قيس سعيد... عدلي منصور تونس!

قيس سعيد... عدلي منصور تونس!

29 يوليو 2021
+ الخط -

كتبت في "العربي الجديد" بتاريخ 20 إبريل 2021 مقالاً عنونته بـ"سعيد إذ يحلم بانقلاب السيسي"، تحدثت فيه عن رغبة واضحة وجلية لدى الرئيس التونسي بعمل انقلاب شبيه بانقلاب السيسي، إذ إن جملة تحركات الرجل وتصريحاته وزياراته، والتي توجها بزيارة عبد الفتاح السيسي، كانت بالغة الوضوح في أنه ذاهب في ذات المسار الانقلابي.

ولعل من المضحك في هذا السياق أمرين: الأول أن قيس سعيد الذي يتحدث عن محاربة الفساد، قد عين في باكورة عهده أكثر رؤساء الوزراء الذين تدور حولهم شبه فساد، وهو السيد إلياس الفخفاخ، فهل يحارب الفساد بالفاسدين؟

الأمر المضحك الثاني: أن الانقلابات باتت موضة في بلادنا، فحتى تقوم بعمل انقلاب تحتاج لقطع الكهرباء عدة شهور، مع بعض التنغيصات الأخرى، يتبعها إخراج عدد من التظاهرات والصراخ عقب كل مظاهرة منها أن البلد ينهار وصولا لإعلان الانقلاب، تحتاج كذلك أخيرا وعودا بمليارات الدولارات أو ما بات يعرف بـ"الأرز" من عواصم الثورات المضادة.

سأبدأ بالرد على من ينتقد الديمقراطية التونسية بدلا من انتقاد الانقلاب عليها بالتذكير بأن الديمقراطية التمثيلية هي آلية راسخة في نظريات التحول الديمقراطي، إلا أنها لا تقدم حلولا سحرية للمشاكل الاقتصادية والسياسية، لكنها الضمانة الوحيدة لمنع التفرد بالحكم، والعودة للحاكم الإله.

ستكشف الأيام المقبلة أن قيس سعيد ليس أكثر من عدلي منصور آخر، بمعنى أنه واجهة أو دمية  يحركها عسكريون في الخفاء

وفي الحالة التونسية، فإن اللجوء للانقلاب والخطابات الشعبوية بالضرورة ليس وصفة للحل، وإنما للتأزيم. فرغم خبرة الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي الطويلة، إلا أن الرجل تجنب هذا الخيار، وانحاز للتوافق طريقا وحيدا لحل الأزمات المعقدة في بلاده، ولا يمكن أن تكون خيارات الرئيس الحالي منعدم الخبرة وفاقد الكاريزما أفضل من خيارات ذلك الدبلوماسي المخضرم الراحل.

من جهة أخرى، فإن أفضل دليل للرد على من يتصدرون لانتقاد الديمقراطية التونسية، هو إلقاء نظرة سريعة على الانقلاب في مصر وحجم العطب والأضرار التي ألحقها بالدولة المصرية، من التفريط بالأمن القومي عبر تشريع إقامة سد يهدد الأمن المائي لمصر بتوقيع الرئيس المصري على اتفاقية المبادئ التي أفقدت مصر حقوقها المائية وتهدد شعبها اليوم بالعطش، إلى التنازل عن تيران وصنافير لدولة أجنبية، وصولا إلى سلسة أزمات اقتصادية اعتقد من أيد الانقلاب في حينه أنه وصفة لمعالجتها. في مصر اليوم، الإنجاز الوحيد هو السجون التي تكتظ بالإسلاميين والعلمانيين واليساريين، وكل أطياف المعارضة المصرية، والغلاء والبطالة، وعطش داهم.

مسألة أخرى، أن محاولة توصيف الصراع في تونس بأنه صراع بين الإسلاميين والعلمانيين، أو بين الإسلاميين والدولة، هي محاولة يجانبها الصواب بالمطلق، وإنما هو صراع مع أقليات حاكمة يبدو أن كل نظريات التحول الديمقراطي عجزت حتى اللحظة عن إيجاد أدوات سلمية تفضي لتحرير الشعوب من سطوتها. إنها نظم من مخلفات الاستعمار، أمنية، سلطوية، مرتهنة للخارج، أغلقت الفضاء السياسي، وعطلت كل سبل التغيير، ومن ثم تطرح هي ذاتها أسئلة عن أسباب التطرف والانفجارات التي تشتعل في بلداننا، والحقيقة أنها المتسبب الرئيس في كل ذلك، هي المتسببة بسياساتها القمعية والفساد الذي تطلق له العنان في البطالة والفقر، هي المسؤولة عن تصدر شعوبها لقائمة اللجوء في العالم. إنها أنظمة حولت الشباب من مادة للتنمية، إلى ضحايا للموت في البحر غرقا في محاولتهم الهروب من بلدان حولتها تلك النظم إلى مقابر.

حقيقة الصراع في تونس أنه صراع بين الديمقراطية وقوى الاستبداد بأنواعه المختلفة: الإلغائي التفردي الغوغائي، ويقود هذا التيار قيس سعيد، وكلاء دول الثورة المضادة، وإعلام الثورة المضادة، ومن يصمت على اختطاف تجربة ديمقراطية هي الأروع. فالانقلاب هو خطر استراتيجي سيجرف السياسة والاقتصاد والأمن، وعلى كل القوى الوقوف ضده، لأن الصراع ليس بين الإسلاميين والعلمانيين، وإنما بين الشراكة والتغول، فكل أخطاء السياسيين لا تساوي شيئا أمام كارثة الانقلاب.

ستكشف الأيام المقبلة أن قيس سعيد ليس أكثر من عدلي منصور آخر، بمعنى أنه واجهة أو دمية يحركها عسكريون في الخفاء، سيتسلمون الحكم عندما ينتهي الدور الذي يريدون سعيد أن ينفذه. قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري هو من شرع للانقلاب، ومن يشرع لانقلاب، خاصة من المدنيين، فسيتم الانقلاب عليه من العسكريين.