في صحبة درويش

في صحبة درويش

16 مايو 2021
+ الخط -

" ونحنُ نُحِبَّ الحياةَ إذا ما استطعنا إليها سبيلا

ونرقصُ بين شهيدين. نرفعُ مئذنةً لِلبَنَفسَجِ بَينهُما أو نَخيلا

ونسرقُ مِن دودة القزِّ خَيطاً لنبني سماءً لنا ونُسَيِّج هذا الرحيلا

ونفتحُ بابَ الحديقةِ كي يخرُجَ الياسَمينُ إلى الطُّرقاتِ نهاراً جميلا

ونزرعُ حيث أقمنا نباتاً سريعَ النُّموِ ونحصدُ حيثُ أقمنا قتيلا

وننفخُ في الناي لونَ البعيدِ البعيدِ. ونرسمُ فوقَ تُرابِ الممرِّ صهيلا

ونكتبُ أسماءنا حَجراً حَجَرا. أيُّها البرقُ أوضِح لنا الليل، أوضِح قليلا

نحبُّ الحياةَ إذا ما استطعنا إليها سبيلا"

أنا مع محمود درويش، أنا مع الإنسان الفلسطيني الذي أشعر أن بعضنا يستكثر عليه رغبته في الحياة، التي ننعم بها أو نتجرعها كل يوم ومع ذلك نريده أن يموت بالنيابة عنا.

أجلس أمام التلفزيون لأشاهد شيخاً شهيراً، يدعو الفلسطينيين إلى الموت لكي توهب لهم الحياة، فأسأل نفسي: يا ترى ماذا سيفعل فضيلته بعد انتهاء البرنامج، ماذا أعدت له المدام على العشاء، وهل نام أبناؤه لكي يذهبوا إلى الجامعة باكرا، أم أنهم ينتظرونه ليتعشوا سوياً ويقولوا له: "كنت هايل يا بابا". أتذكر كيف سيكون حال الذين يطالبهم بالموت وقتها، فأهرب سريعا من رغبتي في لعنه لأشفي بعض غليلي، وأغيِّر القناة.

كلما فتحت قناة آناء الليل وأطراف النهار، وجدت متكلماً صامداً في استوديو فضائي يمدح الموت، فألعن الجميع وألعن قلة حيلتنا وهواننا على أنفسنا، وأغمض عيني لأصافح صور الشهداء الباقية في ذاكرتي، وأظل مع محمود درويش:

"عندما يذهبُ الشهداءُ إلى النومِ أصحو وأحرُسُهم من هواةِ الرثاءِ. وأقولُ لهم تُصبحون على وطن.. من سحابٍ ومن شَجَر، من سرابٍ وماء، أهنئهم بالسلامة من حادث المستحيل، ومن قيمة المَذبَحِ الفائضة، وأسرق وقتاً ليسرقوني من الوقتِ، هل كُلُّنا شهداء، وأهمسُ: يا أصدقائي اتركوا حائطاً واحداً لحبالِ الغسيل، اتركوا ليلةً للغناء، أُعلِّقُ أسماءكُم أينَ شِئتُم فناموا قليلا، وناموا على سُلَّمِ الكَرمَةِ الحامضةِ، لأحرُسَ أحلامكم من خناجرِ حُرّاسكم وانقلابِ الكِتابِ على الأنبياء".

على شاشة فضائية كريهة، وكل شاشات الفضائيات كريهة، أرى فتحاوياً وحمساوياً يتناوشان فألعن كل أمة لا تصغي لشعرائها وأصرخ في وجوه كل قادة الفصائل التي فصلت ما بين الفلسطينيين بصرخة محمود درويش التي أطلقها في الثمانينيات:

