في محبة الشهيد طارق الأقطش

28 يناير 2021
+ الخط -

من بين كل شهداء ثورة يناير الذين لم تتوقف دماؤهم عن الجريان حتى الآن، لا أكف عن تذكر الشهيد طارق عبد اللطيف الأقطش، هناك رابط روحي خاص يربط بيني وبينه، مع أني لم أعرفه شخصياً، ومع ذلك أشعر نحوه بألفة شديدة كأنه كان صديق عمري أو أحب جيراني إلى قلبي، ربما لأنني شاركت أسرته أمل العثور عليه عندما ظل مفقوداً لفترة بعد يوم 28 يناير.

لست أنسى عندما اتصل بي أحد أصدقاء أسرته لأساعدهم في البحث عنه من خلال وسائل الإعلام، لأن أسرته تريد معرفة مصيره بعد أن عذبها طول اختفائه. كنت يومها مرهقاً من كثرة ما سمعت من قصص مأساوية عن المفقودين والمختطفين، فحكيت لمن حدثني عن قصة جثة مفقود تم العثور عليها للتو في مشرحة زينهم، وغضبت من نفسي بشدة بعد أن انتهت المكالمة، وعندما عرفت أنه تم العثور على جثته بالفعل في مشرحة زينهم، لكنها لم تكن الجثة التي تحدثت عنها، انهرت وزاد من انهياري ثبات وتماسك صوت أسرته عندما حدثت بعض أفرادها لأعزيهم، بعد أن تلقت الأسرة الصدمة التي قضت على آمالها في عودة طارق إلى زوجته وابنتيه وأحبابه.

منذ ذلك اليوم الحزين تحول طارق الأقطش إلى أيقونة بالنسبة لي. كتبت ذات مرة أن كلا منا يحتاج إلى أن يستلهم تجربة مواطني أمريكا اللاتينية الذين يختار كل منهم قديسا ليكون ملاكه الحارس، وعلى كل منا أن يختار شهيداً ليكون ملاكه الحارس، وأنا اخترت طارق الأقطش فكنت ولا زلت أحاول دائما أن أدخل في حوارات مستمرة معه حول ما نشهده من أحداث وما أعيشه من تجارب، متخيلاً كيف سيكون موقفه منها، ومفكراً على الدوام كيف سيكون في نهاية المطاف رأي ابنتيه عندما تكبران وتنظران إلى صورة أبيهما المعلقة على حائط البيت، وهل ستقولان له ذات يوم قريب بإذن الله أن مصر أصبحت الآن كما كان يحلم ويتمنى؟

في 21 مايو 2011 نشرت في صحيفة (المصري اليوم) رسالة جاءتني من السيدة رانيا شاهين زوجة الشهيد طارق، ولا أنسى أنني عندما طلبت منها أن ترسل لي صورة تجمعها هي وابنتيها مع الشهيد، أرسلت لي هذه الصورة التي تراها الآن مع هذا المقال، قائلة لي إنها الصورة الوحيدة التي تجمع الأسرة كاملة، لأن ابنته سارة لم تكن قد أكملت العام وقت التقاط الصورة التي التقطتها الأسرة قبل ذهابها لاستخراج تأشيرة للسفر إلى كندا، وهو السفر الذي ضحى به طارق عندما قرر أن ينزل إلى التحرير في جمعة الغضب، قائلا لها إنه يتوقع أن يتم حبسه وضربه هو وأصدقاؤه "لحد ما نتعجن"، لكنه لم يتخيل أبدا أنه سيموت برصاص حي انطلق من قناص.

الشهيد طارق الأقطش وأسرته

 

في رسالتها الملهمة والحزينة قالت زوجة الشهيد: "أنا لن أترك حق زوجي في ثورة آمن بها وتحرك لها ومات في سبيلها وهو المسالم الكاره للسياسة بكل أشكالها، ولكنه رأى في تلك الثورة مستقبل بلاده وغد بناته.. لا لن أغفر أو أسامح... ولتخافوا من دعوة زوجة مظلومة في عيد زواجها وهي ترتدي الأسود وتبكي من وجع قلبها والخوف من غد غير معلوم وثورة تُسرق وهي لا تملك أن تتركها لأنها دفعت ثمنها مقدماً غالياً جداً".

