لغة الجسد المُنهك في تذوّق الألم
لقد ظننّا طويلًا أنّ الكلمة مجرّد وعاء بارد للمعنى، رمز مُحايد يُلقى به في ساحة الفكر. لكنّها في الحقيقة كيان حيّ ومُرهِق.
شاهدت محاضرة للكاتبة المصرية، إيمان مرسال، حملت عنوان "تأمّلات في لغة الطعام"، ولم يكن الأمر يتعلّق بالوصفات والمقادير، بل بالعمق الذي يمكن أن تبلغه اللغة حين تنفلت من التجريد. تلك الأفكار البسيطة عن مذاق الحروف وحسيّة الكلمات لم تغادرني، بل استقرّت في ذهني كصخرة ثقيلة، أثارت سؤالاً وجودياً: إذا كان للخبز طعم، فما هو مذاق الخوف؟ وما هو ملمس الخيبة؟
منذ تلك اللحظة، تحوّلت الكلمات الكبرى التي نحملها في حياتنا إلى مفردات حسيّة تخاطب الأمعاء قبل العقل، وتستفز الجلد قبل السمع. هي ليست دلالة، بل تجسيد حسّي كامل يحمل وزن التجربة ودرجة حرارتها. وبمجرّد أن نطلق هذه الكلمات من قفص التجريد، تبدأ رحلتنا نحو معجم يتذوّق الخسارات البشرية بالملح والعتمة.
معجم الوجدان المكسور
نخوض هنا تجربة تذوّق للمفردات التي تشكّل أعتى وأثقل ما يحمله الإنسان، فَنَصف أثر النّدبة الذي تركته هذه المشاعر:
الوحدة: ليست هدوءًا ولا عزلة. مذاقها هو الماء المالح الرّاكد في قاع بئر جافة، حيث لا يتجدّد ولا يُرتوى به. مَلمسها قماش يترك أثرًا حارقًا على الجلد كأنّه رمل الصحراء. هي أن تدرك أنّك مركز الكون الذي لا يدور حوله أحد.
الخيبة: صوتها هو صوت زجاج يتكسّر في غرفة مُغلقة، لا يتبعه صراخ ولا حركة، بل صمت ثقيل وبارد. لونها هو لون ظلّ أزرق باهت تحت العينين في صباح لم يأتِ فيه النوم.
الخوف: هو رائحة المعادن الساخنة، تتسلّل إلى الأنف وتستقر في الحنجرة كغصّة لا يمكن بلعها أو إخراجها. هو حجر ثقيل يوضع على المعدة، يجعل الجوع والألم يلتقيان في نقطةٍ واحدة من الارتعاش.
الجوع: ليس فراغاً في المعدة فحسب، بل هو ثقب أسود في الروح يبتلع الألوان والأصوات، ويجعل العالم كلّه يبدو رماديًا وبعيدًا. مذاقه هو طعم التراب الذي لا يشبع، وشعور بجفاف الحلق الذي لا يرتوي.
الألم الحقيقي ليس صرخة، بل هو ملمس صمت
الألم: كلمة مضلّلة، لأنّ الألم الحقيقي ليس صرخة، بل هو ملمس صمت. هو أن تفتح قبضتك لتجد فيها شيئًا كان يجب أن يبقى، ثم تُدرك أنّك لا تستطيع استعادته.
الذاكرة: ليست استرجاعاً، بل تجمّد. هي درجة حرارة شديدة البرودة تجعل كلّ شيء تلمسه يبدو وكأنه سيذوب لو لمسته. هي همس لاذع كالخل، يذكّرك بما كان يجب أن يكون وما لن يعود أبدًا.
يَشيخ: هذا الفعل يلامس ملمس الجلد الذي فقد ماءه، ويتذوّق رائحة الغياب عن الشمس. هو ليس زمنًا ممتدّاً، بل هو تآكل داخلي يُسمَع صوت احتكاكه في عظام الذاكرة.
الشك: هو أن تجد في فمك مذاقًا معدنيًا كالدم، لكنّك لا تعرف من أين ينزف الجرح. ملمسه هو حبل حريري ناعم لكنّه يخنق ببطء، من دون أن يترك أثرًا ظاهرًا.
الفقد: وزنه هائل، يتركّز في التجويف الصدري كثقب أسود مادي يمتصّ كلّ الضوء. هو أن تبقى يدك ممدودة في الهواء طويلاً، فتتعب، وتدرك أنّها لن تجد شيئًا لتصافحه.
الموت. ليست كلمة، بل هو القاطع الأبدي لكلّ الحواس. هو النقطة التي لا يمكن عندها تذوّق الوحدة أو الخوف أو الحنين
الحنين: ليس رغبة في العودة، بل رغبة في التوقّف. طعمه هو حلاوة مُسكرة جدًا تُخبّئ وراءها مرارة لاذعة، كأنّك تتذوّق قطعة حلوى ذائبة تختلط بدمعة جافة.
كلّ كلمة من هذه الكلمات هي ندبة، دلالة على معركة لم تُحسم. ونحن، ككتّاب، مهمّتنا ليست إخفاء هذه الندبات، بل تذوّقها بكلّ مرارتها وصدئها، لنحمل عبء وزنها وحرارتها ومرارتها، ونتأكّد أنّها لن تمرّ على القارئ مرور الكرام. هذه لغة مقاومة التجريد، لغة ترفض أن تكون التجربة الإنسانية مجرّد فكرة بسيطة.
في نهاية هذا المعجم المُنهك، نقف أمام الكينونة القاطعة: الموت. ليست كلمة، بل هو القاطع الأبدي لكلّ الحواس. هي النقطة التي لا يمكن عندها تذوّق الوحدة أو الخوف أو الحنين.. لأنّها إنهاء لمعجم الإنسان برمّته. إنّ الكلمة تموت بالموت، وتبقى شاهدًا أخيراً على ما كان يجب أن يُقال، وجسد الكاتب هو أرض الكلمات ومقبرتها في آن واحد.