قمة الدوحة 2025: عقد اجتماعي جديد لتنمية إنسانية
استضافت العاصمة القطرية الدوحة، في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعمال القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية تحت شعار "معاً من أجل تنمية اجتماعية شاملة ومستدامة". وجاءت هذه القمة بعد مرور ثلاثة عقود على قمة كوبنهاغن عام 1995، وفي ظلّ ظروف عالمية متأزمة اتسمت بتفاقم التفاوت الاجتماعي، وازدياد الأزمات البيئية والاقتصادية، وتصاعد النزاعات التي هدّدت الأمن والاستقرار العالميين.
وفي السياق، سعت القمة إلى إعادة ترتيب أولويات التنمية وجعل الإنسان محور السياسات العامة على المستويين الوطني والدولي.
ركّزت القمة على تجديد الالتزام العالمي بقيم العدالة الاجتماعية من خلال إعلان الدوحة السياسي، الذي أعاد التأكيد على ثلاث ركائز أساسية للتنمية الاجتماعية: القضاء على الفقر، وتوفير فرص العمل اللائق، وتعزيز الإدماج الاجتماعي. وشدّد الإعلان على أنّ النمو الاقتصادي لا يُعدّ معياراً حقيقياً للتقدم ما لم ينعكس مباشرة على تحسين ظروف معيشة الأفراد ومشاركتهم في صنع القرار.
سعت القمة إلى إعادة ترتيب أولويات التنمية وجعل الإنسان محور السياسات العامة على المستويين الوطني والدولي
كما سعت القمة إلى طرح مفهوم جديد لـ"العقد الاجتماعي العالمي"، يكون أكثر استجابة للتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. وارتكز هذا العقد، بحسب منظّمي القمة، على تمكين الأفراد من التعليم والعمل الكريم وضمان تكافؤ الفرص. وتقاطَع هذا التوجّه مع رؤية الاقتصادي أمارتيا سن، صاحب "مقاربة القدرات الإنسانية"، التي تعتبر أنّ الحرية والاختيار هما أساس التنمية، ومع طروحات الفيلسوفة الأميركية مارثا نوسباوم، التي ترى أنّ العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا بإزالة الحواجز التي تعيق مشاركة الفئات المهمّشة في الحياة الاقتصادية والسياسية.
ومن أبرز محاور النقاش التي تناولتها القمة العلاقة بين العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية. إذ أكّد خبراء التنمية المستدامة، مثل جوزيف ستيغليتز وجيفري ساكس، أنّ النمو الاقتصادي لن يكون كافياً أو مستداماً ما لم ترافقه سياسات تمكّن المجتمعات من التصدي لصدمات المناخ والاقتصاد. ودعا إعلان الدوحة إلى تطوير شبكات حماية اجتماعية مرنة تتلاءم مع التغيرات البيئية، إضافة إلى إصلاح النظام المالي العالمي بما يضمن تمويلاً أكثر إنصافاً للدول النامية.
كما سلّطت القمة الضوء على التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبارهما من ركائز مستقبل التنمية. وشدّد المشاركون على أهمية سدّ الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب، وتمكين الجميع من الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة، مع حماية الحقوق الأساسية في العالم الرقمي، حتى لا تتحول الرقمنة إلى عامل جديد يعمّق التفاوتات الاجتماعية.
واعتبرت القمة أنّ صياغة العقد الاجتماعي الجديد تمثل نقطة انطلاق لمسار طويل يتطلب التزاماً حقيقياً من الحكومات والمؤسسات الدولية. إذ من المتوقع أن تواجه عملية التنفيذ العديد من التحديات، أهمها قدرة الدول على تحويل التعهدات إلى سياسات عملية. ولا تزال الفجوة قائمة بين ما يُعلَن من التزامات وما يُطبّق فعلياً، وهي فجوة تفاقمها محدودية التمويل وتضارب الأولويات الوطنية. وتخطي هذه العقبات يتطلّب تنسيقاً فعّالاً بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، إلى جانب إرادة سياسية صادقة لتحويل المبادئ إلى واقع ملموس يُحسّن حياة الناس ويعزّز استقرار المجتمعات.