وفي عام 2013 نشرتُ في صحيفة (الشروق) رسالة للشعب المصري من السيدة رانيا شاهين في ذكرى مرور عامين على استشهاد زوجها، وفي ظل دعم جماعة الإخوان لمواصلة أجهزة الشرطة سياسات القتل المجاني للمصريين، يومها قدمت تلك الرسالة قائلاً إنني أتمنى أن تساهم في إيقاظ الغافلين الذين يتصورون أننا يمكن أن نرى استقرارا أو أمانا أو تقدما ونحن ننسى دماء شهدائنا بل ونضيف إلى دمائهم كل يوم المزيد من الدماء، وعندما أرسلت إلى السيدة رانيا في عام 2014 أطلب منها أن تكتب رسالة للمصريين بعد مرور ثلاثة أعوام على استشهاد زوجها، لم أندهش عندما أرسلت إلي تعتذر بأنها لا تجد شيئا تقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر، وسكن الخوف أرجاء البلاد، فلم نعد نشهد فقط جرائم قتل السلطة للمتظاهرين السلميين، بل أصبح لدينا جرائم إرهاب بشعة، وجرائم اقتتال مدني، وجرائم كراهية لا يعلم آخرها إلا الله.

مع ذلك، ومن أجل كل ذلك، تبقى الرسالة التي كتبتها لي من قبل زوجة الشهيد طارق الأقطش أصدق وأفضل وأنبل وأطهر ما يمكن أن يقال في ذكرى ثورة يناير ويوم جمعة الغضب الذي سقط فيه مئات الشهداء برصاص الشرطة دون أن يعود حقهم، ودون أن يبدأ تحقق ما حلموا به وضحوا بحياتهم من أجله، لذلك أترككم مع سطورها لعلها تذكرنا بشهدائنا الذين نسيناهم تحت وطأة الخوف والقهر والقرف: "حاولت جاهدة أن أكتب لك لأعبر عما أشعر به، عما أراه أو حتى عن أمل أتمسك به، ولم أجد لديّ من الكلمات ما ينصفني، فاعذرني وسامحني فأفكاري مشوشة ومشاعر حائرة غائمة. الوجع أكبر مما تتخيل والحزن رفيق يومي أحس بغربه قاسيه إن غاب او التهيت عنه. اليوم ذكرى ميلاد رفيقي وغدا عيد استشهاده، أرسم أكبر ابتسامة قد تتخيلها وأضحك في وجوه الجميع وأخاف أن تفضحني عيون تشرد فجأة أو دموع تسقط بلا مقدمات، أفضل أن أتذكره وحدي وفي صمت ذلك أفضل لكل من حولي. أتذكر في صمت وأقارن أمسا ليس ببعيد قد يبدو مثل اليوم ولكنه مختلف. أتذكر ألم الفراق وأتخيل أوجاع الآخرين التي يوضع أولادها كل يوم في خانة الشهداء.

مر عامان ولم يتغير شيء، نفس المشاهد، نفس الأصوات المفزعة، نفس القلق والرعب من صباح قد لا يأتي بخير. شهداء لا حصر لهم لأسباب تنوعت في قسوتها حتى أبدعت. كل بيوت بلدي اتشحت بالسواد في خلال العامين، حتى صرنا نألف الحزن ولا نخاف الموت. موتٌ لم يميز بين صغير أو كبير، فقير أو غني، ثائرا كان أو حتى جنديا ليس من حقه أن يعترض.

وآخرون يعيثون في الأرض فسادا وتجاهلا لأوجاع ومطالب المطحونين يتنوعون كل عام، ولكن يبقى الجشع والطمع هو محركهم، والتحكم هو غاية أملهم لا يدركون أن أيديهم ملوثة بدماء لا تجف إلا بالقصاص. فسحقا لمنصب أو سلطة تأتي على جثث الابرياء فالظلم حتما لا يدوم والدم ثأر لا يُنسى.

أعلم أنني قد أبدو لك تعيسة أو فقدت الأمل ولكن والله أبدا، قد تغلبني الهموم والاوجاع مرات ولكن لازال تمسكي بغد اولادي المشرق يدفعني، وإيماني ان الله رحيم عادل سيأتي بحقي وحق كل من ظًلم ومات هو دليلي، الله هو رب كل البشر وإن اختلفوا يجبر خاطر المظلوم ويخسف الأرض تحت أقدام كل من ادعى وطغى. وختاما أدعو لنا جميعا بالصبر على أحزاننا وبالثبات لكل من حاول وجاهد".

....

تمر الأيام، وتتوالى التضحيات، ويزداد حزن زوجة الشهيد طارق الأقطش وحزن كل ذوي وأقارب وأحباب الشهداء، ويبقى الخلاص وحده في مطالب الثورة كما انطلقت من حنجرة طارق وملايين المصريين "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية". أو كما قال فؤاد حداد "غير الدم ماحدش صادق".