كيف تختار سورية من يروّج صورتها؟
لم تكن كلمة "الشوفير" التي قِيلت داخل مروحية عسكرية سورية هي القضية، رغم ما أثارته من غضب لدى كثير من السوريين. كلمة عابرة قيلت، وصاحبها اعتذر عنها، وصحّحها الطيار في حينها بهدوء: "أنا طيار، ماني شوفير". ولو بقيت الحكاية هنا، لما استحقّت أكثر من جدل قصير على مواقع التواصل. لكن القضية الأهم تبدأ قبل أن تُقال الكلمة؛ حين يصبح عدد المتابعين بطاقة عبور إلى مساحات كانت الدول سابقاً تفتحها للدبلوماسيين والصحافيين المُتخّصصين والخبراء والمستثمرين.
وسورية هنا ليست حالة فريدة. الحكومات وهيئات السياحة والشركات الكبرى حول العالم تستعين بصنّاع المحتوى للوصول إلى جمهور أوسع لم تعد وسائل الإعلام التقليدية تصل إليه بالطريقة نفسها. فالمشكلة، إذا، ليست في حضور المؤثّر، بل في غياب المعيار.
وقع المشهد خلال الدورة الثالثة والستين لمعرض دمشق الدولي، التي انطلقت في 26 أغسطس/آب 2026 بمشاركة نحو ألف جهة تمثّل قرابة ستين دولة، في حدث تريد دمشق تقديمه مؤشّراً إلى عودة سورية الاقتصادية وانفتاحها على العالم.
ضمن الفعاليات، نظّمت وزارة الدفاع رحلات بالمروحيات فوق دمشق. وكان يقود إحداها العقيد الركن الطيار إبراهيم الغوراني، حين سأله صانع المحتوى الأردني يزن أبو عجوة: "أنت الشوفير؟"، فردّ: "أنا طيار، ماني شوفير".
المشكلة ليست في حضور المؤثّر، بل في غياب المعيار
يمكن اعتبار العبارة مزحة ثقيلة أو جهلاً بالمصطلح أو حتى طرفة في غير محلّها. اعتذر عنها أبو عجوة لاحقاً، ومن الإنصاف ألّا تتحوّل زلة لفظية إلى محاكمة لشخص أو إساءة إلى شعب. لكن ردّ الفعل السوري لم يتعلّق بالمفردة وحدها بل برمزية الرجل الذي قيلت له.
توثّق "الذاكرة السورية" أنّ الغوراني، المُنحدر من بلدة الشجرة في درعا، كان عقيداً ركناً طياراً قبل انشقاقه عن سلاح طيران النظام في يونيو/ حزيران 2012، ثم أسّس لواء الحرمين الشريفين وتولى مواقع قيادية في تشكيلات المعارضة جنوب سورية. كما توثّق مصادر محلية مقتل ابنه هشام عام 2020.
وبعد سقوط النظام، عاد الغوراني إلى سماء دمشق، وظهر وهو يقود مروحية ألقت الورود على المُحتفلين. لذلك سمع بعض السوريين كلمة "الشوفير" وهي تصطدم بذاكرة رجل ومرحلة كاملة.
وهنا ليس لزاماً على كلّ زائر معرفة سيرة كلّ شخص يقابله، لكنّه يطرح سؤالاً للجهة المُنظِّمة: هل عرّفت الضيوف بالمكان والأشخاص وحساسية المؤسسة التي يدخلونها؟ هنا ينتقل الخطأ من الفرد إلى إدارة التجربة.
من يملك الجمهور ومن يستحق المنصة
هناك أسباب قوية تدفع الدول إلى استضافة صنّاع المحتوى. فمؤثّر واحد يستطيع خلال دقائق نقل صورة مدينة أو موقع أثري أو مشروع إلى ملايين الأشخاص. وهذا ما دفع دولاً إلى وضع جوائز لصنّاع المحتوى وفق تخصّصات ومعايير واضحة، فالاعتراف بالمؤثّر أمر محمود وفق معايير دقيقة تناسب وظيفته. وهذا ما تحتاج إليه سورية.