" يا لحم الفلسطينيّ يا خُبزَ المَسيحِ الصَّلبِ.. يا قُربانَ حَوضِ الأبيضِ المتوسِّط.. اختصِرِ الطريقَ عليكَ.. يا لحم الفلسطيني يا درع الفقير ويا زكاة المليونير ويا مزاداً زاد عن طلبات هذي السوق، يا حُلمَ الفلسطيني في الطُرُقات، يا نهراً من الأجساد في واحدٍ. تجمّع واجمع الساعد. يا لحم الفلسطيني في دول القبائل والدويلات التي اختلفت على ثمن الشّمَندر والبطاطا، وامتيازِ الغاز، واتّحَدت على طرد الفلسطيني من دمه، تجمّع أيها اللحم الفلسطيني في واحدِ، تجمّع واجمع الساعد، لتكتب سورة العائد".

وعندما عاد الفلسطيني إلى بعض أرضه، ظن محمود درويش أن فلسطين صارت "على أُهبَةِ الفجر" فتجاوز مرارة أن اللحم الفلسطيني لم يستجب أبدا له ولم يتجمع أبدا في واحد برغم الحرب والموت و"حالة الحصار"، فاستبدل صرخته بهمسة أمل:

 "لن نختلف.. على حِصّةِ الشهداء من الأرض.. ها هُم سواسيةً.. يفرشون لنا العُشبَ.. كي نأتلف".

أُصابُ بالقهر عندما أتذكر أنه لا صرخة الشاعر أجدت ولا همساته، فأشطح حالماً بجمع كل قيادات الفصائل المتنازعة في قاعة واحدة، وإذ بي بعدها أكون خائناً للحظة واحدة أتصل فيها بالعدو وأمليه إحداثيات القاعة لكي تنزل عليها قنبلة تريحنا منهم، لكني أتذكر أن الصهاينة أحرص مني على حياة هؤلاء لأن في بقائهم هكذا بقاء أكيد لهم، ولذلك يفضلون قصف الأطفال والنساء والبيوت، فأنتقل من ذلك الحلم المندفع، لأحلم بأن يثور الشعب الفلسطيني على قادته "المحترفين" ويقف صفاً واحداً ليردد مع محمود درويش:

 "واقفون هنا، قاعدون هنا، دائمون هنا.. خالدون هنا، ولنا هدفٌ واحدٌ واحدٌ: أن نكونَ.. ومن بعده نحنُ مختلفون على كل شيء: على صورةِ العَلَمِ الوطني (ستحسن صُنعاً لو اخترت يا شعبي الحيّ رمز الحمار البسيط)..  ومختلفون على كلمات النشيد الجديد (ستحسن صُنعاً لو اخترت أغنية عن زواج الحمام).. ومختلفون على واجبات النساء (ستحسن صُنعاً لو اخترت سيدة لرئاسة أجهزة الأمن).. مختلفون على النسبةِ المئويةِ، والعامِّ والخاصِّ.. مختلفون على كل شيء، لنا هدفٌ واحدُ.. أن نكون.. ومن بعده يَجِدُ الفردُ مُتّسَعاً لاختيارِ الهدف".

" هل نُسيئُ إلى أَحَد؟

 هل نُسيئُ إلى بلد؟

لو أُصِبنا ولو من بعيدٍ..

ولو مرَّةً برَذاذِ الفَرَح؟".

سؤال يشهره محمود درويش في وجوهنا نحن الذين نريد من الطفل الفلسطيني وحده أن يموت لكي توهب لنا الحياة؟ أفكر في إجابة منطقية له، فتندلع بداخلي الأسئلة: هل نعرف شيئاً عن فلسطين وأهلها غير الكلام الذي نحب أن نردده لكي نريح ضمائرنا؟ هل صار مكتوباً علينا أن نجد أنفسنا بين منبطحين يرددون كلاماً منحطاً، ومزايدين يرددون كلاماً لن يدفعوا ثمنه؟ دون أن نعرف أين فلسطين وأهلها من كل هذا؟ هل صار مكتوباً على الفلسطيني إلى الأبد ألا نراه إلا في جنازة أو مظاهرة؟ لماذا أصبح بعضنا يستغرب أن يراه في حفل زفاف أو خارجاً من سينما أو صارخا من النشوة هو وأطفاله في مدينة ملاهٍ أو مشتبكاً مع طبق منسف ضخم، لماذا يستكثر بعضنا عليه أن يحيا مثلما نحيا؟

