كنت هنا... أيذكرني أحدكم؟

11 مايو 2025   |  آخر تحديث: 18:15 (توقيت القدس)
+ الخط -

أذعنت الأرض لمطر خفيف فجر هذا اليوم، ففاحت رائحة عذبة من التربة صعد شذاها الرقيق إلى قلبي. كنت أستعد لمغادرة الشقة حين بدأت معالم الصباح تتضح أكثر، وبينما أبحث عن مفاتيح البيت انتبهت إلى الجريدة الملقاة على الطاولة؛ جريدة يوم أمس. وتذكرت أنني لم أقرأها.. لأني لا أقرأ الأخبار في العطل. لطالما تساءلت عن جدوى معرفة كل شيء يحدث في العالم؛ ألسنا مصممين لنعيش داخل تجمعات صغيرة، أليس كثيرًا على كتفيَّ الصغيرة أن تحمل هموم كوكب بأكمله؟ لكن خاطرًا آخر هجس في ذهني ففتحتها، وفي الصفحة ما قبل الأخيرة، وقعت عيناي على نص صغير، كُتب على جنب:

في هذا اليوم، توفيت الأستاذة نوال حداد، لروحها الرحمة.

عقدت حاجبيَّ، وظننت أني لم أفهم جيدًا فأعدت القراءة. مرة ثانية، وثالثة، والنص هو نفسه، ولسان حاله يقول ما قاله في المرة الأولى. هل يعقل أن تكون شخصًا آخر؟ اتصلت بالجريدة مستفسرة عن الموضوع، لكن الموظف الذي بدا مستاءً من اتصالي قال: سيدتي، ليس هناك أي خطأ، الأستاذة نوال توفت البارحة وأنا نفسي حضرت الجنازة. ثم أغلق الخط في وجهي قبل أن يتسنى لي أن أسأله: هل نوال التي يتحدث عنها هي أنا؟

لم أجد بدًا من أن أركب سيارتي وأذهب لأستعلم عن الأمر. حين وصلت لم يظهر لي أي أثر لحادث غير معهود، فظننت أنها مزحة سخيفة أو أحد أحلام اليقظة التي ما تنفك تراودني. دخلت على رئيس التحرير في مكتبه، فلم يبذل جهدًا لينظر إلي، وحين أخبرته أنني أحضرت المقال الذي كان قد طلبه مني رفع عينيه إلي متسائلًا، فأوضحت له أي مقال أقصد. إذ ذاك نهض بحركة واحدة وانتزعه من يدي، ثم سألني وهو ينظر فيه: هل أنت قريبة نوال؟ لكني قبل أن أجيب، أردف: على كل حال، أشكركِ جدًّا على إحضاركِ المقال رغم الظروف التي تمرون بها، تعازيَّ الحارة مجددًا. ثم قادني دون أن أنتبه إلى الباب وأغلقه ورائي، وأنا لم أزل على حالي، صامتة ومتفاجئة، ولا أعرف حتى فيما عليَّ أن أفكر بالتحديد.

خارج المبنى قابلت حارس البوابة، رجل طيب، يعمل هناك منذ زمن طويل لم يفلح أحد منا في تقديره. مضيت نحوه وأنا أقول في نفسي أنه لو اتفق الجميع على أن يضلوني ما أضلني هو. ناديت عليه، فاستدار رافعًا قبعته كما اعتاد أن يفعل، وابتسم لي فبث في صدري إحساسًا بالراحة، وسألني: كيف يمكنني أن أساعد السيدة؟ واستغربت لعدم مناداته لي بالسيدة من قبل، لكني من حفاوته لم أتوقف عند الأمر. فقلت له: على الأقل أنت تعرفت عليّ. نظر إلي طويلًا ثم أجاب: أخشى أنني لم أفعل هذا، فهل نعرف بعضنا يا سيدتي؟ هز رأسي دوار خفيف، وجالت عيناي دون وجهة في المكان الذي كنت واقفة فيه، دون شك لم أخطئ، هو المكان ذاته الذي أعمل فيه منذ ثلاث سنوات حتى الآن. علا وجه الرجل قلق من شرودي فأعاد سؤاله: أخبريني، هل أعرفكِ؟ تمتمت: نوال حداد. اغتم الرجل وقال لي: آه المرأة المسكينة ماتت البارحة. هل أنت قريبتها، أرى شبهًا طفيفًا بينكما؟ ذهلت وشعرت بأن رأسي دار مرتين: أشبهها! لكن أولست أنا هي، أو ليست هي أنا؟

