كلّ أسباب الابتسام في قلبي لا تكفي
في الخط الطويل الملتف على نفسه كمتاهة متوقعة وغير خلاقة متجهة نحو نوافذ مراقبة الجوازات، أنظر إلى صورتي وصور أبنائي في الباسبورات البايومترية ولا أتعرف علينا. كيف سيتعرف موظف الجوازات إذاً؟ وهل سنعبر الحدود نحو المنتجع الذي ينتظرنا؟ هل البصمات المحفوظة في الشريحة البايومترية كافية؟ حين التقطت الآلة البايومترية صورنا وبصماتنا حاولنا أن نبتسم وتمنينا أن تظهرنا بمظهر جميل وسعيد. لا يمكنني تسمية ما نبدو عليه في الجوازات الجديدة بالقبح، ولكنه حمل كل ما حاولنا إخفاءه من ارتباك وامتعاض وقلق. قد تكون هذه هي مهمة الجهاز البايومتري والهدف منه: كشف الخبايا والسرائر وعدم تضليل السلطات، من حرس الحدود إلى الجنائيين.
بينما بالغت صورنا البايومترية في عرض ميزة واحدة من وجه كل منا وكتفيه، حيث بدا ابني ضجراً، وبدت إحدى بنتيَّ عابثة، والثانية خجلى، فإننا جميعاً اشتركنا في أمر واحد: التعب. بدوت أكثرنا بؤساً. ربما لأنني الأكبر سناً، ولأن كل سنة من عمر أولادي دفعت ثمنها من عمري الخاص، ولأن لا شيء بالمجان، تحديداً أغلى ما عند الأمهات: عمر أطفالهن. بكل رضا وامتنان استقبلت فكرة أني صاحبة الصورة الأكثر بؤساً. لقد حاولت الابتسام وفق النصيحة الأشهر لملتقطي الصور، والتفكير في أمور تسعدني وفي أشخاص أحبهم، ولكن الأمر، كما كل مرة، لم ينجح. يبدو مثل طقس أو لعنة.
يقال إن بورتريهات العصور البعيدة، الزيتية تحديداً، أظهرت ناسها عابسين لأنهم كانوا يجلسون ساعات وأياماً، وأحياناً شهوراً وسنوات، أمام الرسام على الوضعية نفسها. نعم كان ذلك سبباً واضحاً لتعبهم وبؤسهم وعبوسهم، وحتى في الصور الفوتوغرافية الأولى (قبل قرنين) بدا الناس واجمين عابسين للسبب نفسه، التجمد لوقت طويل أمام الآلة الضخمة والغامضة التي ترسل وميضاً صارخاً. والآن، بينما الآلة الناسخة تأخذ صورنا في ثوانٍ قليلة نحاول الابتسام ونعجز، إما أن تبدو الابتسامة مزيفة أو لا تظهر أبداً. الابتسام للكاميرا ما زال مثقلاً بإرث التجهم والتعب والبؤس.
قبل الكاميرا البايومترية بل وقبل الهواتف ذات العدسات، كان مصير وجوهنا في البطاقات الشخصية والمعاملات وعلى جدران منازلنا مرتبطاً بمصور الاستديو ومعداته ومزاجه. غالبية المصورين الذين عرفتهم كانوا متجهمين. هذه مهنة تحتاج إلى الثبات الانفعالي وثبات اليد والتحكم بعصب العيون، إغماض واحدة وفتح أخرى مع ضبط عالٍ للرموش والجفون.
الابتسام للكاميرا ما زال مثقلاً بإرث طويل من التجهم والبؤس؛ فحين تلتقط الآلة صورنا في ثوانٍ نحاول الابتسام ونعجز، لتبدو الابتسامة مزيفة أو تقتلها ملامح الارتباك والتعب المترسب في أرواحنا
ما إن يمسك المصور الكاميرا ويقرب عينه من العدسة حتى يتبدل مزاجه ويميل للكدر، ربما لأنه ينظر إلى عين مَن أمامه وأبعد وأعمق، ربما لأنه يرى كل يوم ما في داخل الناس من حزن وهم وقلق. في فيلم "اضحك الصورة تطلع حلوة" يلعب أحمد زكي دور مصور طيب يلتقط صوراً تظهر الناس جميلين. تلك موهبة نادرة وعظيمة، أن تلتقط جمال الروح والوجه معاً، لذا استحقت أن تتحول فيلماً. "هي موهبة سيصعب على التكنولوجيا أن تتقنها مهما تدربت ودربناها" أقول لنفسي بينما أقترب من خط الجوازات الأصفر. ولكنه طموح يستحق المحاولة: أن نبرمج الآلة البايومترية لتلتقط أجمل ما فينا، لشذرات السعادة القليلة التي عرفناها، لسعادتنا بهدايا تلقيناها أو عثرنا عليها بالمصادفة، للحب الذي نكنه لأحبتنا...
يأخذ موظف الجوازات الأجنبي باسبوري البايومتري، يدخله في آلة تقرأ شريحتي وتفحص بياناتي البيولوجية وربما النفسية. هل سيعرف كم أنا متعبة وبحاجة إلى هذه الإجازة؟ الخطوط الدقيقة والدوائر المرتعشة في بصمات أصابعي وقزحيتي عينيَّ تقول كل شيء. تقول إنني أمضيت سنوات طويلة جالسة جلسة واحدة أمام المصور العظيم (الزمن) أنتظر أن يصنع لي صورة يعلقها من يريدون تذكري على جدران منازلهم، وتُحفظ في شريحة إلكترونية تثبت للمحققين في هويتي أن هذه أنا وليس أي منتحل آخر. العدسة البايومترية والمسح الضوئي لوجهي اختصرا الزمن وكثفا السنوات من دون حاجة إلى مصور يحمل الكاميرا ويعطي الإرشادات الحازمة. ختم الباسبور ورده لي مع ابتسامة من كشف أمري: كل أسباب الابتسام التي في قلبي لا تكفي لمداواة التعب.