 هل يمكن أن نفهم يوما ما معنى الألم كما يصوره محمود درويش:

"الألم.. هو أن لا تُعَلِّقَ سيدةُ البيتِ حَبلَ الغَسيلِ صباحاً.. وأن تكتفي بنظافة هذا العلم".

هل يمكن أن نحس بوطأة الحصار كما يصفها درويش:

"في الحصارِ تكونُ الحياةُ هي الوقتُ.. بين تذكُّرِ أوّلِها.. ونسيانِ آخِرها"؟

 أليس عاراً علينا أن نعيش كل يوم في حال، بينما يعيش الفلسطيني يوماً واحداً لا تتغير حاله منذ ستين عاماً:

"هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروبِ.. وفُوّهَةِ الوقتِ.. قُربَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِّ.. نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ.. وما يفعلُ العاطلونَ عن العمل.. نُرَبِّي الأمل".

بعد أن ظننت أنني قد بلغت آخر الحزن، وأنهيت مخزوني من الدموع، أسمع صياح الديكة في فجر غزة يعلو على صوت مراسل الجزيرة وائل الدحدوح فأبكي، في الصباح أرى طيوراً تطير في سماء غزة التي خلت للحظات من الطائرات فأبكي، ومحمود درويش يشاركني البكاء:

"عندما تختفي الطائراتُ تطيرُ الحماماتُ.. بيضاءَ بيضاءَ، تغسلُ خَدّ السماءِ.. بأجنحةٍ حرةٍ، تستعيدُ البهاءَ ومِلكيّةَ الجو واللّهو.. أعلى وأعلى تطير الحماماتُ.. بيضاء بيضاء، ليت السماءَ حقيقيةٌ، قال لي رجلٌ عابرٌ بين قُنبُلتين".

تريد (الجزيرة) وأخواتها تعويضنا عن حرمان الحرب الحديثة لنا من رؤية وجوه قاتلينا، فتدخلهم إلى بيوتنا ليصبح القتل رأياً آخر، أغلق الصوت الكريه، وقبل أن أغير القناة أو أغلق التلفزيون يداهمني حلم عابر أرى فيه المذيع يرمي أوراقه المعدة سلفاً ويهتف بصوت محمود درويش:

(إلى قاتلٍ:( لو تأملتَ وجهَ الضحيةِ.. وفكّرت، كُنتَ تذكرتَ أُمّكَ في غُرفةِ الغازِ.. كُنتَ تحررتَ مِن حِكمةِ البندقية.. وغيرتَ رأيكَ: ما هكذا تستعاد الهوية". 

يغور الوجه الصهيوني، وتحل صور جديدة لطفلة شهيدة، فيسأل مراسل الجزيرة تامر المسحال أبا الشهيدة عن اسمها فيجيبه الأب الذاهل: "كان اسمها يارا"، لكن محمود درويش يصحح لنا الاسم:

"الشهيدةُ بنتُ الشهيدةِ بنتُ الشهيدِ.. وأُختُ الشهيدِ وأُختُ الشهيدةِ كِنّةُ أُمِّ الشهيدِ حفيدةُ جدِّ شهيدٍ.. وجارةُ عمِّ الشهيدِ.. إلخ إلخ.. ولا شيء يحدثُ في العالمِ المتمدّنِ.. فالزمنُ البربريُّ انتهى.. والضحيةُ مجهولةُ الاسمِ، عاديةٌ.. والضحيةُ مثلُ الحقيقةِ نسبيةٌ إلخ إلخ"

