قراءة في رواية "ميلانين"

04 ابريل 2021
+ الخط -

أقلتَ "زميقري"؟
1- عدسة ثلاثية الأبعاد
لن أغامر بالإدلاء برأي نقدي، ولا بالحديث عن نظريات نقدية. ولن أتورط في الكتابة عن عتبات النص والأنساق الأدبية. وسأبتعد عن مناهج النقد السيميائي والبنيوي وغير ذلك من تقنيات متروكة لأصحاب الشأن من النقّاد المتخصصين الذين وجدوا، حتما، في هذا النص المتميز كنزاً ثميناً، ونبعاً صافياً يعج بكل ما يبهج النفس ويسر البال، أود فقط في هذه القراءة المتواضعة إلقاء الضوء على بعض الجوانب التي لامستني بصورة شخصية وما تركته لدي من انطباع.

فأنا كقارئ عبر المنصة السودانية لمناقشة الروايات أستطيع القول إن رواية "ميلانين" للكاتبة التونسية الفرنسية فتحية دبش، الصادرة عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع ببور سعيد في العام 2019، الحائزة على جائزة "كتارا" دورة 2020، تخاطبني بصورة خاصة جدا. ذلك لأنني أعيش في باريس، وأتجول في ذات الحارات، وأجوب يوميا ذات الشوارع التي تصفها الرواية.. بل وألتقي يوميا بشخصياتها في المقاهي والقطارات والأسواق والحدائق العامة.. أراني طورا متسكعا مع الشخصية المحورية الصحافية (أنيسة عزوز) على ضفاف نهر السين، بعد يوم طويل من التحقيقات مع أعضاء الجاليات العربية المستقرة في ضاحية "سانت دوني" و"أرجنتوي".. نتحدث عن البطالة، العنصرية، وتحقيقات الهوية التي يتعرض لها العرب والأفارقة بصورة يومية.. وتارة أجدني أُجالس (رقّية) وسط المسافرين على خط المترو رقم واحد الرابط بين محطة اللوفر حيث تعمل (رقية) عونَ صيانة موسمي، ومحطة "الشانزليزيه كليمنسو"، ومنه إلى الخط رقم 13 الموصول بمحطة "بازيليك دو سانت دوني" حيث تقطن.

وبحكم عملي مسؤولا عن قسم الترجمة بمحكمة "بوبيني"، وهي أكبر المحاكم الفرنسية، وتغطي إداريا أكبر رقعة جغرافية تتمركز فيها الجاليات العربية المهاجرة من شمال أفريقيا، مكونة ما أسمته الكاتبة (بالمغرب الصغير)، وهي الضاحية التي تقع فيها شقة (رقّية) بالطابق الثامن من العمارة 150 في حي "قامبيتا" ببوبيني. ولا أبالغ إذا قلت إن التماهي بلغ حد أني ذهبت بحثا عن ذلك العنوان، وهو ليس بعيدا عن مكتبي، ثم استدركت أنه وإن كان موجودا على الطبيعة، إلا أن الرواية بأشخاصها وأماكنها ليست سوى محض خيال ورقي. بحكم عملي بالمحكمة، أقضي نهاري في مساعدة العشرات من هؤلاء المهاجرين أمام مختلف أقسام المحكمة.. أناس يعيشون على هامش المجتمع الفرنسي، هدّت الغربة قواهم، وتقوست ظهورهم بفعل سنوات الاغتراب الجافة، ولا يزالون يحتاجون لمساعدة مترجم أمام المحكمة، كما يحتاجون لمساعدة أبنائهم المتعلمين يرافقونهم أمام بقية الدوائر الحكومية والمستشفيات. تنقصهم أهم مقومات الاندماج في المجتمع الذي انتخبوه وطنا ثانيا وهو اللغة، "بوبيني مركز المخدرات والجريمة، تلك كانت الفكرة التي تروج لها الأخبار والصحف" ص 45..

