كيف تحولت الأخبار السيئة إلى جيدة؟

05 يناير 2021
+ الخط -

قبل أيام، توفي الحاج عبد الرحمن شكري، النائب البرلماني، ونقيب الفلاحين في مصر سابقا، في العاصمة القطرية الدوحة. وعندما كنا نتوجه للصلاة عليه ودفنه، تساءل أحد الأصدقاء عما إذا كانت أسرة المرحوم تعيش معه، وعندما رد صديق آخر بالإيجاب، حمدنا الله جميعا أنه مات في غربته ومعه أسرته! رغم أنه بالتأكيد كان يتمنى أن يموت ويدفن في بلده، لكن مجرد وجود أسرته معه كان خبرا جيدا. ذلك أن القيادي في جماعة الإخوان، أيمن عبد الغني، كان قد توفي قبل أيام قليلة من وفاة الحاج شكري، لكنه -للأسف- رحل عن الدنيا وحيدا مغتربا، بعد منع أسرته من السفر إليه طوال أكثر من 7 سنوات، ليلقى ربه محروما من رؤية زوجته وأبنائه.

تذكرت حينها تغريدة كتبها الطبيب والناشط الحقوقي طاهر مختار، قبل عامين، بعد صدور الحكم على المصور محمود شوكان، بالسجن لمدة 5 أعوام. وكان شوكان قد قضى بالفعل تلك السنوات الخمس تحت الحبس الاحتياطي، لذا أفرج عنه بعد صدور ذلك الحكم، وحينها علّق مختار في تغريدته على ذلك الحكم قائلا: "هكذا يمكن أن تكون الأخبار السيئة أخبارا جيدة في مصر"! وهو ما ينطبق بالحرف على حالة الحاج عبد الرحمن شكري مقارنة بغيره. وقد عبّرت والدة شوكان عن تلك الحالة، عندما اتصل بها الصحافي خالد البلشي ليبلغها الحكم، إذ قالت إن ابنها مظلوم، لكنها سعيدة جدا بالحكم لأنه سيعود أخيرا إلى حضنها، متمنية حدوث ذلك لكل من يعاني من ظروف مشابهة.

وقد أعادت لي واقعة استبشارنا بوفاة الحاج عبد الرحمن شكري بجوار أسرته، أنباء وحوادث أخرى، هي في أصلها سيئة وحزينة، لكنها أصبحت في السياق المصري منذ سنوات، سببا للفرح والسعادة! مثل ظهور أحد أصدقائي أخيرا في النيابة، وحبسه لمدة 15 يوما، يومها شعرت أنا وأصدقاؤه وأسرته بسعادة غامرة! لأنه كان مختفيا قسريا لعدة أشهر، وأنه طالما ظهر في النيابة وتم اتهامه في قضية محددة، فلا خوف على حياته بعد الآن، إذ كان مصير آخرين هو الاختفاء القسري، ثم ظهور جثثهم بعد ذلك وادعاء السلطات أنهم كانوا مسلحين، وأن قوات الأمن اضطرت -آسفة- إلى قتلهم جميعا.

أيضا كان لافتا سعادة أهالي بعض المعتقلين، من خبر تحويل ذويهم إلى محاكمة عسكرية، وليست مدنية، رغم أن هذا الخبر كان قبل سنوات مدعاة للذعر والاحتجاج والغضب العارم

أيضا كان هناك خبر "سعيد" آخر، هو الحكم على أصدقاء معتقلين بالسجن لمدة 5 سنوات قبل نحو عامين، لأنهم كانوا قد قضوا 5 سنوات تحت الحبس الاحتياطي، ولذلك كانوا قاب قوسين أو أدنى من الإفراج عنهم، إذ لم يفصلهم عن الحرية سوى أشهر معدودة! وبالفعل أفرج عنهم بعد قضاء مدة العقوبة كاملة. وكذلك الحكم على معتقل آخر بالسجن لمدة عامين، رغم أنه بريء تماما، ورغم أنه تعرض للتعذيب الشديد أثناء اعتقاله، إلا أن الحكم عليه بعامين -فقط-!

كان خبرا سعيدا، في ظل الحكم على آخرين بالمؤبد، وحتى الإعدام، بعد توجيه اتهامات لهم أتفه بكثير من التي وجهت لذلك المعتقل. وقد ظهر ذلك بعدما كتبت زوجة ذلك المعتقل خبر الحكم على زوجها، إذ علقت زوجة معتقل آخر لا يزال يقضي سنوات في دوامة الحبس الاحتياطي دون أفق للخروج، لتهنئها على هذا الحكم "المخفف"! فيما أكد آخرون أنها مسألة أشهر وسيعود زوجها إليها بعد أشهر بإذن الله، إلا إذا كان للسلطات رأي آخر، وقررت إدخاله إلى قضية جديدة، لا قدر الله.