لكن ليس كلّ من يمتلك مُتابعين كُثراً صالحاً لأيّ مساحة. من يتفوّق في محتوى الطعام ليس بالضرورة مناسباً لمؤسّسة عسكرية، ومن يصنع المقالب ليس الخيار الطبيعي لحدث اقتصادي، فقد يكون متخصّص يتابعه جمهور أصغر أكثر قيمة لمن يريد مخاطبة المستثمرين أو السياح أو المُهتمين بالتراث. الفرق هنا بين الانتشار والملاءمة.
ومعرض دمشق الدولي ليس مجرّد فعالية ترفيهية. دمشق تريد من خلاله إرسال رسالة عن الانفتاح الاقتصادي واستعادة العلاقات وجذب الاستثمار. وحين تستخدم الدولة صانع محتوى ضمن هذه الرسالة، يصبح السؤال: ماذا تريد أن تقول من خلاله؟ إذا غابت الإجابة، تركت المؤسسة لصانع المحتوى نفسه مهمّة تحديد صورتها.
داخل مؤسسة سيادية، تستطيع ثوانٍ من العفوية غير المحسوبة إنتاج أزمة أو إرسال رسالة معكوسة
لذا يجب اختيار الشخص المناسب، وتعريفه بالمكان، وتوضيح حدوده وحساسيته، ثم تركه يعمل بأسلوبه وعفويته التي بناها مع جمهوره.
المروحية العسكرية ليست موقع تصوير عادياً، والضابط ليس تفصيلاً عابراً أو ديكوراً في مشهد. المؤسّسات العسكرية المُحترفة تضع ضوابط للتصوير والنشر تتعلّق بأمن العمليات وحماية المعلومات وإدارة صورتها العامة. وكلّما ازدادت حساسية المؤسسة، ارتفعت شروط الوصول إليها.
إذا أرادت المؤسسة العسكرية السورية بناء علاقة جديدة مع المجتمع، فإنّ الانفتاح الإعلامي يمكن أن يخدم هذا الهدف بقوّة. لكنه يحتاج إلى مسؤول اتصال، وتعريف مُسبق بالبيئة والأشخاص، وقواعد واضحة للتصوير، وفهم لسجّل الضيف وجمهوره.
داخل مؤسسة سيادية، تستطيع ثوانٍ من العفوية غير المحسوبة إنتاج أزمة أو إرسال رسالة معكوسة.
ولهذا فالسؤال الأهم بعد حادثة أبو عجوة ليس: ماذا قصد؟ بل: لماذا اختير؟ وما الهدف من وجوده؟ وماذا عرف قبل دخوله؟ ومن أدار التجربة؟
من تحتاج إليه سورية؟
إلا أنّ الفرق كبير بين الترويج وبناء السمعة. الأوّل قد يبحث عن صاحب الصوت الأعلى، أمّا الثاني فيبحث عمّن يستطيع حمل القصة.
بالنسبة لحادثة يزن أبو عجوة، انتهت برأيي منذ لحظة اعتذاره. أمّا حصّة الدولة، فتبدأ من السؤال الذي تركته الواقعة خلفها: من نمنحه حقّ الوصول إلى مؤسساتها، ولماذا؟
فالخطأ المقبل قد لا يكون كلمة، بل معلومة خاطئة عن تاريخ سورية، أو تصويراً داخل منشأة حسّاسة، أو محتوى يحوّل حدثاً اقتصادياً إلى مادة ساخرة تصبح هي صورته الأكثر انتشاراً.
المشكلة لم تكن في كلمة "الشوفير"، بل في ماذا يحدث عندما تتحوّل الشهرة إلى امتياز مؤسسي من دون ضوابط؟
يمكن لسورية أن تستعين بالمؤثّرين، وتخاطب الجيل الجديد بلغته، وتفتح مؤسساتها أمام "المؤثرين". لكن، قبل فتح الباب، ينبغي معرفة من يدخل وإلى أين ولماذا؟