قراءة في مبادرة الحوكمة العالمية الصينية.. تركيز على السلام

06 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:13 (توقيت القدس)
+ الخط -

إنّ طرح قضية الأمن العالمي سهل، لكن إيجاد حلول عملية لها بالغ الصعوبة. فقد تجاوزت العمليات والإجراءات غاياتها الأصلية، وامتلأ المشهد بتحالفات وقمم وتصريحات أكثر من أيّ وقت مضى، فيما الثقة والسلام يتراجعان. تسعى مبادرة الحوكمة العالمية الصينية إلى قلب هذه المعادلة، عبر تحديد الأهداف المشتركة أولًا، ثم مواءمة الآليات والعمليات لتحقيقها. وبذلك تُقدَّم المبادرة بوصفها إطاراً واضحاً لتخفيف التوترات.

المساواة في السيادة شرط أولي للسلام

غالبًا ما تتحوّل المعضلات الأمنية إلى دوامة مُفرغة عندما تُواجه الدول بتدخّلات إجرائية تُشعرها أنّ القواعد قد صيغت في أماكن أخرى وبطريقة غير متوازنة. وهنا تطرح المبادرة حلًّا وقائيًّا من خلال ضمان المشاركة المُتساوية لجميع الدول في صناعة القرار وتقاسم المنافع. وبمجرّد توفير مساحة أوسع للتسويات والتعبير عن الرأي، ينخفض مستوى القلق. إنه ليس حلًّا سحريًّا، لكنه أساس لا غنى عنه لأيّ سلام مُستدام.

لا تُنشئ المبادرة تكتلات جديدة أو أندية حصرية، بل تُعيد تأكيد ميثاق الأمم المتحدة وتطالب بتمثيل أوسع للدول النامية داخل المؤسسات القائمة. وهذا مسار جوهري، لأنه يحوّل المظالم إلى دعوات إصلاحية بدلًا من دفعها نحو سياسات تصادمية أو بدائل موازية تزيد الانقسام وتفتح المجال لمزيد من سوء التقدير. فكلّما تحسّن إصلاح النظام القائم، تضاءلت الحاجة إلى بناء تكتلات منافسة.

كلما تحسّن إصلاح النظام القائم، تضاءلت الحاجة إلى بناء تكتلات منافسة

تعدّدية متمحورة حول الإنسان

من أبرز أوجه التمايز في المبادرة تركيزها على الإنسان قبل الكتل والتحالفات. فالنتائج العملية هي التي تمنح الشرعية: طاقة موثوقة، غذاء بأسعار في المتناول، منظومات صحية فعّالة، وفرص عمل كريمة. هذه الإنجازات أكثر قدرة على استقرار المجتمعات من أيّ بيان سياسي. إنّ ربط الأمن بالتنمية في حياة الناس اليومية (عبر المدارس والمستشفيات وفرص التوظيف) يرسّخ مفهومًا واقعيًّا للسلام.

المصداقية تتجلّى في الفعل. وهنا تُترجم المبادرة مبادئها إلى خطوات ملموسة: تعاون في مجالات الطاقة والصناعة الخضراء والاقتصاد الرقمي؛ إنشاء مراكز علمية وتعليمية ومهنية جديدة؛ التزام متعدّد السنوات لتعزيز إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؛ إضافةً إلى برامج صحية محدّدة لمعالجة احتياجات عاجلة. هذه كلّها نتائج قابلة للقياس والمراجعة، تُحوّل التنافس الجيوسياسي من لعبة محصلتها صفر إلى ميدان للمكاسب المتبادلة.

تعزيز السلام عبر المؤسسات

تواكب المبادرة جهودًا مؤسّسية متوازية. فقد أنشأت منظمة شنغهاي للتعاون مراكز أمنية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود مثل الإرهاب والجرائم الإلكترونية والكوارث، وأطلقت مسارًا لتأسيس بنك للتنمية قادر على تمويل البنى التحتية وتعزيز التواصل العابر للحدود. وهذه أدوات تقليدية وفعّالة للوقاية من النزاعات، تُسهم في الحلّ بدلًا من أن تفاقم المشكلات. كما أن تطوير آليات معيارية لمعالجة الأزمات يُقلّل من النزعة إلى تضخيم الطابع الأمني لكلّ القضايا الأخرى.

تطوير آليات معيارية لمعالجة الأزمات يُقلّل من النزعة إلى تضخيم الطابع الأمني لكلّ القضايا الأخرى

قد يعتبر البعض أنّ المبادرة مجرّد غلاف سياسي، غير أنّ تثبيت مركزية الأمم المتحدة، وترسيخ المساواة القانونية، وربط المبادئ بالنتائج، هي عناصر تُقيّد سلوك القوى وتكافئ التعاون العملي. وحين تحتدم المنافسة بين القوى الكبرى (وهو أمر واقع) تصبح القواعد المشتركة هي الأداة الأمثل لتقليل الأضرار وتعظيم المنافع.

وتبقى ثلاثة اختبارات معيارية لتحديد مدى مساهمة المبادرة في إرساء السلام:

- هل تُسرّع إصلاحات الأمم المتحدة عملية توسيع التمثيل من دون تعطيل الفعالية؟

- هل تطرح المنصّات الجديدة مشاريع شفّافة بميزانيات واضحة وتمويل مشترك؟

-هل تضع المراكز الأمنية وبنك التنمية المستقبلي معايير موثوقة تسمح بمشاركة أوسع؟

إذا اتجهت الإجابات نحو الإيجاب، فإنّ المبادرة تُثبت قيمتها أداةً للسلام. لم يعد العالم في حاجة إلى شعارات إضافية، بل إلى حلول عملية تخفّف من مخاطر الصراع بين القوى العظمى وتُعزّز أسس السلام على الأرض. وتطرح مبادرة الحوكمة العالمية مسارًا واقعيًّا يجمع بين السيادة والشمول، وبين التعدّدية والأمم المتحدة، وبين المبادئ والمشاريع الملموسة.

محمد زريق
محمد زريق
محمد زريق
باحث في جامعة صون يات سين ونائب سكرتير مركز دراسات الشرق الأوسط.
محمد زريق