متى تنتهي الحرب؟
ترسل لي صديقتي رسالة تطلب مني أن أقرّ بما جرى: "احنا اتهزمنا، وأنت لازم تخرج، وافق على العرض"؛ فيتفلّتُ من بين أصابع ذهني الخيط الرفيع الذي يفصل بين البطولة والسذاجة، في هذه اللحظة تحديدًا.
يردّد رفاق: صمودك يلهمنا. وأردّد في ذهني: كان اضطرارًا، تمنيتُ حياةً أهدأ وأشدّ مللاً ورتابة.
تبادر السلطة، كعادتها، بضربة غير متوقّعة، لا مني ولا من غيري، في ساحة للفن بعيدة عن كلّ عراك.
ويلحّ أطبائي: استرح الآن، خذ هدنة؛ ستسقط. وأقول: ليتني أستطيع، المحشور النازف في زاوية من خصمٍ بيده سلاح، ليس له أن يبحث عن أدوات جراحة لإيقاف نزيفه، عليه أن يخرج من الزاوية أولاً.
.....
أقضي اليوم منذ لحظته الأولى لاهثًا بين قاعات العرض، والنقاش حول ما شاهدته، ومحاولات حجز التذاكر متأخّرًا، لكن ذلك الوجود في مساحة عامة (بقدر ما) مع أناس أو بينهم، يضغط على جرح عميق في كبرياء السلطة وكرامتها، ولا كرامة لديها، أعرف؛ كأنه مواجهة بفشلها وأدواتها في نفي وجودنا وحكايتنا التي ارتبطت (استحقاقًا أو مصادفةً) بوجوهنا؛ فتثور الثائرة وتهيج خلايا الغشم والجهالة لتوقف ذلك أو تنفيه. أردّ في حدود أدواتي الفقيرة، التي يمتلكها كلّ مواطن، كأنما أصرخ "الحقوني" ليس إلا، فينقلب الحال إلى غير مرادهم؛ إذ ينتبه الناس إلى الحكاية للمرّة المليون، فيتبعني -ومتتبّعي- بعضهم، ويناقشون طبيعة الصراع وفوارق القوّة والأدوات والغايات بيننا وبين السلطة، ومن حيث أرادوا ترسيخ نسيان ما جرى، أعادوا التنبيه إليه والتأكيد عليه، وأهانوا أنفسهم كالعادة، وتسألني صديقة افتراضية: "احنا افتكرنا الحكاية خلصت بعد ما خرجت من السجن، وما فهمتش إيه اللي حصل فخلاهم يعملوا كده معاك، بصراحة: افتكرتك هتدخل مجلس النواب ودول حراسة" لأنتبه أنا الآخر: لا حكاية تنتهي إلا باتفاق أطرافها جميعهم، ويكفي أن يقرّر واحد إبقاءها حيّة لتبقى.
المحشور النازف في زاوية من خصمٍ بيده سلاح، ليس له أن يبحث عن أدوات جراحة لإيقاف نزيفه، عليه أن يخرج من الزاوية أولاً
.....
قالوا إنّ العدو يضخّ إسمنته بينما أكتب هذه الكلمات، وقد يكون المقاتلون المرابطون في عقدهم قد دُفنوا حين تُنشر، "لا معنى إذًا من الكتابة أو النشر" أقول لنفسي. "لكننا نكتب كي لا ننفجر أو نموت كمدًا" تردّ عليّ نفسي.
في هذه اللحظة التي تتسارع فيها الأحداث تحت أرض غزّة قبل فوقها (هل يمكن لأحد تبيّن الفارق بين التحت والفوق في غزّة بعد ما جرى لها وفيها؟)، في تلك اللحظة، قفز أونودا (الجندي الياباني في الحرب العالمية الثانية) إلى سطح ذهني. أونودا، الذي قضى أكثر من ثلاثة عقود في غابات الفيليبين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، رافضًا الاستسلام لأنّه لم يتلق أمرًا رسميًا بذلك (أو لأن الاتصالات قُطعت بينه وبين قادته فلم يخبره أحد يثق فيه بأنّ الحرب انتهت)، فظلّ يقاتل ويقاتل حتى حُفِر كمثال على البطولة أو الحماقة، أم على وسخ العالم؛ لا أعرف بالضبط.