حققت الرواية المستوى الثاني إذ استطاعت الكاتبة، عن طريق المجازات اللغوية وانتقاء مفردات نادرة وجريئة، ان تبرز بصمة لغوية خاصة بها تميزها عن غيرها. وليس أدل على ذلك من استخدام الفعل (أثّثَ)

أصبحت بحكم عملي جزءا من حياتهم.. أتقاسم همومهم وآلامهم.. تؤلمني أتراحهم.. ويؤسفني تشردهم، وجوعهم وبردهم وعطشهم.. أتجرع معهم مرارة الغربة والاغتراب.. أوصل صوتهم إلى السلطات الفرنسية متأرجحا خلال النهار بين لهجاتهم المختلفة، بموسيقاها وعذوبتها، التي تزاوج ما بين لغة الضاد ولغة موليير (وخا .. برشا .. بزاف).

لذلك، وأنا أتصفح هذه الرواية أجدني كمن يشاهد فيلما سينمائيا بنظارات البعد الثالث التي تقذف بالمشاهد داخل المشهد، فيتحول من مشاهد جالس على أريكته إلى بطل من أبطال العمل الفني وكأنه يمشي بقدميه داخل الرواية.

2- "الانزياح" أو مستويات اللغة الإبداعية

بحكم مهنتي وعشقي للكلمة، طبيعي أن تلفت اللغة انتباهي بمفرداتها الرصينة، واقتباساتها الرشيقة، وجرسها الشعري المميز. فإذا علمنا، وفقا لدراسة تطبيقية قام بها الدكتور ثائر زين العابدين تحت عنوان (في دروب السرد)، أن النصوص الأدبية عموما تقوم على مستويين لغويين:

المستوى الأول: وهو الأساسي الفصيح والثابت في اللغة، وتحافظ اللغة بواسطته على بنيتها ولا تقوم بغيره، وهو مستوى يتشكل من سنن وأساليب صارمة تضبط تراكيب اللغة.

والمستوى الثاني: وهو مستوى الاستعمال الخاص. ينطلق من المستوى الأول ويرتكز عليه، ويُستعمل استعمالا خاصا لغرض معين وهو غرض فني جمالي خاص بالكتابة الإبداعية، ويطلق عليه أحيانا "الانزياح".

تأسيساً عليه نلاحظ:

أولاً: أن رواية "ميلانين" حققت المستوى الأول من خلال التزام الكاتبة بقواعد وضوابط الكتابة للمحافظة على الهدف الأساسي من اللغة، وهو سلامة وسلاسة الاتصال...حيث يغلب على لغة الكاتبة التفصيح الذي عملت عليه واشتغلت بجهدٍ يماثل الجهد المبذول في أركان البناء الروائي بصورة لا تقل عن وصف الأماكن وتصوير الشخصيات..

من أمثلة التفصيح وانتقاء المفردات قولها في وصف الحنين الذي يعصف بها وحيدة في باريس صفحة 110: "باريس اليوم ليست باريس التي كنت أعرف.. تتحول في الليل إلى شبكة صيد ثمين تنصب فخاخها (للمنبتّين) عن أرضٍ بعيدة أو جذور واهية أو رغبات عربيدة".

فالمُنبَتّ هو: المنقطع عن أصحابه في السفر، وفي الظهر أي الدابة.. والكلمة تُرجِع الى القول المعروف "كالمُنبَت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى. ولعل أصل القول هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لرجلٍ اجتهد في العبادة حتى هَجَمَت عيناه، أي غارتا، فلما رآه قال له: "إن هذا الدين متينٌ فأوغِل فيه برفقٍ، إن المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".

من أمثلة التفصيح اختيارها كلمة (التحبير) بدلا عن لفظ (الكتابة) ص 120: " قرأت قصاصتك الأخيرة. لا أدري متى (حبّرتها) عوضا عن كتبتها.

ثانياً: حققت الرواية المستوى الثاني إذ استطاعت الكاتبة، عن طريق المجازات اللغوية وانتقاء مفردات نادرة وجريئة، أن تبرز بصمة لغوية خاصة بها تميزها عن غيرها. وليس أدل على ذلك من استخدام الفعل (أثّثَ) في أول جملة من الإهداء ص 4 إلى الذين (يؤثِثونَني) وينثرون.. فهو استخدام للكلمة لافت للانتباه وغير شائع.