لا يمكن للشخص أن يكون حيًّا وميتًا في الوقت ذاته، ما يعني أنني إما حية وإما ميتة؛ لا شيء في داخلي يوحي بأنني ميتة

تركت الرجل في مكانه، ومضيت سريعًا نحو سيارتي ثم قدتها دون أن أعرف وجهتي. بمن أستنجد في هذه الحالة؟ ليس لي أحد في هذه المدينة الكبيرة إلا أهل هذه الصحيفة. ثم خطر لي: ربما يعرفني أحد من جيراني في العمارة، فاتجهت هناك فورًا، وترددت لحظة أمام الباب، إذ لم يسبق لنا أن تحدثنا أبدًا. لكنهم رأوني ورأيتهم، وسيتعرفون إلي لا محالة. لكن ماذا أقول لهم: هل رأيتم هذا الوجه من قبل؟ هل أبدو مألوفة بالنسبة إليكم؟ إلهي لو قلت هذا لاعتقدوا أنني مجنونة. آه لكن الوجه! وانتبهت إلى أنني لم أر اليوم وجهي في المرآة، أيعقل أن يكون قد تغير بحيث ما عاد الناس يستطيعون التعرف علي؟ نزلت الدرج سريعًا وعدت لشقتي، وركضت رأسًا إلى المرآة في غرفتي ووقفت قبالتها، وتحسست وجهي أمامها وقربته وأبعدته لكني لم ألحظ شيئًا. هذا الوجه لي، عيناي في مكانهما غائرتان، ذابلتان. وتحسست جسدي فلم أشعر فيه بما يوحي بأنني لست أنا، حتى الشامة تحت سرتي لا تزال في مكانها. هل هذه التي يدعون أنها ميتة هي نفسها أنا؟ نحن نمتلك الاسم ذاته، ونعمل في المكان نفسه، ونملك الغرفة ذاتها والجسد ذاته، وإدراكًا متطابقًا بوجودنا. لكن لا يمكن للشخص أن يكون حيًّا وميتًا في الوقت ذاته، ما يعني أنني إما حية وإما ميتة؛ لا شيء في داخلي يوحي بأنني ميتة، جسدي لا يزال يغلي من حرارة دمه، وقلبي الصغير لا يزال من حساسيته ينظر إلى الأرض فيرى القصيدة. ولا شيء في الخارج يوحي بأنني حيّة. الناس الذين أعرفهم ينظرون بملء أعينهم في وجهي، وينكرون علي مع ذلك، مأزق الوجود.

لعل هذا هو ما يبدو عليه الموت، قد أكون ميتة فعلًا، وقد يكون كل ميت قد عاش مثل هذه اللحظات العصيبة التي أعيشها اليوم. قد يكون شخص آخر قد استيقظ في مثل هذا الصباح العادي ليجد نفسه خارج الدائرة. ربما قيل له هو أيضًا في وجهه أنه ميت، وقد أكون أنا نفسي من فعل هذا. وتذكرت الرجل العجوز الذي قال لي ذات يوم إنه جدي، فرفعت إليه عينيّ وقد كنت ألهو، قائلة: لا يمكن هذا، فجدي قد مات. وتذكرت كيف ذوى الرجل بعيدًا، متعثر الخطا، ولم أره بعدها أبدًا. إنني أنا من قتلت جدي في ذلك اليوم. وذكرت أهلي في الريف البعيد؛ هل يعرفون هم أيضًا أنني ميتة؟ لا أحد هنا يعرف عنوانهم، فلن يخبرهم أحد، وإن لم تنتقل إليهم إشاعة موتي فسيتعرفون علي. إذ ذاك جمعت حقائبي على عجل، ثم ألقيت بها وبي في السيارة وغادرت مسرعة.

