كيف أنتجنا أزمة القيم في المغرب؟

20 مايو 2025   |  آخر تحديث: 20:45 (توقيت القدس)
+ الخط -

نشهد في المغرب تنامي أزمة جديدة، استفحلت وأصبح من الصعب تجاهلها، خصوصاً أنها مرتبطة بالإنسان والمجتمع، إنّها أزمة القيم والأخلاق. وهنا لا أتكلّم عن القيم والأخلاق بمفهومهما الديني الضيّق، وإنما في بعدهما الفلسفي والكوني.

مؤخراً، تابعنا، ونحن تحت تأثير الصدمة، خبر وفاة أستاذة إثر الاعتداء عليها من أحد تلاميذها بآلة حادة. وقبل هذه الحادثة، كنّا نُصدم باستمرار إثر مشاهدة مقاطع مصوّرة ليافعين وشباب يقومون بأعمال تخريب، أو سرقة، أو بلطجة في الفضاء العام، أو تجاه مواطنين، وأحياناً رجال أمن. وقبل ذلك، فُوجِئنا برؤية مراهقين دون سنِّ العشرين يتحرَّشون وينتهكون حرمة جسد فتاة جماعياً، في أحد شوارع طنجة المظلمة، وهذه ليست الحالة الأولى من نوعها.

وفي الآونة نفسها، انتهى تهجّم جماعي لتلاميذ على زميلهم في الدراسة بوفاته. بينما نجد آخرين يموتون بالعشرات، إثر استعراضهم في الشوارع بالدراجات النارية، غير مكترثين لسلامتهم وحياة الآخرين. وبالنظر إلى كّل هذا، نطرح السؤال التالي: ما الذي حدث للقيم في هذا البلد؟ وهل لنا كمؤسّسات، ومجتمع، وأسر دور في أزمة القيم هذه؟ الجواب، ومن دون تردّد: نعم.

يمكن القول إنّنا ساهمنا جميعاً في هذه الأزمة، ومَن لم يلعب دوراً مباشراً، ساهم صمته في نموِّها. وبصفتي مُدرّساً، أتفاجأ من كمّ الكلام الرديء الذي يأتي على مسامعي من تلاميذ وتلميذات، داخل مؤسّسة من المفترض أن تكون الراعي الأساسي لهذه القيم، وكلَّما صادفت حادثاً مماثلاً، أجد نفسي أتساءل عن دور الأسرة أيضاً، التي على عاتقها تقع مسؤولية التربية.

فقدت الأسرة دورها التربوي، وانحصر في توفير لقمة العيش

هذا الجسد الجوهري داخل المجتمع جرى تهميشه، وتجهيله، وتفكيكه، وتفقيره بأشدّ الطرق حتى فقدت الأسرة دورها التربوي، وانحصر في توفير لقمة العيش في مجتمع متغيّر قيميّاً نحو الانفرادية وسيطرة الأوليغارشية. ومن جهة أخرى، أنهك التفكّك الأسري، وحالات الانفصال، وكذلك بعض المخطّطات الرسمية "الحداثية" كاهل الأسرة النووية، وأفقدها دورها التربوي.

وبعد الأسرة، يأتي دور المدرسة العمومية، التي جرر تدميرها على نحوٍ ممنهج، ما أفقدها دورها المعرفي والتربوي معاً. فالمدرسة المغربية، أولاً؛ ضحية لتراكم برامج إصلاحية فاشلة، معظمها مستورد من الخارج، منذ الاستقلال، كما أنّ استمرار الأزمة منذ ذلك الحين، يؤكّد أنه ليس للسلطة في البلاد أيَّ نيَّة لإصلاح المنظومة، إذ إنّ وعي المجتمع لا يخدم مصالحها. فالمتحكِّمون في شؤون هذا البلد يُدرِّسون أبناءهم في المدارس الخاصة ومدارس البعثات، وعندما يتخرّج أبناؤهم، يرِثون مناصب آبائِهم وسلطتهم. ولهذا، لا يشعرون بأيّ غيرة على الوضع المُزري الذي آلت إليه المدرسة العمومية.

وعندما نتكلّم عن انتشار العنف في المدرسة العمومية، علينا أن نشير إلى أنّ الأجهزة الأمنية للدولة كانت سبّاقة إلى تعنيف وضرب نساء ورجال التعليم أثناء ممارستهم لحقهم في الاحتجاج والتظاهر، لهذا، ماذا كنّا نتوقَّع من مراهقين "غير مرئيين" مجتمعياً، ومُهمَلين أسريّاً، يمرون من مرحلة التمرّد على كلّ هو ما هو مرسوم، في فترة جُرِّدت فيها المدرسة من دورها التأديبي تجاه أيّ مُخالف لقوانينها الداخلية؟

المتحكِّمون في شؤون البلد يُدرِّسون أبناءهم في المدارس الخاصة ومدارس البعثات، وعندما يتخرج أبناؤهم، يرثون مناصب آبائِهم وسلطتهم

