كيف تحمي مناعتك من المهاويس؟

08 ابريل 2021
+ الخط -

أصبح من المألوف أن يمسك الناس في خناق بعضهم على الفيس بوك أو تويتر ليساعدهم ذلك على تنفيس مخزون الغضب وتزجية أوقات الحجر والعزل "والفضا"، ولذلك لم أستغرب حين شهدت في الأيام الأولى لانتشار فيروس كوفيد 19 على خناقة مشتعلة بين زميلي دراسة كنت قد حافظت على صلتي بأحدهما وفقدت صلتي بالآخر، وهو ما لم يكن يعرفه الزميل الذي احتفظت بصداقته حين أرسل يشكو لي من "صاحبنا سليط اللسان"، بعد أن قرأ له "بوستاً" لوذعياً يقول فيه إن فيروس كورونا المستجد ليس سوى لعبة أمريكية أنتجتها مختبرات المخابرات المركزية الأمريكية لكي تضرب اقتصاد الصين وتتخلص من إيران بالمرة، وأن حوادث الطرق والأنفلونزا العادية والفسيخ المسمم تقتل عدداً أكبر من الناس ومع ذلك لم تقم الدنيا من أجلها وتقعد.

لم يفوت صديقي حسن النية الموضوع، وقرر أن يكتب تعليقاً طويلاً عريضاً على كلام صديقنا يذكره بكونه رجلاً جامعياً متعلماً وعاملاً في الإعلام وهو ما يلقي عليه مسئولية خاصة تمنعه من قول كلام مرسل أو خاطئ، ثم حذره من الاستهانة بالمرض ومن نشر تخاريف لا علاقة لها بالعلم، وهو ما اعتبره الزميل المهووس بنظريات المؤامرة إهانة شخصية له، فقرر اتهام صديقنا الطيب بالعمالة لأمريكا خبط لزق، ثم تراجع في تعليق لاحق بعد أن لامه بعض أولاد الحلال، فقال إنه عميل لأمريكا حتى لو لم يكن يعرف ذلك لأنه في نهاية المطاف يقوم بنشر الإشاعات المؤيدة للأمريكان، والعميل المتطوع أخطر من العميل بأجر، لأنه يقوم بتوفير المصاريف للمخابرات المركزية الأمريكية، وحين لجأ لي صديقنا المندهش من الهجوم الشخصي عليه لكي أتدخل وأقنع زميلنا بالاعتذار له لكيلا يضطر لخسارته إلى الأبد، قلت له إنني كسبت خسارته من زمان، ونصحته بعدم حرق بنزينه المعنوي لأنه سيحتاجه بشدة ليس في السنة القادمة، وإنما فيما تبقى له من العمر المديد بإذن الله، ولو أن حكاية العمر المديد هذه أصبحت مسألة فيها نظر بعد كل ما نعانيه هذه الأيام من ضربات تستهدف المناطق القابلة للانفجار في أجسادنا وأرواحنا.

في منتصف عام 2020 وحين تفاقم انتشار فيروس كوفيد 19 اللعين في أمريكا ووصلت حالات الوفيات في المدن الأمريكي إلى أرقام قياسية، وزاد تأثير الفيروس على الاقتصاد الأمريكي بشكل خطير، أرسل لي صديقنا الذي لا زال مجروحاً من إهانته، وقال إنه يفكر في الدخول على حساب زميلنا سليط اللسان لكي يفحمه بكلام ناري مصحوب بالتاج أو المنشن، ويطلب منه الاعتذار عن ما وجهه له من إهانات وعن نشره لكلام غير علمي ومضلل، فقلت له إنني لا أنصحه بذلك، وأنه حتى لو فعل ذلك فإنه لن يتلقى أي اعتذار، بل سيواجه المزيد من البجاحة والإنكار، وأن زميلنا سيقول له كلاماً من نوعية "هذه بضاعتهم ردت إليهم والمؤامرة خرجت من أيدي الأمريكان مثلما حدث من قبل لمؤامرة دعم الإرهاب الإسلامي وغيرها من المؤامرات التي تؤكد أن بلادنا محفوظة وكاملة الدسم بعكس بلاد الفرنجة التي لم يحرسها الله بالأولياء والقديسين".

ذكرني هذا الموقف بتعبير ساخر للكاتب الكبير جورج أورويل كان يصف فيه الكتب التي يحبها بأنها الكتب التي تقول لك ما كنت تعرفه بالفعل

بعد أقل من ساعة عاد صديقي الطيب ليقول لي إن ما قلته هو ما حدث بحذافيره ومع إضافة المزيد من الكلمات الإنشائية، مستغرباً قدرتي على قراءة شخصية زميلنا بشكل دقيق، فقلت له إن الأمر ليس فيه قراءة دقيقة ولا يحزنون، وكل ما هنالك أنني كنت قد خضت معه تجربة أليمة، حين ألغيت صداقته على الفيس بوك بعد هوجة "عبد العاطي صائد الفيروسات" التي وقعت في مطلع 2014، بعد أن كتب يقول إن المخابرات المصرية لا بد أن تحمي الدجال الذي ادعى اختراعه لجهاز يقوم بعلاج كل الفيروسات الخطيرة ويحولها إلى بروتين، وهو ما أصبح شهيراً بجهاز الكفتة، مصمماً على إنكار كل من انتقدوا الجهاز أو طالبوا بالتريث قبل دعمه من قيادة الجيش المصري لكيلا يحدث رد فعل عكسي بعد ثبوت فشله، وحين ثبت ذلك الفشل بالفعل، لم يتراجع زميلنا الذي درس الإعلام معنا وتفوق فيه، بل أعلن أنه يثق في القيادة السياسية والعسكرية ولذلك فهو متأكد أنها طالما انحازت للواء عبد العاطي فأن لديها ما لا تحب إعلانه للعامة.

