محافظ إدلب وتشجير المجارير

محافظ إدلب وتشجير المجارير

22 ديسمبر 2021
+ الخط -

لم أكن أخطط للحديث عن المحافظين الذين مروا على إدلب، ولكن صديقي أبو أحمد الذي يتصل بي أحياناً عبر الواتساب، من مدينة إدلب، أراد أن يحكي لي عن موقف جرى ذات يوم بينه وبين أحد المحافظين، وهو لم يعد يتذكر اسمه، وكل ما علق في ذاكرته هو أنه كان رجلاً وسيماً. سؤاله هذا فتح شهيتنا نحن الاثنين، فحكينا عن محافظ إدلب عبد الله الأحمر الذي انتقل إلى دمشق بعد نجاح انقلاب حافظ الأسد سنة 1970، وبالأمس القريب جاءنا خبر أنه تاب عن كل المعاصي التي ارتكبها في حياته، وحج، وصار يعرف باسم الحاج عبد الله الأحمر، وحكينا عن توفيق صالحة، وكلاهما كانا يفتقران إلى الوسامة..   

وقلت لأبو أحمد: ومؤكد أنك لا تقصد المحافظ عماش جديع. فهو، بحسب ما أذكر، متوسط الوسامة.. وعلى كل حال اسمع هذا الطرفة. كان التلفزيون، في تلك الفترة يبث إعلاناً لبرادات منزلية كانت تُعرف باسم "برادات عَمَّار".. لقد صُوِّرَ الإعلان وفق السيناريو الآتي: تتقدم مجموعة من الشبان والبنات من رجل اسمه عمار، ويغنون له بصوت واحد: عمار.. شو هيدا يا عمار؟ فيقول: بَرَّادات عمار.. ويحكي عن مزاياها.

روى لنا أحدُ الظرفاء أن "عماش جديع"، قبل أن يصبح محافظاً في إدلب، كان أميناً لفرع الحزب في دير الزور. وذات يوم جاءه خبر أن جسراً على نهر الفرات قد تداعى وسقط، فخرج يتفقد مكان الحادث، وهناك تقدم لفيف من الشبان والفتيان، وصاروا ينشدون (مستخدمين لحن الإعلان التلفزيوني نفسه):

عماش شو هيدا يا عماش؟

وهناك طرفة أخرى، أنا أشك في صحتها، لأنها غريبة جداً، ومع ذلك سأرويها لك مثلما سمعتها من شخص إدلبي يدعى (أبو أيمن). قال لي أبو أيمن إنه كان يعمل بصفة كاتب إداري في المحافظة، يعني أنه كان يحضر اجتماعات المحافظ مع الفعاليات المختلفة، ومهمته تسجيل محاضر الجلسات. وذات يوم دعا المحافظ عماش جديع مجموعةً من المهندسين والخبراء الزراعيين إلى اجتماع في مكتبه، وطرح عليهم الفكرة التالية: قال إن المجرور المائي (الكهريز) الذي يتضمن فضلات مدينة إدلب، يجري حتى يصل منطقة قريبة من مدينة حلب، ويصب فيها، وهو مكشوف، ما يجعله مرتعاً للحشرات الطائرة والجراثيم والفيروسات التي تنتقل إلى البشر فتؤذيهم، وتسبب لهم أمراضاً مختلفة، وهو، أي المحافظ عماش، يرى أن أفضل طريقة لتلافي هذه الأضرار أن نقوم بتشجير هذا المجرى، وسوف نزرع على جانبيه مليون شتلة من الأشجار غير المثمرة! رد عليه الحاضرون مرحبين بالفكرة، وأثنى المنافقون على اهتمام المحافظ وحرصه على جمالية المحافظة، وصحة الشعب..

