كل إنسان دمه على أمه

كل إنسان دمه على أمه

29 سبتمبر 2021
+ الخط -

(الجزء الرابع من حكاية المعلم أبو أحمد ورحلته التراجيكوميدية)

أذهلني الأخ أبو أحمد الذي اتصل بي من ربوع إدلب "الخضراء" -التي تنتمي جغرافياً إلى سورية "العظيمة"- بتفاصيل رحلته من إدلب إلى حماه، وقد أقدم عليها من أجل تحصيل رواتبه من مديرية التربية في حماه التي تتبع لنظام ابن حافظ الأسد.

أوضح لي أن ذلك حصل قبل أن تغلق حكومة الرجل الغريب (الجولاني) المعابر بشكل نهائي، وتمنع دخول أو خروج أي إنسان إلا عن طريق المهربين، بـ700 دولار على الرأس الواحد، وقال إن تشكيلة الحواجز الأمنية التي تقوم بتشليح المواطنين، المنتشرة على طول الطريق بين هاتين المدينتين الصابرتين، لا يمكن أن يوجد مثلها في أي مكان في العالم عبر العصور.

قلت له: خذني بحنانك يا أبو أحمد.. أرجو أن تضع في حسبانك أنني سأكتب هذه الحكايات والتفاصيل في مدونتي "إمتاع ومؤانسة"، لذلك يهمني ترتيب الأحداث على نحو منطقي..

قال: حاضر. يا سيدي الكريم؛ عندما يُقدم الإنسان الذكي على السفر إلى حماه من أجل قبض راتبه، يجب عليه أن يضع مخططاً أمنياً لرحلته خالياً من أي خطأ. لا تقل لي إن المسافر إنسان، والإنسان يخطئ، وعلينا أن نسامحه.. هذا الحكي يقال في الأحوال الطبيعية، لكن، أنْ تخطئ وأنت تواجه رجالاً بهائم، وحقيرين، ومدججين بالسلاح، ومعهم إذن بقتل مَن يشاؤون، شيء خطير قد تدفع حياتك مقابله، ثم لا يحق لأحد أن يطالب بدمك. المهم، أنا وضعت المخطط الأمني المطلوب، وأخذت كافة الاحتياطات اللازمة، وودعت أولادي، وطلبت من أم أحمد السماح، وسافرت.

قلت: رويدك. حدثني عن "المخطط الأمني" أولاً، إذا سمحت.

قال: يجب عليك، قبل كل شيء، أن تعيد موبايلك إلى وضعية "ضبط المصنع"، أي أن تحذف منه سجل المكالمات، والرسائل، والصور، والفيديوهات، والتسجيلات الصوتية، وحتى جهات الاتصال، لأنك لا تعرف أي هذه الأشياء يغيظ جماعة النظام المجرم، وأيها يسبب غضباً لسلطة الأمر الواقع في المناطق الأخرى..

قال أبو خليل: أخي، من الآخر، أجرة الراكب من إدلب إلى حماه خمسة آلاف ليرة، وبالنسبة للحواجز أنتم أحرار

قلت: طالما أن الأمر بهذه الخطورة، لماذا لا يُتْرَك المسافر موبايله في البيت؟

قال أبو أحمد: لأنه الموبايل يلزم. صحيح أنه ممسوح (ومفرمت) لكن إذا احتاج المرء للاتصال بأحد يستخرج من ذاكرته رقماً يحفظه، يتصل به، وبمجرد ما ينتهي يجب أن يمحو الرقم وإشعار المكالمة... المهم بقى سيدي؛ عندما تخوض غمار هذه السفرة، إياك ثم إياك أن تحمل في جيبك، أو في حقيبة يدك ورقة عليها معلومات، أو أرقام هواتف، أو عناوين إيميل، وحتى ثياباً داخلية، يجدر بك أن تفتشها جيداً قبل ارتدائها، خشية أن يكون قد علق بها شيء يغيظ أحداً. لا تنس أنك سوري يا أستاذ!

قلت: عظيم. بما أنك محتاط إلى هذه الدرجة، يمكنك أن تسافر إلى حماه، وتقبض مستحقاتك، وتعود إلى إدلب، بسهولة.

قال: أنا كنت أعتقد بذلك ولكن.. دعني أحك لك ما جرى معنا، وأنت ستستنتج أنها ليست بهذه السهولة.

قلت: والله أحسن. تفضل.

