العنف المؤسَّس: كيف صاغت الصهيونية مشروعها على الإبادة؟
من يتابع الحروب التي فجرها اللوبي الصهيوني، سواء داخل أراضي الصراع أو خارجها، لا يحتاج إلى تحليل معقّد أو الغوص في الكتب الاستراتيجية؛ فالمشهد واضح وضوح الشمس: قتل ممنهج، واستهداف متعمد للمدنيين، وتجريد الشعوب من مقومات الحياة. الأمر لا يتعلّق بصراع حدودي أو دفاع مشروع عن أرض، بل نحن أمام مشروع إبادة مكتمل الأركان، ينبع من عقيدة ترى في وجود "الآخر" خطراً لا يُحتمل وجريمة يجب أن تُمحى.
الصهيونية لم تكن يوماً مشروعاً لتحرير اليهود كما يزعم منظّروها، بل كانت منذ ولادتها في أواخر القرن التاسع عشر على يد مؤسسها تيودور هرتزل، فكرة استعمارية ذات طابع ديني عنصري. قامت على مبدأ التفوّق العرقي والديني، وادعت أن "شعب الله المختار" له الحق المطلق في الأرض والتاريخ والذاكرة. أما من يعترض على هذا الزيف، أو يرفض الرضوخ له، فمصيره الإلغاء أو الإبادة.
ولا بد من التأكيد هنا أن هذا المشروع لم ينطلق من فراغ، بل استند إلى خليط من الأساطير والمعتقدات الزائفة، وتفسيرات متطرفة لنصوص دينية محرّفة، خصوصًا تلك المقتبسة من نصوص التلمود. الصهيونية لم تكن مجرد سردية زائفة، بل قوة فاعلة قامت على تزييف التاريخ ثم ترجمته إلى ممارسات إجرامية على الأرض: تهجير شعوب بأكملها، محو قرى من الوجود، طمس الهويات، ارتكاب المجازر الجماعية، واستيطان أراضي السكان الأصليين.
الصهيونية لم تكن مجرد سردية زائفة، بل قوة فاعلة قامت على تزييف التاريخ ثم ترجمته إلى ممارسات إجرامية على الأرض
ولأنها أيديولوجيا قبل أن تكون سياسة، فإن أثرها لم يقتصر على المواجهة العسكرية. بل هي عقيدة متجذرة تنخر في كل مفاصل الكيان، من التعليم إلى الإعلام، من المناهج إلى الألعاب، من العقل إلى الروح. في مدارسهم يتربى الأطفال على أن العربي عدو بالفطرة. في وسائل إعلامهم يُقدَّم المسلم على أنه متوحش ومصدر للإرهاب يشكل تهديداً وجودياً. وحتى ألعابهم تحولت إلى وسيلة لتغذية العنف في لاوعي أطفالهم، وإعدادهم ليكونوا قتلة في المستقبل.
هكذا يصنعون أجيالاً ترى في القتل والدمار بطولة، وفي دموع الأمهات لحظة انتصار. ليست المسألة إذًا مسألة سياسات ظرفية أو ردود أفعال، بل مشروع أيديولوجي طويل المدى، هدفه النهائي ليس السيطرة فقط، بل الإلغاء التام لكل من لا يدخل في "التعريف الصهيوني" للوجود.
ولهذا فإن ما جرى في مذبحة دير ياسين عام 1948، وما تكرر في صبرا وشاتيلا، وما أعيد إنتاجه في غزة، وما شاهدناه من ضربات جوية تطاول الأحياء المدنية في إيران خلال التصعيد الأخير في الصيف الماضي، ليست أحداثاً متفرقة، بل فصول في كتاب واحد. كل مجزرة هي تطبيق مباشر لفكرة عنصرية مستخرجة من السردية الصهيونية، وكل تهجير هو استمرار للسردية ذاتها، وكل صمت دولي هو دليل على نجاحهم في تسويق باطلهم تحت مسمّيات كاذبة.
الصراع في جوهره ليس صراع حدود أو مصالح فقط، بل صراع على الحق في الوجود، وعلى الكرامة، وعلى التاريخ، وعلى المستقبل
إن ما شاهدناه طيلة فترة الصراع، وخصوصاً ما وقع في المعركة الأخيرة "معركة طوفان الأقصى"، لا يمكن تسميته حرباً؛ لأن الحرب تتضمن غالباً وجود طرفين متكافئين ولو نسبياً، وتحكمها قوانين ولو كانت شكلية. ما يجري الآن هو مشروع إبادة منظّم، قائم على منطق "نحن وحدنا أو لا أحد"، منطق يقصي الآخر بالكامل، لا بالتفاوض أو الإقناع، بل بالمحو والسحق.
وإذا أردنا أن نفهم موقفهم من أي شعب يملك قراره أو يسعى لبناء قوته، فالمعادلة بسيطة: لا يسمحون لك بامتلاك القوة ما لم تقدّم صكوك الطاعة. فإن حاولت أن تملك زمام قرارك، وتنهض ببلدك، وتستقل بمصيرك، فستلاحَق وتُحاصَر وتُستهدَف، ويُحرَّك ضدك الإعلام والسلاح والمجتمع الدولي؛ لأن وجودك في حد ذاته بات يعد تهديداً لمنطق الاستعلاء الصهيوني.
لهذا لا ينبغي أن ننخدع بالشعارات. "الدفاع عن النفس" في قاموسهم يعني "الحق في القتل"، و"محاربة الإرهاب" تعني "محو كل من يقاومنا"، و"أمن إسرائيل" يعني فناء كل من يهدد مشروعها.
هذا الصراع في جوهره ليس صراع حدود أو مصالح فقط، بل صراع على الحق في الوجود، وعلى الكرامة، وعلى التاريخ، وعلى المستقبل. ومن لم يدرك أن المجازر هي التعبير الحقيقي عن قلب المشروع الصهيوني، فإنه لم يقرأ التاريخ كما هو، ولم يشاهد الواقع كما يحدث.