أمام المشرحة يقف شهداء الغد في انتظار دفن شهداء اليوم إلى جوار شهداء الأمس، أتأمل في وجوه الشهداء وهم يسيرون سراعاً في الممرات الآمنة إلى الجنة فيحدثونني بلسان محمود درويش:

"الشهيد يوضِّحُ لي: لم أُفتِّش وراءَ المدى.. عن عَذارى الخلودِ، فإني أحبُّ الحياةَ على الأرضِ، بين الصَّنَوبِرِ والتّينِ، لكنني ما استطعتُ إليها سبيلاً.. ففتّشتُ عنها بآخرِ ما أملكُ: الدّمُ في جَسدِ اللاّزوَردِ.. الشهيدُ يُحذِّرني: لا تُصدِّق زغاريدَهُنّ.. وصَدِّق أبي حين ينظرُ في صورتي باكياً: كيفَ بَدّلتَ أدوارنا يا بُنيّ.. وسِرتَ أمامي.. أنا أولاً.. وأنا أولاً. 

الشهيدُ يُحاصرني: لا تَسِر في الجنازةِ.. إلا إذا كُنتَ تعرِفُني.. لا أريدُ مجاملةً من أحد.. سيشتدُّ هذا الحصارُ.. ليُقنعنا.. باختيارِ عُبوديّةِ لا تَضرُّ.. ولكن بِحُريةٍ كاملة.. أن تُقاومَ يعني: التأكُّدَ من صِحّةِ القلبِ والخصيتين.. ومن دائكَ المتأصّلِ: داءِ الأمل"

أنا برغم كل شيء ما زلت مع الأمل، أنا برغم كل التفاصيل المحبطة المقبضة مع محمود درويش، أنا برغم كل شيء يقوله اليائسون والساخطون والعقلانيون والمنفعلون، لست متأكداً من أي شيء سوى أنني فقط مع حق الإنسان الفلسطيني في الحياة، ولذلك سأصُمّ أذني عن كل ما أسمع من كلام معاد ممجوج، وأكتفي بأن "أرى ما يريد" محمود درويش، سأضم يدي إلى يده وأيدي كل من تبقى من الأطفال على قيد الحياة، وسأتركهم يعلمونني الدبكة الفلسطينية التي فشلت في تعلمها، وسنتصنع أننا لسنا مكترثين بشيء آخر، وسنردد سوياً بصوت أعلى من أصوات الطائرات والمزايدات والجعجعات:

"على هذه الأرضِ ما يستحقُّ الحياة: تَرَدّدُ إبريل، رائحةُ الخبزِ في الفجرِ، آراءُ امرأةٍ في الرجالِ، أولُّ الحُبِّ، عُشبٌ على حَجَرٍ، أُمّهاتٌ تَقِفنَ على خَيطِ نايٍ، وخوفُ الغُزاةِ من الذكريات.

على هذه الأرض ما يستحق الحياة، نهايةُ أيلولَ، سيدةُ تدخلُ الأربعينَ بكاملِ مُشمُشِها، ساعةُ الشمسِ في السجنِ، غيمٌ يُقلِّدُ سِرباً من الكائناتِ، هُتافاتُ شعبِ لمن يصعدونَ إلى حَتفهِم باسِمينَ، وخوفُ الطغاةِ من الأغنيات.

على هذه الأرض ما يستحق الحياة: على هذه الأرضِ سيّدةُ الأرضِ، أُمُّ البداياتِ أُمُّ النهاياتِ، كانت تُسمّى فِلسطينَ، صارت تُسمّى فِلسطينَ، سيّدتي: أستحقُّ، لأنّكِ سيّدتي، أستحقُّ الحياة".

....

نشرت هذه السطور الحائرة الحزينة عام 2008 وما زالت صالحة للنشر وأتمنى أن تفقد صلاحيتها للنشر يوماً ما، وليس عندي ما أضيفه إليها إلا مواصلة التمني من الله أن يحفظ فلسطين وينصر شعبها.