وحين بدأ صديقنا بعد جلاء معالم الفضيحة يهلفط بكلام من نوعية "ستتضح الرؤية وتنكشف الأقنعة وتسقط الألبسة ويخسأ الخاسئون"، وأصبحت ردود أفعاله أكثر إزعاجاً وعدائية، قررت إلغاء صداقته الافتراضية حفاظاً على ما تبقى من مودة قديمة، ولذلك توقعت أن يواصل التشبث بالجهل والتمسك بالخرافات حتى النهاية، ليس لأنه منحاز للجهل والخرافات، بل لأن ما لديه من تصورات عن وجود أجهزة راسية وفاهمة يريحه ويساعده على النوم مطمئناً إلى أنه يعيش في دولة شامخة قوية يحكمها ناس على دراية تامة بما يفعلونه في كل الملفات، ولذلك يرد بعدائية على كل من يحاول مناقشته في ذلك التصور، ويحاول أن يثبت له أن من يحكمون البلاد ربما يكونون بارعين في الجباية والقمع وتستيف المسائل، لكنهم ليسوا بارعين في ملفات أشد خطورة وأهمية لمستقبل البلد.

ذكرني هذا الموقف بتعبير ساخر للكاتب الكبير جورج أورويل كان يصف فيه الكتب التي يحبها بأنها الكتب التي تقول لك ما كنت تعرفه بالفعل، وهو تعبير يلخص في ظني علاقة كثير من البشر بالمعرفة خصوصاً في شكلها اليومي والآني الموجود في الصحف والمواقع الإخبارية، حيث أصبح عنوان الرابط الخاص بالخبر كافياً لعمل مناحة أو حفلة أو فرح قبل أن تدخل لقراءته، وحيث أصبح من المألوف كلما وجدت من يكتب رأياً فسائي النزعة أن تجد كثيرين يقولون له: "يا سلام عليك قلت اللي في لساني.. كنت عايز أقول كده من الصبح"، وما يشبه ذلك النوع من التعبيرات والآراء التي لا يمكن التحكم فيها ولا يمكن تصور اختفائها إلى الأبد، ومع أن هذه الطريقة في التعبير مرتبطة بطبيعة مواقع التواصل الاجتماعي التي تقوم بشكل رئيسي على تبادل وتصدير الانطباعات والانفعالات والآراء غير المخبوزة، والتي يحاول البعض أن يصطادوها لبعضهم الآخر، ويتخذوا منها ذريعة للقضاء عليهم وإسكات أصواتهم إلى الأبد، إلا أن الانغماس في متابعة هذا كله والاشتباك معه يمكن أن تكون له آثار فتاكة على الصحة والعق والسلامة النفسية.

كنت قد قرأت في كتاب (الأوبئة والتاريخ) الذي ألفه شيلدون واتس وترجمه أحمد محمود عبد الجواد أن فكرة لبس الكمامات والأقنعة خلال انتشار الأوبئة بدأت خلال أصعب طاعون شهدته إيطاليا في القرن الخامس عشر، حين ساد اعتقاد أن المصابين بالمرض ينتج عنهم أبخرة سامة تصيب الآخرين بالمرض حتى وإن كان بينك وبينهم مسافة، ومن هنا جاءت فكرة لبس الأقنعة للوقاية من الأبخرة السامة، ثم تطورت المسألة إلى فكرة الكمامات التي ينصح الخبراء بضرورة إحكام ارتدائها والحذر حين خلعها لكي تحدث التأثير الإيجابي المأمول منها، وحين فكرت في طريقة التعامل مع الأبخرة السامة التي تحدثها البوستات والتغريدات التي تنشر الخرافات والمؤامرات والإشاعات والآراء التكفيرية والتخوينية، فكرت أن المعادل الموضوعي للكمامة سيكون اللجوء الحاسم إلى "البلوك والريبورت"، لأن محاولة إقناع ناشري هذه الآراء الانفعالية بالمنطق والحجة قد يؤدي إلى التورط معهم بشكل سيكون له تأثير خطير على الصحة النفسية والمناعة، ولذلك قد يكون المنع من المنبع أفضل لجهاز المناعة النفسية، حتى وإن كان ذلك يقتصر على العالم الافتراضي الذي أصبح يؤثر على عالمنا الواقعي بصورة وبائية.

جيب العواقب سليمة يا رب.