من ملامح بصمتها اللغوية المميزة، اختيارها مفردة (التبرعم) للدلالة على التوالد والتناسل البشري في قولها صفحة 69 في حديث الراوية عن أصول جدها الصحراوية التي تعود إلى بلاد السودان، وقد نسيته القوافل في الجنوب التونسي وهو صغير..  تشققت أقدامه من الهرولة في المزارع والواحات إلى أن وقع تزويجه من إحدى الفتيات ومنهما (تبرعمنا) ..إلخ.

كذلك أنظر إلى الشحنة البلاغية الكامنة وراء عبارات مثل "تنط (كالقط) المشاكس إلى عنادي (فتلعقه) توسلاتك بالحياة وأنتشلك من ضياعك وترميني إلى (غياهب جب) يصل بين الغربة والاغتراب ..إلخ"، لاحظ كيف أفضى الحديث عن القط المشاكس إلى توسلات بالحياة (تلعق) العناد كالقط.. ولاحظ روعة انتقاء (غياهب الجب) ودلالاتها في سورة يوسف..

انظر أيضا في صفحة 12 إلى براعة استخدام صيغة التصغير في كلمة شويهات "باع أبي (شويهاته)، وأمي حليّها القليل، وعزمت على العوم، إما النجاة وإما الغرق". فهو تصغير جمع بين غرضي قلة العدد والتمليح، للدلالة على الحالة النفسية التي يمكن أن يكون عليها والدها وهو يبيع شويهاته (القليلة المحببة إلى نفسه). كل ذلك يتم في سلاسة دون تعقيد للمعنى.

ولا تفوتني الإشارة إلى البلاغة التي تتجلى في استدعاء المفردات القرآنية عند الحديث عن حياة الإنسان الغربي، عبر فصول السنة وتعاقب البرد والمطر والثلوج، ص 30، "وهكذا يلاعبون الفصول ببهلوانية مدروسة كل شيء فيها (بحسبان)". وهذا اقتباس من قوله تعالى في سورة الرحمن، آية 5 {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي يجريان بحساب ومنازل معدودة والله أعلم.

ويتكرر هذا الأسلوب مرارا، فيضفي على النص نكهة إبداعية خاصة بالكاتبة تميزها عن غيرها. 

3- مفردات الزِينة

وبعيدا عن جدل النقّاد حول استخدام اللغات الدارجة أو المزج بين الفصحى والدارجة، أو إدخال الكلمات الأجنبية وتأثيرها على قيمة المنتوج الأدبي، فقد لفتت انتباهي براعة الكاتبة فتحية دبش في تطعيم النص بمفردات وتركيبات معرّبة من اللغة الفرنسية، بصورة اعتبرها إضافة قد تساهم في إثراء اللغة مستقبلا. وهي مفردات خفيفة على القارئ، سهلة الهضم، وتقع في النفس وقعاً جميلا يساعد القارئ على تبنيها وإضافتها إلى حصيلته اللغوية.

وهي في الأغلب مفردات تستخدم في العاميات المغاربية، بعد تعريبها وتحويرها لفظيا بصورة تزيح أحيانا المفردة العربية كليا من قاموس المتحدث وتحل محلها.

أهم هذه المفردات: 

- الزميغري، الزميقري: وتعني المهاجرين ، les immigrés ص 81, 83.

- راكاي: حثالة المجتمع، أو الرِعاع racaille, وتستخدم كثيرا لوصف أبناء الهوامش "نحن هناك زميقري وهنا راكاي" ص 152.

- المغازات: المحلات التجارية، وهو نطق الكلمة magasin بعد تحويرها. ص 14، 30.

- القاميلة : وهي إناء يوضع ويحمل فيه الطعام gamelle  "تعجّل أمي بتثبيت القاميلة على خرج الدراجة" ص 155.

بل تذهب الكاتبة أبعد من ذلك لتشير إلى استخدام اللغة الخاصة بالفئات الشبابية المحكي عنها، والتي تعتمد على نطق الكلمات مقلوبة في ما يسمى بالسوداني "الرندوق" مثال: 

- "كايرا" مقلوب "راكاي" racaille أي رعاع.

- "رونوا" مقلوب "نوار" noir وهم السود.

كل ذلك جعل النص كثوب جميل، متعدد الألوان، تزيِّنه هذه المفردات الجديدة كقطع من خرز براقة تسر الناظرين فتزيده ألقاً وبهاء.