وكان بين المجتمعين مهندس زراعي، عنده خبرة طويلة في مجال التشجير والغابات، اعترض قائلاً إن التشجير لا يقي من الأمراض والحشرات، ومع ذلك لا بأس بالتشجير كما يرغب السيد المحافظ، ويمكن، بسهولة، زرع عشرة آلاف شتلة، وأما مليون شتلة فمستحيل، لأن المكان لا يتسع. وبما أن المسؤولين السورين غير معتادين أن يخالفهم أحد بالرأي، فقد أظهر الأستاذ عماش عناداً قوياً، وقال بلهجته الديرية (يِسَعِنْ)، وكان المهندس الزراعي الخبير أعند منه، فأخرج من حقيبته آلة حاسبة، وصار يقول 50 كيلومتر طول المجرى، مجموع طرفيه 100 كيلومتر، فإذا جعلنا المسافة بين كل شتلتين عشرة أمتار يتسع الكيلومتر الواحد لمئة ضرب مئة يساوي عشرة آلاف، وإذا جعلنا الزرع على خطين متوازيين يلزمنا عشرون ألفاً، يا سيدي وبإمكاننا أن نزرع واحات دائرية للتنزه، مع أن التنزه على ضفاف الكهريز غير محمود، لا يمكننا أن نتجاوز مئة ألف شتلة، وأما زرع المليون فمستحيل.

تظاهر أبو أحمد بالجدية وقال لي: لا يجوز للخبير الزراعي مصادرة آراء الناس، لا تستبعد أن يتنزه بعضهم على ضفاف الكهريز.

قلت: أنا معك. فللناس فيما يعشقون مذاهب. المهم أن المحافظ بقي على عناده، واتخذ القرار بزرع مليون شتلة، وأبو أيمن كتب المحضر، ولكن المشروع لم ينفذ.

استغرب أبو أحمد ذلك وسألني: لماذا؟

قلت: أبو أيمن الذي روى لي الحكاية، قال لي إنه، بعد الاجتماع، التقى بالخبير المهندس الزراعي المعاند، وهمس له، ساخراً، بأن القيادة الحكيمة إذا عرفت أن الأستاذ عماش يتمتع بكل هذا الجهل في شؤون الزراعة ستبادر إلى تعيينه وزيراً للزراعة!

(ملاحظة: تشكلت حكومة عبد الرؤوف الكسم الثانية في 11 آذار 1984 بموجب المرسوم رقم 694 لعام 1984، وقد شغل فيها الأستاذ عماش جديع منصب وزير الزراعة والإصلاح الزراعي. من لا يصدق فليرجع إلى غوغل)!

وقلت لأبو أحمد: وعلى كل حال فنحن نتحدث عن شخصيات متفرقة، نعرفها لكوننا من المهتمين بالشأن العام.. وأما عامة الناس في محافظة إدلب فلا يعرفون محافظاً سوى المدعو زيد حسون.

قال أبو أحمد: معك حق، هذا استمر عشرين سنة على ما أظن.

قلت: والله أنا حاولت أكثر من مرة أن أعرف عدد السنوات التي كان الأستاذ زيد حسون خلالها متأثراً بقصيدة توفيق زياد الشهيرة: (هنا على صدوركم باقون كالجدار)، ولم أتمكن من ذلك. ولكنني أستطيع أن أخبرك بأن حافظ الأسد كان يصدر بين الحين والآخر قراراً بتعيين محافظين جدد لبعض المحافظات السورية، وكان أهالي إدلب يهرعون لقراءة تلك القرارات أو سماعها من الراديو، أو التلفزيون، ولكن أملهم كان يخيب، إذ يرون أن محافظهم لم يتغير.. ثم إنهم أقلعوا عن مثل هذه المتابعة، وراحوا يتندرون في مجالسهم بالقول إن قراراً بتعيين محافظين جدد سيصدر قريباً متضمناً في حيثياته عبارة (عدا محافظ إدلب).. وبعض كارهي نظام حافظ الأسد كانوا يشيرون إلى الحادثة التي جرت سنة 1971 عندما قام حافظ الأسد بزيارة المحافظات السورية، وعندما وصل إلى إدلب أقيم لاستقباله احتفال في ساحة هنانو، وخلال الاحتفال وقعت مشاجرة بين البعثيين والناصريين، فاستغل شخص مجهول تلك الفوضى، وشلح فردة حذائه وكال به حافظاً الأسد الواقف فوق مبنى المركز الثقافي القديم، ومن وقتها حقد على شعب إدلب، ومن باب الانتقام أرسل إليهم توفيق صالحة، ثم زيد حسون. وعندما لاحظ أن زيد حسون لا يخدم هذه المحافظة أبداً أعطى أمراً بأن يبقى جاثماً على صدورهم.. كالجدار.