ما تبقى لكم... ماذا تبقى لنا؟

27 فبراير 2021
+ الخط -

"حتى وإن نفد كل شيء يظل هناك شيء يستحق البقاء، ما يبقى بعد رحيل الراحلين، أملهم في العودة وحنينهم للديار، ما يبقى بعد عار الأسر، صراخ متقطع يُنسي الآسرين نصرهم، ومخالب صغيرة تُحدث ولو حتى خدوشاً طفيفة؛ فتصير هذه الخدوش يوماً جراحاً غائرة".

 اخترت هذا النص من رائعة غسان كنفاني "ما تبقى لكم" لأبدأ بها هذا المقال للكل الفلسطيني، بعيداً عن فتح وحماس والفصائل والانقسامات العمودية والأفقية التي انتهت إليها الحالة الفلسطينية. تبقى يا كلَّنا الكثير، تبقى لنا الأرض والحلم بالعودة إليها، وتاريخ عظيم من الكفاح والنضال الفلسطينيين، وقوافل من الشهداء الرائعين الأحياء وإن رحلوا.

 "هنا فلسطين أم البدايات، وأم النهايات، كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين"، تبقى لنا الملايين من العرب الحقيقيين، لا المطبعين، تبقى لنا دعاء حاجّة وحاجّ، وبراءة طفل وطفلة، وحنين محبين كثر، وعزم شباب وشابات، صدقوا ما عاهدوا الله عليه والوطن تبقى تاريخ وزيتون وكروم عنب، تبقى أرض البرتقال الحزين، وحنين لا ينتهي، إلا بالعودة والتحرير.

بعيداً عن لحظة الانقسام والانكسار، فإن أصل الحكاية ما زال ساطعاً كاليقين، هنا شعب فلسطيني تحت الاحتلال، يرفض الاندثار والبيع، رغم كل شيء، وهناك محتل يواصل حرب الإبادة التي بدأها مع تأسيس مشروعه الصهيوني الإحلالي. ولنبدأ في قراءة المعطيات الواقعية، لندلل على أن التفاؤل والأمل ينبغي أن يبقى ملازماً للفلسطينيين والعرب - الحقيقيين وليس المطبعين - لأن المطبعين مزيفون، فقد تماهوا مع مشروع مزيف قام على الوهم، زبد، "فأما الزبد فيذهب جفاء".

 أول ما يجعلنا ندعو لمواصلة الشعور بالأمل، هو أن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج ما زالت تنحاز إلى فلسطين، وقضيتها، وهذا ما أظهره المؤشر العربي في آخر استطلاعاته الذي أكد رفض المجموع العربي للتطبيع، فاختيارات بعض الأنظمة العربية والنخب المتحالفة معها، والتيار الذي يتملق لها من إعلاميين ورجال دين، لا تنسجم بالضرورة مع الضمير الجمعي للشعوب العربية الرافضة للتطبيع من المحيط إلى الخليج، وهو الأمر الذي أكدته نتائج المؤشر العربي في آخر استطلاع أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في أكتوبر  2020،حيث أظهرت نتائج ذلك الاستطلاع أن 88% من الشعوب العربية ترفض الاعتراف بإسرائيل.

بعيدا عن لحظة الانقسام والانكسار، فإن أصل الحكاية مازال ساطعا كاليقين، هنا شعب فلسطيني تحت الاحتلال، يرفض الاندثار والبيع، رغم كل شيء

ثاني بواعث الأمل أن الفلسطينيين لم ولن يندثروا، وأن التاريخ يقول لنا إنه لم ينجح مشروع أبارتهايد دون إبادة سكان الأرض الحقيقيين، واليوم رغم كل ممارسات التهويد والتهجير والتنكيل بالفلسطينيين، ما زالت المعادلة الديمغرافية في مصلحة الفلسطينيين، ما زالوا متمسكين بأرضهم رغم كل محاولات الصهاينة لإفراغها.

ثالث أسباب مواصلة الأمل، أن المشروع الصهيوني الذي يبني جدراناً حول كيانه، ويعزل نفسه في دولة دينية على أساس عنصري، لم ينجح على مدار العقود الماضية في اختراق العالم العربي والإسلامي جراء صمود الفلسطينيين وتصديهم له، وحتى تلك الاختراقات البائسة في توقيع اتفاقات التطبيع، لا تعكس انتصارات، بل تعكس انكسارات وتراجعات بتوقيعه وتحالفه مع أقليات معزولة من النظم الحاكمة التي تعتقد أنه قادر على حمايتها من شعوبها، كما يعتقد هو واهماً أنها قادرة على دمجه كرهاً في المنطقة، لكن في الواقع فإن كليهما لا يملك تقديم تلك الخدمة للآخر، لأن الطرفين مأزومان وفاقدان للشرعية والقبول في المنطقة.

إن المطلوب فلسطينياً، اليوم، مواصلة الصمود على الأرض، وهذا بحد ذاته نضال كبير من شأنه تقويض أركان المشروع الصهيوني الذي قام على مروية أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. كذلك، إن من أشكال النضال المطلوبة، الحفاظ على المروية الفلسطينية، وتلقينها للأجيال الشابة التي بتقديري هي بيضة القبان ورأس الحربة في تحديد شكل المواجهة المستقبلية مع ذلك المشروع، وأعتقد جازماً بأن شباباً وشابات بطاقات مبدعة جديدة سيخرجون من عباءة فتح وحماس وكل الفصائل الأخرى، سيخرجون من الجامعات والمعاهد، ومن ملح الأرض، متجاوزين كل تلك الفصائلية، عقيدتهم الوطن، والنضال من أجله في سبيل إنهاء نظام الفصل العنصري.

متى؟ يرونه بعيداً ونراه قريباً.