أيضا كان لافتا سعادة أهالي بعض المعتقلين، من خبر تحويل ذويهم إلى محاكمة عسكرية، وليست مدنية، رغم أن هذا الخبر كان قبل سنوات مدعاة للذعر والاحتجاج والغضب العارم. وقد فسر أحد المحامين تلك الفرحة، مؤكدا أن المحكمة العسكرية تستمع إلى مرافعات المحامين، وتسمح لهم باستجواب الشهود بحرية، وتفحص الأحراز والأدلة المقدمة من الادعاء، وتستجيب لطلبات الدفاع، وهي كلها أشياء لم تعد متوفرة في القضاء المدني منذ سنوات، إذ تصدر الأحكام القاسية، حتى ضد الأموات، مهما كانت الأدلة واهية والاتهامات غير منطقية، من قبيل اتهام المئات بقتل شخص واحد والحكم بإعدامهم جميعا، ومهما كانت تفاهة الاتهام، مثل الحكم بإعدام العشرات بتهمة قطع طريق! وغيرها من الأحكام الغرائبية التي حفل بها المشهد القضائي المصري في السنوات الأخيرة.

ومن يتابع أحوال المعتقلين في مصر، سيجد العديد من تلك الأخبار، منها مثلا: السماح بزيارة معتقل كان ممنوعا من الزيارة لعدة أعوام! نعم عدة أعوام وليس أسابيع أو أشهرا، فهناك الآلاف من المعتقلين الممنوعون من الزيارة منذ أكثر من 4 سنوات، حتى إن المتهمين باغتيال النائب العام، أعدموا بعد منعهم من رؤية أسرهم لعدة سنوات، ولم يسمحوا لأسرهم برؤيتهم إلا وهم جثث هامدة! ومن تلك الأخبار أيضا: نقل معتقل لسجن قريب من مكان إقامة أسرته، حتى لا تتكبد الأسرة عناء السفر إلى محافظة أخرى لرؤيته، ويا حبذا لو تم السماح بإدخال الأدوية والأغطية والأطعمة إلى المعتقل، حينها يصبح العيد عيدين!

وقد جمع الأستاذ "صلاح الدين مدني" عددا من تلك المآسي العبثية في منشور واحد يحكي فيه مأساة أسرته، فقد قتل نجله "أحمد" أثناء فض اعتصام رابعة، واعتقل نجلاه "ياسر" و"محمد" منذ أعوام. ويعيش في المنفى منذ ذلك الوقت مع زوجته، التي ذهبت إلى مصر لإجراء عدة عمليات جراحية، و"نجحت" في زيارة نجليها مرتين، رغم أن كلا منهما يقبع في سجن يبعد مئات الأميال عن الآخر، و"تمكنت" من الخروج من مصر والعودة إلى زوجها، دون أن يستوقفها أحد ويسحب جواز سفرها ويمنعها من السفر، مثلما حدث لأسر العديد من المطاردين في الخارج، ومثلما حدث مع أسرة أيمن عبد الغني. ولذلك كتب الأستاذ صلاح يحمد الله عز وجل على عودة زوجته.

لم تتوقف هذه النوعية من الأخبار عند حدود الاهتمام بالشأن المصري فقط، بل وجدنا لها أمثلة متعددة في دول عربية أخرى، وربما أبرز مثال لذلك حادث مقتل الصحافي الراحل جمال خاشقجي وتقطيع جثته في قنصلية بلاده، إذ تحدث البعض عن أن الخبر الجيد في تلك المأساة، أن الشهيد غالبا لم يشعر بالألم لوقت طويل، وأن الجريمة تمت بسرعة خاطفة، بحيث لم يشعر خاشقجي بتقطيع جسده إلى أشلاء! مستحضرين قول السيدة أسماء بنت أبي بكر "وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها"؟ كما استبشر آخرون بنتائج الجريمة، آملين أن تتمكن من إصلاح الأوضاع في السعودية قليلا، وتحقيق ما كان يدعو إليه ويأمل به الشهيد طويلا، لكن آمالهم خابت للأسف، بعدما تم إنقاذ المتهمين، وظلت باقي الأمور كما هي، إن لم تكن أسوأ، وبقي الخبر الجيد الوحيد في تلك الجريمة هو حدوثها بسرعة!

دلالات