وبعد المدرسة، علينا أن نتكلَّم عن دور الإعلام الذي لم يعد وفِيّاً لدوره، رغم أنه مموَّل من أموال دافعي الضرائب. فبدل أن يكون فضاءً تنويريّاً و توعوياً، يؤطّر ويخلق نقاشاً عمومياً، أصبح مرتعاً لبرامج تحرّض على العنف بشتى أشكاله المادية والرمزية. فبدل أن يكون المدرسة الثانية لشعب تنخره الأميّة، أضحى مرتعاً للبلطجية، والعنف، والتفاهة كذلك. وهنا نتكلَّم عن إعلام ضخم، لكن من دون برنامج توعوي وتعليمي هادف واحد يُبثُّ بانتظام. وبدلاً من ذلك، أصبح مليئاً ببرامج ساقطة ومسلسلات مستوردة من الخارج ومدبلجة إلى العامية المغربية، ولا تحمل أيّ حمولة ثقافية أو قيمية ذات علاقة بالمغرب وتراثه وقوانينه، وإذا قلنا إنّ المسؤولين عن هذه القنوات غير واعين بهذا، فسيكون ذلك ضرباً من الغباء.

وفي شهر رمضان، شهر التعبّد والرحمة، جرى ملء القنوات الرسمية حتى التّخمة بأفلام ومسلسلات رديئة تحتفي بالتفاهة والعنف والبلطجة كذلك، كلّ هذا يحدث مباشرة أثناء اجتماع الأسرة أمام شاشة التلفاز على مائدة الإفطار.

لكن عموماً، جيل الألفية وما بعدها لا يشاهد التلفاز، خصوصاً بعدما أصبح المشهد الإعلامي الحالي يحتكم لمنطق أوليغارشي قام بتوحيد جميع القنوات الرسمية على سياسة وخط تحريري موحّد يكتفي، بدور التواصل لصالح الطبقات السياسية الحاكمة لا غير.

لهذا يلجأ هذا الجيل إلى الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي، وهي فضاءات بلا قيود في مجتمع كلّه خطوط حمراء. لكن هذه الوسائط أصبحت بدورها مرآة لمجتمع مكسّر جرى تغييب دور الأسرة والمدرسة والإعلام فيه. وكنتيجة مباشرة لذلك، أصبحت مرتعاً لأشخاص يبحثون عن النجاح والشهرة، وأحياناً المال بشتى الطرق، حتى لو استلزم الأمر تحقيق هذا بطريقة غير شرعية تغيب فيها القيم، وأصبح "المؤثرون" الجدد القدوةَ الجديدة لهذا الجيل؛ لا يُتابِعُهم فحسب، بل يستهلك نمط عيشهم، وقيمهم وسلوكهم.

أصبح المؤثرون الجدد القدوة الجديدة لهذا الجيل؛ لا يُتابِعُهم فحسب، بل يستهلك نمط عيشهم، وقيمهم وسلوكهم

بهذا يمكن تفسير تحقير وتبخيس قيمة العمل والمدرسة والالتزام من هذا الجيل. بالنسبة لهم، لم تعد الدراسة تؤدي إلى نمط العيش الذي يطمحون إليه ويرون عليه قدوتهم الجديدة، وحتى لو كان هذا النمط مبنيّاً على الخداع والانتهازية المطلقة. ونظراً إلى أنّ هذا الجيل يحتك مع العوالم الرقمية منذ الصغر، هل يمكن الجزم أننا ضيّعنا جيلاً بأكمله، لأنّ طبع الإنسان يتشكّل في سنواته الأولى؟

إشكالية أزمة القيم في المغرب أنها مُجسّدة في السلطة والمجتمع ككل أولاً، إذ لا يمكن للقيم أن تزدهر في مجتمع مبني على تناقضات؛ مجتمع يدَّعي أنه إسلامي، لكنّه غارق في الفساد، ويدَّعي أنه بلد الاستثناءات والديمقراطية، في حين يسوده الاستبداد واستعمال فجّ للسلطة تجاه أيّ شخص يطالب بالحرية، الكرامة والعدالة الاجتماعية، ولو عبر تدوينة من سطرَين. وهذا يفسّر قيام يافعين، معظمهم دون سن الرشد، بـ "الهروب الكبير" نحو أوروبا، إذ لا يرون إمكانية تحقيق أبسط أحلامهم أو ضمان كرامتهم في ظلّ بلد تحكمه ممارسات الريع، والقمع، والأوليغارشية التي لا تُحاسَب أو تُعاتَب.

ثم، هل يُعقل أن نُحاسِب مواطناً عادياً، ومن يتحكّم بمصيره في مناصب السلطة قد وصل بالمال، والوساطة، والريع؟ إذ إنّ هناك من هو متابع في قضايا فساد وتبذير المال العام، لكن لا يُحاسب، أو تتنافى عقوبته مع مبدأ المحاسبة وفق المسؤولية، وعندما لا تُطبَّق سلطة القانون على الأشخاص في أعلى الهرم، يرى من أسفله خرق هذا القانون تمرّداً لا تجاوزاً.

