في وقت مُبكِّر من عمر الكون
منذ أن فتح عينيه على الكون لأول مرة، استمتع علماء الفيزياء الفلكية بكمية هائلة من المعلومات لم يسبق لها مثيل، أرسلها المرصد الفضائي جيمس ويب من أعماق الكون السحيقة. وكان من بين المفاجآت الكبرى الوفرة غير المتوقعة لأجسام ساطعة للغاية وبعيدة، لم تُشاهد قبل ذلك، والمعروفة بالنقاط الحمراء الصغيرة. ورغم الخطوات التي اتُّخذت لتفسير وجود هذه الأعداد الكبيرة، فقد ثبت أن التفسير الكامل لهذه الظاهرة أمر بعيد المنال.
من الصعب تصديق ذلك، لكن منذ ثلاثة أعوام فقط، في صيف عام 2022، تم الكشف عن أولى الصور العلمية من المرصد الفضائي جيمس ويب. ولقد كشفت الصور عن تفاصيل حول الكواكب التي تشكَّلت حديثًا، والأنظمة النجمية الشابة، والكواكب الخارجية، والنجوم، والمجرات، إلا أن المفاجأة الأكبر جاءت عند النظر إلى أبعد المسافات على الإطلاق. هناك، وسط أعمق أعماق الكون التي تم استكشافها، كانت هناك مجموعة غير متوقعة من المجرات، بأعداد كبيرة، وكانت بعيدة جدّاً، ولفتت الأنظار إليها بلونها الأحمر، وحجمها الذي يشبه النقطة، ومع ذلك كانت ساطعة بما يكفي ليتم اكتشافها بسهولة.
كانت هذه الأجسام تشكل تحدياً لعلماء الفيزياء الفلكية، فقد كانت لدينا بالفعل صورة عن مكونات كوننا: مزيج من الظلام الدامس، وكمية ضئيلة من الإشعاع، وكنا نعرف عمر الكون على وجه التقريب وكيف نتوقع أن تتشكل البنية داخله. فلماذا إذن ظهرت أعداد كبيرة من هذه الأجسام الساطعة في مثل هذه الأوقات المبكرة بأعداد أكبر، وأعداد أكبر مما توقعته أي محاكاة؟
من بين الاكتشافات الأكثر غرابة وجود المجرات المبكرة الساطعة التي ظهرت بعد فترة وجيزة جدّاً من الانفجار العظيم من حيث التاريخ الكوني
هناك مقولة قديمة في عالم الفيزياء الفلكية: المنظرون يمكنهم إخبارنا كيف من المتوقع أن تتصرف الطبيعة، ولكن فقط من خلال البيانات التجريبية أو الرصدية يمكننا تحديد شكل الكون الحقيقي. بعد أعوام من البحث، تمكن العلماء من جمع القطع معاً، وتعلموا كيف نشأ الكون. فهل أصابوا في ما ذهبوا إليه، أم أن الأمر برمته فرضيات ومحض خيال يعجز عن كشف حقيقة هذا الكون الشاسع؟
في البداية لم تكن هناك نجوم أو مجرات، والكون استغرق قدرًا كبيرًا من الوقت حتى تتشكل فيه النجوم الأولى. وفي وقت مبكر من تاريخ الكون، كانت المجرات الأصغر، أقل ضخامة، أقل تطورًا من الناحية البنيوية، مع عدد أقل من العناصر الثقيلة، وتهيمن عليها مجموعات أصغر سنًّا وأكثر زرقة من النجوم، لقد عرفنا كيف كان الكون في مراحله المبكرة للغاية، وعرفنا كيف كان الكون عندما أصبحت المجرات وفيرة حتى حدود المراصد مثل تلسكوب هابل الفضائي. ولكن ماذا سيكتشف جيمس ويب؟ من أجل معرفة ذلك، كان علينا الحصول على تلك الملاحظات الحاسمة.
كان بعض ما وجده تلسكوب جيمس ويب متوقعاً، فقد حطَّم الرقم القياسي للمسافة الكونية لأبعد جسم عدة مرات، وكذلك الرقم القياسي لأبعد مجموعة مجرات، وأبعد عدسة جاذبية، إلى جانب العديد من الاكتشافات الثورية الأخرى. كانت بعض الأشياء التي رآها تلسكوب جيمس ويب على هامش ما توقعنا: أعداد كبيرة من المجرات المبكرة التي تجاوزت حدود مدى ضخامة المجرات التي اعتقدنا أنها يمكن أن تصل إليها. وكان بعض ما رآه تلسكوب جيمس ويب غير متوقع تماماً من قبل الجميع تقريباً، مثل وجود ثقوب سوداء في وقت مبكر والتي من الواضح أنها لم تتشكل من النجوم الموجودة داخل المجرات الأولية المبكرة التي استضافتها.
ومن بين الاكتشافات الأكثر غرابة وجود المجرات المبكرة الساطعة التي ظهرت بعد فترة وجيزة جدّاً من الانفجار العظيم من حيث التاريخ الكوني. ورغم أن بعض هذه المجرات تبين أنها أجسام حمراء بطبيعتها كانت أقل بعداً، كانت معظم النقاط الحمراء الصغيرة تتوافق حقًّا مع مجرات شابة ساطعة. وعلاوة على ذلك، أن عدد المجرات البعيدة التي كنا نعثر عليها كان يتجاوز حقّاً حدود ما أشارت إليه المحاكاة بأنه ممكن. لماذا كان هناك الكثير من هذه المجرات شديدة السطوع في مثل هذه الأوقات المبكرة؟ كان هذا أحد الألغاز الرئيسية التي كان على علماء الفلك والفيزياء الفلكية مواجهتها عندما واجهوا بيانات جيمس ويب الجديدة. هل يمكننا أن نجعل الكون المرصود يتوافق مع توقعاتنا، أم أن هذا بعيد المنال؟ على كل حال، يقول طرفة بن العبد في ختام معلقته المشهورة: سَتُبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاً/ويأتيك بِالأخبار من لم تزوِّد.