ما زال المقاتلون خلف الخطّ الأصفر، يقومون بدورهم في الحرب، التي لا يعرفون أنها بشكل ما قد انتهت، يصعدون من ثغراتهم إلى فوق الأرض، يضربون ضربتهم، فينقلب العالم: الهدنة ستنفجر، والعدو سيعود للضرب. هل توقّف عنه في أيّة لحظة أساسًا؟ والغزيون سيعانون (هل توقفت معاناتهم؟).
العدو يتهم المقاومة، والمقاومة تتبرّأ، والوسطاء يحاولون التهدئة، ثم فجأة يتذكّر الجميع أنّ هناك جنودًا منسيين في الأنفاق، لم يصلهم نبأ ما اتفق عليه القادة، وما أصبح عليه حالهم.
يعود سؤال الحماقة والبطولة في عزلتهم تحت الأرض، حيث يعيش المقاتلون واقعًا يشبه قصة أونودا إلى حدٍّ كبير، لكنه أكثر قسوة، ليس في حدودها المادية من انقطاع الدعم اللوجستي، والتواصل مع القيادة، وتهديدات بالدفن أحياء فحسب، إنما في معرفتهم (بخلاف أونودا) أنّ حربهم انتهت فوق الأرض، وأنهم سقطوا سهوًا من اتفاق القادة (الذين أعذرهم تمامًا وأفهم ملابسات الواقع الغزي التي أوصلت إلى هذه النتيجة). هذه الواقعة أيقظت في ذهني (بقلق وإلحاح) حكاية أونودا، وقد بدأتُ الكتابة لأطفئ التساؤل حول "الخيط الرفيع بين البطولة والحماقة/السذاجة"، وإذ بي الآن أفكّر في شيء آخر تمامًا، هو: متى تنتهي المعركة، أيّة معركة؟ وهل يكفي اتفاق القادة على إنهائها بعيدًا عمّا يتحقّق من أهدافها؟ أم أنّ كل جندي حي في كلّ معركة يمكنه أن يُبقي جزءًا منها حيًا إلى ما لا نهاية؟ وأنّ جسد المعارك يبقى معلّقًا بالأجهزة، لا حيًا ولا ميتًا، إلى أن يترك آخر جندي سلاحه ويقرّ بانتهائها، فترفع الأجهزة وتُطفأ الشاشات ويُعلن انتهاؤها.
لا حكاية تنتهي إلا باتفاق أطرافها جميعهم، ويكفي أن يقرّر واحد إبقاءها حيّة لتبقى
أمكن لهؤلاء المقاتلين أن يعيدوا الحرب إلى المواجهة مرّة أخرى في أيّة لحظة، وأن يورطوا الكل (من دون اتفاق أو تدبير) في نسف الهدنة المُلفّقة التي تمّ التوصّل إليها، فقط لأنهم لا يعرفون، لم ينبئهم أحد، أو (وهذا غير حال هذا المثل) لأنهم رفضوا ما اتفق عليه القادة، وقرّروا الاستمرار في حربهم احتجاجًا على الشروط.
المسألة ليست متعلّقة بقرار طرف، يكون المنتصر غالبًا، أو حتى قادة المعسكرين، أنّ الحرب انتهت، إذ يلزم إقرار الطرف الآخر بهذا الانتهاء وهذه الهزيمة، لا على قاعدة الولاء العسكريّ المطلق عند الجنود، بل على قاعدة التعاطي مع الواقع قبولاً أو رفضًا، سلوكًا بالأساس، وربّما خطابًا في المرتبة التالية، هل يصح أن نقول كبشر (لا مؤرخين أو ساسة) إنّ الحرب العالمية انتهت في الوقت الذي يردّده الجميع، رغم أنّ جنديًّا في الغابة كان يقاتلُ ما زال؟ هل يصحّ أن نقول إنّ الحرب في غزّة توقّفت لمجرّد أنّ القادة أعلنوا ذلك، رغم بقاء المقاتلين المائتين في ثغورهم على ما بدأوا به؟
تعاد صياغة السؤال في ذهني للمرّة الثالثة، لا عن البطولة والحماقة، ولا عن انتهاء الحرب من دون إقرار جنودها، إنّما عن مسؤوليتنا الأخلاقية كجمهور مُنحاز، أو بيئة حاضنة لمن حالفه الحظّ: إذا قرّر جنديّ (واحدٌ فقط) أنّ المعركة لم تنتهِ، أليس من واجبنا ما دمنا نقرّ بحقّه، أن نناصره إلى أن يترك هو سلاحه؟