وللسلطة العليا وهياكلها، المعروفة والسرية، في هذا البلد دور مباشر في أزمة القيم، إذ إنّها تتحكّم في سير المجتمع كمن يحرّك الشخصيات في مسرح الدمى. فجرى حالياً القضاء على الأحزاب السياسية، ويجري باستمرار التضييق على المبادرات الفردية والمدنية التي تحاول خلق نقاش عمومي يسمو بالفرد ويرتقي به إلى درجة إنسان، مواطن وفاعل داخل مجتمعه.

جرى القضاء على الأحزاب السياسية، ويجري باستمرار التضييق على المبادرات الفردية والمدنية التي تحاول خلق نقاش عمومي

وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما كانت الأحزاب والهيئات اليسارية قوّية بفكرها وأيديولوجيتها وتأثير وجوهها، جرى استيراد الفكر السلفي الوهابي وتخصيب الإسلام السياسي في المغرب، ما ساهم في إحباط المشروع اليساري بعدما جرى تشويه صورته وحصرها في الزندقة والإلحاد و"العدمية"، وبعد أن أصبح للإسلاميين باعٌ في المغرب، حُوربوا أيضاً بعد أن أصبح زخمهم يزاحم القوى التي تحتكر السلطة الدينية في المغرب، فجرت مواجهتهم باسم محاربة التطرّف والإرهاب، المعضلة في هذا أنّ البنية السياسية الحالية لم تفكّر في بديل مبيٍّ على سلطة العقل والقانون والعلم، فتركت فراغاً مهولاً أثّر على المجتمع بأكمله.

وبهذا أصبح المسجد، مثلاً، من دون تأثير معقول على محيطه، إذ إنّه من الغريب أنّه لكلّ حي مسجده، ومع ذلك استفحلت أزمة القيم. فمساجد اليوم خُطفت منها حرمتها بعدما جرى التضييق عليها إلى حدّ توحيد خطبة الجمعة لكي لا تخرج زلّة لسان خطيب على سمفونية الجوقة. وكنتيجة مباشرة، أصبح المسجد، بصفته مؤسّسةً دينية، مجرّد ماكينة أيديولوجية تتماشى مع هوى السياسة؛ تُستعمل تارة لمحاربة اليسار والعلمانيين الديمقراطيين، وتارة أخرى يحارَب بها "المتطرفون" في حقبة الحرب على الإرهاب وزمن التطبيع.

وفي نفس السياق، جرت محاربة الجامعة وتطهيرها من أيّ فكر قد يهدّد توازن القوى في المغرب، إذ يجب ألّا ننسى أنه حُظر تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية في عهد الحكم السابق. لهذا، لم تعد الجامعة اليوم تنتج أو تؤطّر لفكر أو أي دينامية مجتمعية كيفما كانت. بل أحياناً أصبحت تُبادر لقمع مبادرات طلابية. وفتور الجامعة هذا جعل صوت الجنون والتفاهة صاخباً، بينما ظلّ صوت العقل خافتاً ولا ينصت له أحد، خصوصاً أنّ للجنون أبواقه الرسمية وغير الرسمية التي لا تصمت.

وفي غياب دور الأسرة و المدرسة، والمسجد والجامعة، والإعلام والمؤسّسات الرسمية، يصير الشارع هو مصدر القيم والحاضن لقيم مُشوَّهة تنخر وتقتل المجتمع من الداخل وببطء. لأنّ الفقر، عندما يجتمع بالمعرفة يخلق الأنوار، بينما اجتماعه بالجهل يخلق البلطجية. 

وهنا أستحضر مقطعاً جميلاً من أغنية لـ"ناس الغيوان" يقول: "ما همّوني غير الرجال إذا ضاعوا، أمّا الحيوط إلّى رابو كلها يبني دار"، ما يثبت أنّ كنز كلّ مجتمع هو الإنسان لا موارده، وإذا فسدت قيم هذا الإنسان سقط، كما أنّ منظومة القيم مهمة لأنها تؤطّر علاقة الفرد بنفسه وبغيره، سواء كان فرداً، مجتمعاً أو سلطة، ومجتمع بدون قيم هو بالضرورة مجتمع مريض ويحتضر ولا يتعافى أو يتجدّد.

محمد المطماري
محمد المطماري
مدوّن مغربي حاصل على الإجازة والماجستير في الأدب الإنكليزي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد المالك السعدي بمرتيل، المغرب. يعبّر عن نفسه بقول للشاعر الفلسطيني محمود درويش: "إنَّ الهوية بنتُ الولادة لكنها في النهاية إبداعُ صاحبها، لا وراثة ماضٍ".