كيف تسكن صدمات الجدّات في أجساد الأحفاد؟
كان يا ما كان، في قديم الزمان، كانت والدتك لا تزال جنيناً في رحم أمّها. وفي تلك المرحلة المبكرة من الحياة، بدأت بويضاتها البدائية بالتشكّل؛ ففي المرحلة الجنينية تتكوّن الخلايا التي ستصبح لاحقاً بويضات، ومن بينها الخلية التي ستُنتج البويضة التي جئتَ منها. أي أنّ بذرتك الأولى كانت موجودة فعلياً في رحم جدّتك عدة أشهر.
وبما أنّ الجدّة كائن حيّ عاش حياة كاملة، أو لا يزال على قيد الحياة، أطال الله في عمرها، فلا بدّ أنّها مرّت بتجارب صادمة أو مؤلمة تركت أثرها عليها، لا بوصفها ذكريات فحسب، بل خبرات جسدية ونفسية عميقة، تشكّلت في زمن لم تكن فيه النجاة أمراً بديهياً. وإذا حدثت هذه التجارب خلال فترة حملها بوالدتك، فإنّ الخلايا التي ستقود لاحقاً إلى وجودك كانت تعيش في بيئة حيوية متأثّرة بتلك الخبرة. ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن لتجارب الجدّة أن تترك أثراً عليك؟
في هذا السياق، يبرز اسم العالم كونراد هال وادينغتون، الذي أسّس مجالاً علمياً يُعرف بعلم التخلّق. يدرس هذا العلم التغيّرات التي تطرأ على طريقة عمل الجينات وتنظيمها، من دون أن يكون ذلك ناتجاً عن تغيير في تسلسل الحمض النووي نفسه. فالجينات تبقى على حالها، لكن طريقة تعبيرها عن ذاتها - في الصفات الجسدية أو الوظيفية أو النفسية - قد تتأثّر بالبيئة والظروف المحيطة، لا سيّما خلال فترات حسّاسة مثل الحمل. ويُعرف هذا التأثير بالتنظيم اللاجيني للتعبير الجيني.
ومن هنا ظهر مفهوم الانتقال التخلّقي عبر الأجيال، أي أنّ الظروف التي تعيشها الأم الحامل قد تترك آثاراً تنظيمية طويلة الأمد على التعبير الجيني لدى الأبناء، وقد تمتد هذه الآثار، في بعض الحالات وبدرجة أقلّ حسماً لدى البشر، إلى الجيل التالي، أي إلى الأحفاد.
ظهر مفهوم الانتقال التخلّقي عبر الأجيال، أي أنّ الظروف التي تعيشها الأم الحامل قد تترك آثاراً تنظيمية طويلة الأمد على التعبير الجيني لدى الأبناء
أشهر مثال موثّق على ذلك هو مجاعة الشتاء الهولندية. ففي أواخر الحرب العالمية الثانية، وتحديداً خلال شتاء عامي 1944–1945، تعرّضت هولندا لمجاعة قاسية استمرّت ستة أشهر نتيجة الحصار. وقد أظهرت الدراسات أنّ أبناء النساء اللواتي كنّ حوامل في تلك الفترة كانوا أكثر عرضة، في مراحل لاحقة من حياتهم، للإصابة بالسمنة وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري، إضافة إلى تحدّيات نفسية وصحية متنوّعة.
وبيّنت الأبحاث أنّ نقص التغذية الحادّ أثناء الحمل أثّر في تنظيم التعبير الجيني، وخصوصاً في الجينات المرتبطة بعمليات الأيض والنمو. ولم تكن هذه تغييرات في الجينات نفسها، بل في كيفية عملها، وهو ما ساهم في ظهور آثار صحية طويلة الأمد لدى الأبناء، مع مؤشّرات أقل وضوحاً، لكنها لافتة، لدى بعض الأحفاد.
ومن هنا، تزايد الاهتمام بدراسة أبناء وأحفاد من عاشوا ظروفاً قاسية، سواء بسبب الحروب أو المجاعات أو الضغوط الشديدة. ولا يقتصر هذا الاهتمام على صفحات التاريخ أو أرشيفات الحروب القديمة، بل يمتدّ إلى واقعٍ يتشكّل أمام أعيننا اليوم، حيث تنمو أجنّة في أرحام أمهات يعشن تحت القصف، أو الحصار، أو الجوع، أو الخوف المزمن. أجنّة لا تختبر العالم بوصفه مكاناً آمناً، بل بيئة مضطربة منذ لحظاتها الأولى.
وتشير النتائج إلى أنّ التعرّض لمثل هذه الظروف أثناء الحمل قد يزيد قابلية الأجنّة للإصابة باضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب أو القلق، في مراحل لاحقة من الحياة. وهي ليست نتائج حتمية، بل استعدادات كامنة قد تبقى صامتة سنوات. ولا تعمل هذه القابلية بمعزل عن العوامل الاجتماعية والبيئية اللاحقة، بل تتفاعل معها باستمرار، فتتضخّم أو تنحسر بحسب ما يلقاه الفرد لاحقاً من أمان أو عنف، من احتواء أو إهمال. وكأنّ التجربة الأولى تضع نغمة البداية، بينما يكتب الواقع بقية اللحن.
وحتى اليوم، لا تزال هذه المسألة قيد البحث العلمي. فالأدوات البحثية في هذا المجال تحتاج إلى وقت طويل لإعطاء نتائج حاسمة، ولا يمكن الجزم بشكل قاطع بانتقال التأثيرات التخلّقية عبر أجيال متعدّدة عند البشر. ومع ذلك، فإنّ المؤشّرات المتوفّرة قوية بما يكفي لتدلّ على وجود أثر حقيقي يستحقّ التأمّل.
لهذا، في المرّة القادمة التي يقول لك فيها أحدهم: "أنت عصبيّ مثل جدّتك"، يمكنك أن تجيبه بأنّ ما مررنا به تاريخياً لم يكن بالأمر الهيّن؛ قد لا تكون كتبته صفحات التاريخ، لكنه استقرّ بصمت في الذاكرة المتوارثة.