محطات في الثورة (4): في المخابرات الجوية (1)

29 نوفمبر 2020
+ الخط -

في نهاية التسعينيات قرر والدي تغيير منزلنا الذي نعيش فيه في جنوب داريا إلى منزل جديد في أقصى شمال المدينة، عند خط الأبنية الأخير على حدود مطار المزة العسكري الذي كان يمكن استكشاف بعض ملامحه و القصر الجمهوري كذلك من شباك مطبخ بيتنا الجديد.

كثيرا ما حاولت أن أستكشف ملامح تلك الأرض القاحلة والمحاطة بسواتر ترابية عالية وأن أحصي عدد المروحيات العسكرية، ا زلت أذكر الساعات التي قضيتها على سطح منزلنا لأراقب كثافة حركة المروحيات العسكرية وكيف استنفر المطار قبيل نقل جثمان حافظ الأسد بطائرة أقلعت من مطار المزة إلى مطار القرداحة، لكن لم يخطر في بالي في أي من تلك اللحظات أني سأدخل يوما إلى ذلك المطار كمعتقل، أو أن ذلك المطار والهنغارات المخصصة فيه لإخفاء الطائرات الحربية سيتم تحويلها إلى معتقل كبير لأبناء البلد.

بعد مظاهرة الثامن من أبريل/نيسان 2011 والتي حملت في أعداد المتظاهرين الكبيرة وفي مسيرها الطويل من داريا إلى معضمية الشام والاعتصام الذي نفذه متظاهرو داريا و معضمية الشام رسائل ثورية شديدة الوضوح عن سير المدينة قدما في مشوار الثورة، قرر نظام الأسد البدء بحملة أمنية ضد داريا و معضمية الشام، وبدأت دوريات المخابرات الجوية نشاطا مكثفا في المدينة، من خلال محاولتها التعرف على أسماء وعناوين المتظاهرين والمحرضين على المظاهرات، عبر المتعاونين معها من أبناء المدينة وصور المتظاهرين الذين ظهرت صورهم في التقارير الإعلامية  أو في المقاطع المرفوعة على موقع يوتيوب.

بعد أن انتهيت من تسليم أغراض الشخصية تم نقلي بالسيارة إلى مكتب آخر، أسندني عناصر الدورية إلى الحائط في الممر مع القول: إذا بتتحرك رح نفضي مخزن برأسك!

في ظهيرة العاشر من نيسان 2011 تلقيت اتصالا من مسؤول شؤون الموظفين طلب مني مراجعة مكتبه في الشركة في أقرب وقت، لم يستقبلني مدير الموارد البشرية بابتسامته المعهودة التي كان يقابل بها جميع الموظفين عند مراجعته،  ارتباك واضح كان مرسوما على وجهه يترجمه ارتعاش يديه  مع كؤوس الماء التي شربها محاولا الهدوء، وقبل أن أسأله عن أسباب ارتباكه الواضح، خرج من غرفة الاجتماعات المجاورة مجموعة من الرجال يحملون سواطير وبنادق كلاشينكوف، بكى مديري المباشر الذي كان تحت الاستجواب من قبل دورية المخابرات و الذي تركه العناصر خلفهم على طاولة الاجتماعات ووقعت في كمين وبدأت رحلة اعتقال.

أحاط العناصر بي وأمسك رئيس الدورية بيدي ثم طلب مني أن أسلم كل ما هو ملك للشركة، بدأت بالفعل تسليم الذمم ثم سلمت مفتاح سيارتي الشخصية وهاتفي المحمول الممتلئ بصور المظاهرات، رئيس الدورية استهجن ذلك، فقلت له السيارة والهاتف المحمول ملك للشركة، فوجه السؤال لمدير الموارد البشرية الذي كان شعوره بالذنب تجاهي بسبب مشاركته في الكمين دافعا للقول نعم إنها ملك للشركة.

عشرات الأسئلة بدأت تباغتني في تلك اللحظة، كيف سيكون المعتقل؟ وأين سيكون؟ وكم سأبقى في السجن؟ وما هو نوع التعذيب الذي سأتعرض له؟ كيف هي ردة فعل أبي وأمي وخطيبتي حين يسمعون بخبر اعتقالي؟ أم أنه سيتم استدعائهم لاستلام جثتي بعد أن أقتل تحت التعذيب؟

قبل أن أفكر في أجوبة الأسئلة تلك، بدأت حفلة الضرب والسحل على باب شركة العقيلة للتأمين التي كنت أعمل فيها، كنت أعتقد أن موقع الشركة في قلب دمشق وأعداد المارة بالقرب من فندق الفورسيزن وقصر الضيافة والحفاظ على الذوق العام في هذه المنطقة الراقية من دمشق ستكون أسبابا منطقية تمنع عناصر الدورية من ضربي وسحلي أمام الناس، لكن كل ذلك لم يكن في حسبان المساعد أبو حيدر وعناصر الكمين.

استمرت حفلة الضرب والشتم والصعق بالكهرباء على امتداد منطقة أبو رمانة ثم ساحة الأمويين وأوتوستراد المزة وصولا إلى مطار المزة العسكري، على بوابة المطار وضع العناصر كيسا في رأسي وبعد دقائق توقفت السيارة، أنزلني عناصر المخابرات لأجثو على ركبتي في غرفة الديوان الذي يسلم فيه المعتقل أغراضه الشخصية مثل بطاقة الهوية ومفاتيحه وهاتفه الشخصي وما يحمله من مال، عندما بدأ العناصر يخرجون ما في جيوبي من أغراض، واجهت سيلا من الأسئلة: معك أربعة آلاف ليرة بجيبتك وبتدخن مالبورو وبتطلع مظاهرات؟ شو ناقصك وشو قصرت معك الدولة حتى تكون مع المندسين؟ في الحقيقة لم يكن عدم وجود إجابات منطقية سببا في عدم الإجابة على تلك الأسئلة، بل كانت عدم الرغبة في تحدي الدورية التي أنهكتني ضربا وسحلا وشتما طيلة خمس وأربعين دقيقة.

بعد أن انتهيت من تسليم أغراضي الشخصية تم نقلي بالسيارة إلى مكتب آخر، أسندني عناصر الدورية إلى الحائط في الممر مع القول: إذا بتتحرك رح نفضي مخزن برأسك! دقائق ثم أدخلوني إلى مكتب وأدى العنصر الذي كان يمسك بذراعي التحية مع القول: جبناه سيدي!

بدأت بالتفكير، يا ترى من هو سيده؟ وماذا سيفعل سيده بي، بادرني حينها سيده بالقول ويصوت شديد الغرابة: بتعرف غياث مطر؟ معتز مراد؟ مجد خولاني؟ محمد شحادة؟ يحيى ومعن ومازن شربجي؟ مصطفى جنح؟ طالب زيادة؟ أجبت بالقول نعم أعرفهم كلهم أصدقائي، أجاب بالقول: رح نعدمك انت وأصدقاءك، خذوه للكلب!

دلالات