عشت حياتي دون أن أدرك ترتيب أولوياتي. لم أعرف أبدًا ما الذي يأتي أولًا، وما الذي يأتي بعده. وفوتّ علي فرصًا كثيرة كانت لتقدم لي أسبابًا جيدة لتبرير وجودي، لكن ما لم أحسب حسابه حقًا هو أن أفوّت جنازتي. ثم رحت أفكر في النص الصغير الذي قرأته اليوم في الجريدة؛ أهذا هو كل ما يحصل عليه الإنسان حين يموت، إعلان أكثر منه مرثية؟ ثم تأملت في الشرخ الكبير الذي أحدثه في نفسي خبر وفاتي: لقد عشت طوال هذه المدة مع نوال، واعتقدت أننا نحيا معًا، وأننا إذ نموت سنموت معًا. لكن يبدو أن الإنسان في مرحلة ما، يقع في تناقض شديد بينه وبين نفسه، حتى يصل في الأخير إلى العيش تحت ظل الكثير من اللايقينيات. لعل قوة المرء وذكاءه يتمثلان في قدرته على تدبير هذا التناقض، على أنه حالة دائمة وليس عارضًا زائلًا، وعلى التحكم فيه لئلا ينتهي في الأخير إلى تمزيق الروح التي تحمله.

بعد يوم ونصف من السفر، أطلّت علي قريتي من بعيد، فارتعشت حين هيمنت عليها من على التل. كل شيء يبدو جميلًا حين تنظر إليه من هذا العلو، لا عجب إذًا ألا يشعر بالمأساة من ينظر إليها وإلينا من فوق. حين وقفت على أعتاب القرية، صعدت إلى قلبي ذكرى صغيرة موجزة، ولم أكد أمسك بها حتى وجدت الأطفال وقد التفوا حولي، واقتادتني قدماي تحت أنظار الناس نحو البيت؛ بيتي. لكن قدميّ شلتا حين رأيت والدتي واقفة تناظرني من بين النساء هي الأخرى، وحين لم تبد أي ردة فعل تعرق جبيني وانعقد لساني، فبقيت في مكاني أنتظر أن ينتشلني أحد من جمودي، أنتظر أن يناديني أحد باسمي، وعبثًا أملت فيما لا أمل فيه. وفي غمرة اضطرابي هذه لمحت والدي واقفًا فنحوت نحوه، ولما وقفت قبالته ابتلع ريقه وسألني: هل لديك أخبار عن نوال؟ وكدت أقع لولا أن أعانتني يده. يبدو أن الإنسان حين يموت يصير ميتًا في كل بقاع العالم، ولا يعود أحد، حتى أهله، للتعرف عليه. حين نظرت إليه مجددًا من تحت الغمامة التي غطت عينيّ، كان وجهه قد أصبح شاحبًا، وتحت إلحاح نظرته وجدتني أقول: لقد ماتت نوال حداد، يوم الخميس الماضي. ثم تركتهم مرتاعين للخبر، وجررت مأساتي الصغيرة معي نحو الجنوب.

حين تبدأ القرية في الاختفاء وراء الجبل، يظهر مرج واسع لا تحده العين؛ هنا حيث اعتدت أن أركض حين كنت أصغر سنًا، هنا حيث اعتدت أن أعلق طمأنينة القلب وأدفن غصته. جررت أغراضي معي وركضت، كما في الأيام الخوالي، نحو شجرة الزيتون. إذ ذاك خطر لي أنني هنا يجب أن أموت حقًا. في البقعة الوحيدة التي ما أزال حية فيها، وفي المكان الوحيد الذي تعرف إلي ما إن وطأت أرضه، وتحت شجرة الزيتون الظليلة حفرت قبري ودفنت قامتي فيه: وداعًا أيها المرج الأخضر، غدًا حين أنمو وأزهر سأصير أنا أيضًا مثلك مرجًا جميلًا.