كيف نستعيد فلسطين من ظلال الديكتاتوريات؟
في عام 2009، نشر المفكّر العربي عزمي بشارة كتابه "أن تكون عربياً في أيامنا"، مُقدّماً قراءة لأحوال العرب، مجتمعاتٍ وأنظمةً، ومومئاً إلى مسارات التحوّل التي ستعرفها المنطقة لاحقاً. وبعد سبعة عشر عاماً، ما يزال الكتاب مُحتفظاً بقدرته التفسيرية، خصوصاً إذا ما استُخدم لإجراء مقاربات سوسيولوجية لواقع التحوّلات السياسية والثقافية العربية، ولا سيما ما يتعلّق بالانزياح العربي عن خطّ فلسطين.
لم يكن مُفاجئاً للمُشتغلين بسوسيولوجيا الثقافة العربية ظهور الشروخ العميقة في جدار الهُويّة العروبية المُشتركة، وفي مقدّمتها التململ المُتزايد لدى قطاعات ثقافية وسياسية وإعلامية وشعبية تجاه القضية الفلسطينية، التي بات البعض ينظر إليها بوصفها عبئاً أخلاقياً ونفسياً. والسؤال هنا: كيف تحوّل التضامن الوجداني التاريخي إلى حمل ثقيل لدى كثيرين؟
تاريخياً، كانت القضية الفلسطينية حاضرة في خطاب الأنظمة العربية بوصفها ضمانة قومية لبقاء هذه الأنظمة. فقد استغلت النظم السلطوية المكانة العقدية والتاريخية لفلسطين في وجدان الشعوب، حتى أصبح القرب من القضية أو البعد عنها معياراً مركزياً لتقييم الأنظمة، رغم فسادها وفشلها التنموي وعنفّها المنظّم. وعلى هذا الميزان حملت العسكرتاريا العربية نفسها على رقاب الناس.
كانت القضية الفلسطينية حاضرة في خطاب الأنظمة العربية بوصفها ضمانة قومية لبقاء هذه الأنظمة
إنّ التحوّل الثقافي والنفسي الراهن لا يمثّل خيانة لعدالة القضية الفلسطينية بقدر ما يمثّل أثراً جانبياً لعقود من التسمّم السياسي المُمنهج. وهنا يمنحنا التفكيك الفكري الذي قدّمه عزمي بشارة في كتابه المفاتيح السوسيولوجية لفهم كيف حوّلت الأنظمة السلطوية الهُويّة والقضية من مشروع تحرّري جامع إلى أداة قمع وتأديب للمجتمعات.
يفكّك بشارة العلاقة الجدلية بين القومية والديمقراطية، موضّحاً كيف عمد الخطاب الرسمي إلى الفصل بين تحرير الأرض وتحرير الإنسان. فقد رفعت الأنظمة الشمولية الشعارات القومية والتحرّرية، لكنّها استخدمتها لتأجيل الديمقراطية ومصادرة التعدّدية السياسية بحجّة الحفاظ على وحدة الصف. ونتيجة لذلك، أُفرغت القومية من مضمونها الإنساني وتحوّلت إلى أداة لتبرير الاستبداد.
هذا التوظيف خلق ارتباطاً شرطياً خطيراً في وعي المواطن العربي: الدفاع عن فلسطين يعني استدامة القمع والتجويع وتضخّم الأجهزة الأمنية. وعندما تراجعت شرعية تلك الأنظمة، حدثت قطيعة نفسية مع الشعارات المُرتبطة بها، بحيث صار رفض الدكتاتورية يمتدّ إلى رفض رموزها كافة.
لا ينبع التململ من التضامن بالضرورة من رفض فلسطين، بل من محاولة للتحلّل من إرث استُخدم لتبرير القمع
وفي علم النفس السياسي، حين يربط الحاكم المُستبد شرعيته بقيمة نبيلة كالدين أو القومية أو فلسطين، فإنّه إمّا أن يضفي القداسة على النظام مؤقّتاً، أو يؤدي إلى سقوط الشعار نفسه في أعين الناس. ومن هنا، فإنّ التململ من التضامن لا ينبع بالضرورة من رفض فلسطين، بل من محاولة للتحلّل من إرث استُخدم لتبرير القمع.
ويجادل عزمي بشارة بأنّ الأنظمة السلطوية، بإلغائها المجتمع المدني وتفريغها الفضاء العام من السياسة الحقيقية، دفعت المجتمعات نحو البنى الطائفية والعائلية والأمنية. ومع صراعات ما بعد 2011 في سورية والعراق وليبيا واليمن، برز ما يمكن تسميته بـ"الإنهاك الوجودي"، حيث يفقد الإنسان المُنهك قدرته على إسقاط تضامنه خارج محيطه المباشر، فيرتدّ نحو هُويّاته الضيّقة بحثاً عن النجاة.
ومن هنا نشأت أشكال من الأنانية الوطنية أو القطرية الراديكالية بوصفها نتاجاً لليأس القومي وتفتيت المجتمع. كما أنّ التضامن مع فلسطين، تحت ظلال الديكتاتوريات، لم يكن خياراً أخلاقياً حرّاً، بل واجباً قومياً تؤطّره الدولة عبر المناهج والخطابات والمظاهرات الرسمية، الأمر الذي أفقده جوهره الإنساني.
إنّ إنقاذ الهوية العربية المشتركة، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، يقتضيان تفكيك هذا الإرث وتبرئة فلسطين من جرائم الأنظمة الشمولية. فكما تلهمنا أطروحة "العروبة الديمقراطية" عند عزمي بشارة، فإنّ المخرج يكمن في إعادة تقديم القضايا العربية المُشتركة بوصفها قضايا حرية ومواطنة وحقوق إنسان. فالفرد الذي يرفض الظلم في دمشق أو القاهرة أو بغداد أو صنعاء، سيتضامن تلقائياً مع المظلوم في غزّة والقدس ورام الله؛ ليس استجابة لصولجان الحاكم، بل انحيازاً لقيمة إنسانية واحدة: حرية الإنسان وكرامته.