لِمَ صارت أيامنا متشابهة؟
عبد الحفيظ العمري
شيخي رجلٌ طاعنٌ في السن، لكنه خَبَرَ الناس، وعَلِمَ تقلبات الزمان، وله في الحكمةِ باعٌ طويل، وأنا أزورهُ بين الفينةِ والأخرى لأتزوّدَ من حكمته. هو اليوم معتكفٌ في خلوته يتعبّد بالتفكّر، ويرى أنّ تلك العبادة أهملها كثيرٌ من الخلق. وهنا أوردُ بعضًا مما دار في مجالسه.
(1)
سألتُ شيخي: لِمَ صارت أيّامنا متشابهة؟
قال: هل هي متشابهة في الأصل أم نحنُ نحسُّ أنَّها متشابهة؟
قلتُ في خفوت: الحقيقة لا أدري.
قال: حسنًا؛ الأيّام ليست متشابهة في الأصل؛ فاليوم يختلف عن أمس، والغد يختلف عن اليوم، وذلك لأنَّ التغيّرُ سِمَة الزمن. وقد كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس مُحقًا حين قال: "أنت لا تستطيع أن تنزل إلى النهر نفسه مرتين"، بمعنى أنَّ التغّير هو الأصل والجمود هو الاستثناء، وكذا يقول الفيلسوف نفسه: "الحرب أمُّ الأشياء"؛ الحرب هنا بمعنى الصراع، وليست الحرب العسكرية فقط، وهذا الصراع في المجتمعات هو الذي يدير عجلة التغيّر. إذن، لا شيء يظلُّ على حاله كما هو، وإنْ لم يظهر لنا هذا التغيّر بوضوح.
قلتُ: ولكننا نعيش على وتيرة واحدة إلى حدِّ الملل.
قال: نحن مَنْ يصنع هذا النمط الواحد أو الثابت، فنحسُّ أنَّ ذلك الثبات هو في الأيّام المُترادفة، بيد أنَّ الجمود فينا نحن، في نفوسنا التي تعوّدت، أو لنقل عوّدناها نمطاً واحداً.
قلتُ: وكأنّك، يا شيخي، تلقي باللائمة على البشر؟
الجمود فينا نحن، في نفوسنا التي تعوّدت، أو لنقل عوّدناها على نمط واحد
قال: ليس على البشر كافة، بل على البشر الجامدين في مسيرة حياتهم، فهم مَنْ يشعرون أنَّ الأيّام تمضي متشابهة، لكن الذين يقضون أوقاتهم في عمل وابتكار ونشاط وإنتاج، هؤلاء لا وجود لهذا الشعور في وجدانهم، بل لكلِّ يوم نكهة خاصة به.
قلتُ: وماذا عن تلك الأعمال التي نمارسها كلَّ يوم؟
قال: نُسميها عملاً، وهي في حقيقة الأمر مجرّد روتين يومي تعوّدناه بحكم الألفة، لا إنتاج فيه ولا إبداع، بل إسقاط واجب. ثم أردف: هل تُسمّي ما نقوم به من أعمال مُغرِقة في البيروقراطية تبدأ ثم تنتهي بتعبئة أوراق إنتاجًا وإبداعًا؟ إنَّ الأعمال هي إبداعات الإنسان الماثلة للعيان أو التي تقرُّ في وجدانه من علمٍ أو أدبٍ أو حكمة. يا بُني، مَنْ يصنع الحياة فهو الذي يعيش حقيقةً، ويكاد يلاحق الساعات كي يتم ما كرّسَ ذاتَه لإنجازه، أمّا الكسالى من أبناء شرقنا التعيس، فأيامهم نُسَخٌ مكرّرة من بعضها، لأنها تحاكي شخوصهم المُكرّرة حيث لا إبداع ولا ابتكار، وحكمتهم المُفضّلة: لا شيء أفضل ممّا كان.
(2)
قلتُ لشيخي: نرى الوقائع اليوم فنتشاءم بالقادم في قابل الأيّام، فهل نحن مُحقّون في تشاؤمنا؟
قال: أظنّ أنَّ تشاؤمكم مجانبٌ للصواب؛ لأنَّ القادم غيب لا يعلمه إلّا الله سبحانه وتعالى، ومهما كان سوء الحاضر، فلا يعني هذا أنَّ القادم سيئ أو أسوأ.
قلتُ: أليس المستقبل وليد الحاضر؟
قال: بلى، لكن هذا لا يعني الامتداد والمطابقة والانحدار لأسفل بالضرورة؛ وكأنّنا نحكم على الابن من خلال سيرة أبيه. إنَّ ما يحدث ما هو إلّا قطرة في عُباب الزمن الجاري، فهل نحكم على مجرى الزمن المتدفّق من خلال نظرتنا الضيّقة إلى قطرةٍ منه؟
ما يحدث ما هو إلّا قطرة في عُباب الزمن الجاري، فهل نحكم على مجري الزمن المتدفّق من خلال نظرتنا الضيقّة إلى قطرة منه؟
فكم من أحداثٍ عظيمة انبثقت من أحداثٍ عادية لم يكن أحدٌ يتصوّر عواقبها؛ ولنا في الربيع العربي خير مثال؛ فمَنْ كان يتصوّر أنَّ حادثة إحراق محمد البوعزيزي نفسه تصنع هذا الانفجار الذي عشناه، ولا تزال آثاره مُستمرّة إلى يومنا الحالي؟ وماذا عن طوفان الأقصى؟
وكذا، يجب ألا ننسى أنَّ الأسباب المادية وحدها لا تفسّر التاريخ، ولا تفلح في توقّع كلَّ ما سيجري، لأنَّ حركة التاريخ مرتبطة بالإنسان ضمن مجتمعه الذي لا تكبّله أيّ قوانين مادية صرفة.
(3)
ممّا أوصاني شيخي:
يا بُني، لا تتعلق بدنيا من أيّ لون؛ لا بشخصٍ ولا بمطمع، لأنّها سراب في سراب، ومجرّد قَبضُ ريح، ووهم مزركش بألوان الطيف، تكاد تغريك بالتعلّق، وأنت ابن الفناء، فأنّى لك الخلودُ فيها؟
(4)
ممّا أدركت من أقوال شيخي الحكيم: تعلّم؛ فإنَّ العلم نورٌ يُضيء لصاحبه طريقَه في المقام الأوّل، ومَنْ يعلم ويُعلّم غيرَه يكنْ كمَنْ علّق المصابيحَ الكاشفة على جوانب طريقٍ مُعتم كي يهتدي الناس سيرَهم فيه. أما الجهل والتجهيل فظلماتٌ بعضها فوق بعض. فطوبى للعلماء والمتعلّمين.