الكتّاب الذين لا ينظرون إلى الكتابة على أنها هواية يمارسونها فقط عندما تسمح لهم الظروف، نحتاج إلى الكتّاب الذين يقفون في ساحة المعركة ووسط الحرب ليكتبوا مقالة للناس، إلى الذين يكتبون بدم الإنسان السائل في كل مكان عندما لا يملكون الأقلام، ويسخّرون الجدران لنقل رسائل الإنسانية عندما لا يجدون الأوراق، من أجل ألّا تسقط تلك القضية التي يرفض غيرهم حملها، أو لا تسقط تلك الراية التي حملتها أيادي أناس سقطت أرواحهم دون أن تسقط الراية من أيديهم.
أغلق التلفاز وقد انتابني الشعور الذي انتاب الكثير من الوجوه التي ذاقت مرارة الفقد. أستلقي على ظهري وقد فقدت جزءًا كبيرًا من ابتسامتي، من حياتي، من كياني. أحتضن ما تبقى من روحي المرحة، ثم أتحول مرة أخرى إلى المكتب لأطفئ اللهب المشتعل في أعماقي، لأطلق سراح أفكاري حرة في هذا العالم الذي يقيّد الحرية.
في قلبي آلاف الصّور من هنا وهناك، في قلبي مزيج من الآلام والآمال. لكنني أعلم حتمًا أنه لا سبيل للخلاص غير الكتابة. الكتابة وحدها تمنحني فرصة لفهم أعماقي، وتجاوز آلامي التي تحرق الحياة في قلبي، وتقلّص مساحة السعادة في دواخلي.
أضع القلم على الورقة وفي ذهني عشرات الصور التي تتوهج بسببها شاشة التلفاز داخل غرفتي المظلمة. في كل صورة وجوه فقدت الأمل، أطفال فقدوا الأهل، نساء حملن على أكتافهن آلام الفقد، كاميرات وسترات رجال الصحافة والإعلام الذين رحلوا وفي كاميراتهم مئات الصور التي تبيّن وجهًا وقحًا من أوجه العالم الذي نعيش جميعًا تحت سمائه الواحدة.
يغرق قلمي في بحر من الأسئلة المتضاربة، ويتيه عقلي وسط بحر من المشاعر المتناقضة، وقلبي لا يتلألأ فيه إلا ذلك الشعور الذي يدفعني إلى الكتابة، إلى التعبير عن الواقع وربما العمل على تغييره. في كل كلمة، أوجاع النازحين، وآلام المهجَّرين، وأنين الأرامل واليتامى الذين فقدوا كل شيء من دون أن يرتكبوا جرمًا غير أنهم وُلدوا على هذه الأرض أو تلك. ثم تزداد الدموع في عينيّ، ويتدفق الألم في قلبي حينما ألتفت إلى العالم فلا أرى في العالمين من يحمل همّهم ولو في كلمة أو لوحة فنية.
أختم كلماتي بثلاث نقاط، في كل نقطة قصص الذين لم يُكتب عنهم بعد، في كل نقطة عشرات الأسئلة التي لم نخصص لها بعد لحظة للبحث عن أجوبة مقنعة لها. أضع القلم جانبًا وأعانق ما تبقى من روحي التي استنزفتها الآلام، وأتعبتها أخبار الفضائيات التي تقطّر دمًا ودمعًا.