لا حياء لمن تنادي
كما السيول الجارفة، تتدفّق صور النازحين الغزيين وهم يتطايرون، حرفياً، وأشياءهم القليلة في مهبّ الرياح العاصفة. من كلّ نافذة على الفضاء الافتراضي؛ الهاتف، شاشة الكومبيوتر وقنوات التلفزة. أناس غارقون في المياه المُثلّجة حتى خصورهم أحياناً، يحاولون إنقاذ أنفسهم وأولادهم من الرمال المُتحوّلة بالسيول والأمطار إلى وحول، تَغرق فيها أقدامهم العارية حتى من جزمة بلاستيكية. بعضهم يبكي غضباً وهو يرفع أولاده الصغار بيديه عالياً عن مستوى المياه، وفتيان وفتيات دون العاشرة، زرق الشفاه، يرتجفون من البرد والبلل في العراء والعتمة، وقد استحال عليهم استبدال ملابسهم بأيّ ملابس جافة حتى لو كانت لديهم، عكس الغالبية، ملابس غير تلك التي يرتدونها. تصرخ الفتاة للعدسة أن لا ملابس لديها غير المُبلّلة التي ترتديها، وهي "ثياب صيفية نصف كم".
ينغرس كما السكين في قلبك مشهد ليلي لشبان تداعوا في عزّ العاصفة لنجدة إحدى العائلات من العراء التام. يحاولون تثبيت سقف الخيمة التي تعصف بها وبهم الريح المجنونة، في محاولة لمنعها من الطيران بعيداً. يمسك أربعة منهم، كلّ بطرف من أطراف الخيمة، مُحاولين إبقاءها فوق رؤوس ساكنيها، في حين إنّ الريح نفسها تكاد تحملهم هم أيضاً بعيداً، وهي تصفعهم بالأشياء المُتطايرة من داخل الخيم، وبأمطارها المُنهالة عليهم كوابل من الإبر.
لم يعد ينفع حتى انتشال الأطفال وحملهم على الأكتاف اتقاءً لبلل أقدامهم أو حتى غرق قاماتهم الصغيرة، فالسماء تُمطر والأرض الرملية للقطاع التي لا تتشرّب بسرعة كافية، تغصّ بالفائض الهائل ثم تغرق في السيل الذي كان يعلو شيئاً فشيئاً، فلا تلاقيه إلا صرخات الغضب ودموع العجز وصيحات الاستغاثة اليائسة والألم.
يرتجفون من البرد والبلل في العراء والعتمة، وقد استحال عليهم استبدال ملابسهم بأيّ ملابس جافة حتى
أمّا خيام الشاطئ؟ يا للهول. فقد انقضت عليها الأمواج العاتية للبحر الهائج في الليالي الماضية مرّة تلو أخرى، منتزعة من سكّانها آخر ما تبقى لهم من أغراض أو حماية، إن كان من المُمكن إطلاق هذا الوصف على ما ظهر في الصباح أمام العالم بأسره، مِزقاً من القماش الرقيق تطفو الآن، بعد أن كفّت السماء بلاءها مؤقّتاً، بعيداً في وسط البحر.
أمّا المحتمون بهياكل المنازل الآيلة للسقوط، أو بالأحرى ما تبقى قائماً منها، فقد دمّرت العاصفة بعضها على رؤوس المُحتمين بها، فلم يجدوا مناصاً من الخروج إلى العراء المُمطر بعنف مرّة أخرى.
في أحد الفيديوهات، ومن خلال خيوط المطر الغزير، ترى سيّدة تقف في هيكل أحد المباني الفارغة حتى من الجدران، تلوّح بذراعيها وهي تصرخ بشيء ما، ربّما لمن كان يصوّرها من الجهة المقابلة. افترضتُ أنها تشتم أو تلعن أو تستغيث، لا فرق. فالشتائم في حال أهل غزّة هي مرادف حلال للاستغاثة. لم أستطع سماع شيء ممّا كانت تقول، فقد كانت الريح بهبوبها القوي تأخذ صوتها وكلماتها بعيداً عن آذاننا.