قال: قبل أن نصعد إلى الميكروباص، جمعنا السائق "أبو خليل" أمامه على هيئة مستطيل ينقصه ضلع، ووقف في الوسط كما لو أنه ضابط يتوسط الجنود التابعين له ليزودهم بتعليماته قبل بدء المعركة. سألنا: هل تتذكرون لعبة التقاذف بالحجارة التي كنا نلعبها ونحن صغار؟

قال له البعض: نعم، نتذكرها.

قال: كنا نستبق اللعبة بعبارة (كل واحد دَمُّو على أمُّو)، يعني يا جماعة الخير، إذا اعتقل واحد منكم أثناء السفر، أو جُرح، أو قتل، أنا ما لي علاقة!!

بدأ المسافرون بالتنفيخ تعبيراً عن الملل، وقال أحدهم: يا أبو خليل، الله يرضى عليك لا تزد علينا الطين بلة، نحن نعرف كل شي، وما طلعنا من البيت لبعد ما ودعنا عيالنا. هات من الآخر، أشو مطلوب منا للدفع؟

قال أبو خليل: أخي، من الآخر، أجرة الراكب من إدلب إلى حماه خمسة آلاف ليرة، وبالنسبة للحواجز أنتم أحرار، إما أن يدفع لهم كل واحد منكم بنفسه، أو تدفعون لي مبلغاً مقطوعاً وأنا أحاسب عنكم.

هتفنا بصوت واحد: نحن ندفع لك، وأنت حاسب عنا.

سألت أبا أحمد: لماذا أجمعتم على أن يدفع السائق للحواجز؟

قال: لأننا لا نريد أن نقترب منهم، أو نتحدث معهم وجهاً لوجه. بصراحة يا أستاذ، هناك كراهية متبادلة بين المواطنين المسافرين والعسكر الذين يقفون على الحواجز. هم ينظرون إلينا نظرة الزوج للشبان الذين يجلسون على سفرته بصفتهم أبناء زوجته من زوجها السابق، ونحن ننظر إليهم على أنهم الأزواج الذين يغتصبون أمهاتنا وفوق ذلك يتضايقون من لقمتنا. إنهم مجرمون، قتلة، نصابون، قاطعو طريق، يأخذون مالنا مقابل أن يسمحوا لنا بالعبور ضمن أراضي بلادنا، ويقولون لنا بعد أن نغادر: روحوا إن شاء الله درب اللي صَدّْ ما رَدّْ. ونحن نقول لهم في سرنا: إن شاء الله تدفعون النقود التي أخذتموها منا دون وجه حق للمشافي والأطباء ومخابر التحليل، وثمن أدوية.. وبالنسبة للطعام الذي ستشترونه من أموالنا يا رب يهري مصارينكم، ويخليكم تزعقون مثل الواويات في الوديان.

قلت: والسائق؟

قال: موقفنا من السائقين محير، طوال الطريق ونحن ننظر إليه فتنتابنا مشاعر مختلطة بين الحب والبغض، ليقيننا بأن أرواحنا ستبقى في يده حتى نصل إلى بر الأمان، بالإضافة إلى أنه يستغلنا، فقبل هذه الأزمة كنا نركب في بولمان الكرنك أو الأهلية أو سومر من إدلب إلى حماه بستين ليرة، وهو الآن لا يسمح لأحد أن يركب إلا بخمسة آلاف ليرة.

قلت: أخي أبو أحمد، الخمسة آلاف يعوضها ربك.

قال: نعم، ربنا يعوضها ويعوض الـ 20 ألف ليرة التي يأخذها لأجل رشوة الحواجز.. ولكن السائق "أبو خليل" فاجأنا بشرط آخر.

قلت: ما هو؟

قال: بعد أن أخذ من كل راكب خمسة آلاف، زائد عشرين ألفاً، صعد وراء المقود، ونظر إلينا عبر المرآة، وقال: العشرين ألف تكفي لمجموعة الحواجز عن كل شخص إذا كان كل شيء سليماً، ولكن، يا حبابين، يا محترمين، إذا كان واحد منكم مطلوب لفرع أمن، أو ضبطوا معه أشياء ممنوعة، أنا ما دخلني. هذه حسابها لحالها.

نفخنا مرة أخرى وقلنا له: فهمنا أبو خليل. امشي بقى الله يخليك.
مشي.

(وللسالفة بقية)