لولا الهواتف الجوّالة التي كانت لا تزال تعمل، لما استطاعت غزّة أن تخبرنا بأنّها كانت تغرق مرّة أخرى. كانت وسيلتهم المتبقية لطرق أبوابنا، كي لا يموتوا ويختفوا حتى من دون خبر. كان الغارقون في جحيم غزّة المائي يصوّرون فيديوهاتهم المرعبة كرسالة في قنينة رُمِيت في البحر، لعل وعسى يلتقطها مغيث. كنداء أو رفع مرآة أمام بقية العالم القابع أمام شاشات الأعياد والعام الجديد من الإبادة. عالم يشيح غالباً ببصره مدّعياً (لتبرئة نفسه من "دم هذا الصديق") العجز عن فعل أيّ شيء.
الشتائم في حال أهل غزّة، مرادف حلال للاستغاثة
وأنا مثل أهل غزّة. أغرق في بحر من المرارة والعجز ولا أستطيع أن أشيح ببصري عنهم ولو حاولت. ماذا أفعل يا إلهي؟ ماذا باستطاعتي أن أفعل لهم؟ كيف أمدّ يد العون عبر الحدود والشاشات والحواجز المتوحّشة؟
تقول الأخبار إنّ ربع مليون نازح كانوا في مهبّ العاصفة من دون أيّ درع يحميهم حتى من البلل. قتلت العاصفة (هل هي حقاً التي قتلت؟) عشرين شخصاً بينهم أربعة أطفال. أفكّر بهم، وبما عانوه. أفكّر بالناجين إلى حين، وبمن ستقتلهم الأمراض المُتأتية من ذلك البرد الشديد وانعدام الوقود والتدفئة أو أيّ وسيلة للحماية. أفكّر بكّل هؤلاء الذين لم تكن لديهم هواتف نقالة ليرسلوا نداءاتهم إلينا. بمن حتى لا شاشات تنقل أخبار غرقهم، فلا أحسّ إلا بمزيد من العجز والغضب والحزن، كوكتيل سام يقتل روحي وأنا حبيسة، كالكثيرين، في أكواريوم الإبادة الزجاجي الشفاف، نشاهدهم، لكن لا نستطيع العبور إليهم، ولا تواتينا قلوبنا على إشاحة البصر.
لولا الهواتف الجوّالة التي كانت لا تزال تعمل، لما استطاعت غزّة أن تخبرنا بأنّها كانت تغرق مرّة أخرى
على شاشة التلفزيون الفرنسي تقرير عن تقليد لدى سكان مدينة شاطئية قريبة من المُحيط، يخرجون فيها ليلة الميلاد بالمايوهات ليرتموا في مياه البحر المُثلّجة، بإرادتهم طبعاً. نساء ورجال من مختلف الأعمار. تراهم يتضاحكون وهم يرمون بأنفسهم في مياه البحر، بعضهم يخرج بسرعة منه صائحاً من لسعة المياه المثلّجة التي لم يستطع تحمّلها لثوان معدودة في هذا الوقت من العام، وبعضهم يحاول الصمود أكثر، لكنه يرتجف ضاحكاً بمرح أمام عدسة الكاميرا، كما يفعل الأولاد المُشاغبون الذين يرتكبون ما هو خارج عن المألوف.
في أوقات كهذه كنت لأبتسم لهذا المشهد من المرح الطفولي الجماعي، خاصة أنّ أغلب هؤلاء كانوا من المسنين. لكن هذه المرّة لم يكن بإمكاني الابتسام. كنت عاجزة عن إطالة النظر رغم الإغراء بإراحة روحي، ولو لدقائق قصيرة، من ألمها، وإخراج نفسي من جحيم غزّة النفسي الذي رمتنا فيه إسرائيل والمُتواطئون معها، وتمارس فيه علينا فنوناً من التعذيب عن بعد.
لم ينته جحيم غزّة الشتوي. تقول الأخبار إنّ منخفضات جوية عنيفة وعديدة ستتوالى بين عيدي الميلاد ورأس السنة. حتى النشرة الجوية باتت كابوساً. ولا حياة أو حياء لمن تنادي.