في الطريق إلى الكلية

22 سبتمبر 2020

حين كنت في الطريق إلى الكلية متحمسة للقاء أصدقائي أكثر من حماستي لاجتياز الامتحان تذكرت آخر لقاء بيننا، كنا قد غادرنا الكلية بعد انتهاء محاضرة المسرح المثيرة للسخط أكثر من المملة، ركبنا القطار الكهربائي وككل يوم استولينا بسرعة على ستة مقاعد قرب بعضها، كانت تلك مهمة صعبة تحكم كيف ستسير الرحلة بكاملها..

ما أتذكره من سفرنا اليومي كل يوم هو نقاشاتنا غير المنتهية والتي كانت أحيانا بصوت يعجز مراقبو التذاكر عن التحكم فيه، كنا نثير الانتباه والابتسامات وأحيانا الضحك، وفي أوقات أخرى - حين كنا نشرح الدروس خلال الساعة التي نقضيها على متن القطار - دعوات العجزة الجميلة.

نركب من آخر محطة "مدينة العرفان" وبعد ثلاث محطات ينزل الحسين في محطة "شارع فرنسا" وككل مرة تحاول كوثر التمسك به حتى يعود القطار للسير وأخبر -أنا- عبد الرحيم بنفس الجملة "عبد الرحيم، محطة العبودية" ويوافقني بحركة من رأسه.

تخلى الحسين عن دراجته الهوائية التي توصله إلى الكلية خلال خمس دقائق ليدفع مئة وخمسين درهماً شهرياً لأجل بضع دقائق معنا على القطار، فنحن في الكلية لسنا كما نحن في القطار، لكل مكان شيء يحفزنا ويحفز حديثاً ما عالقاً، قد لا ننتبه إليه لو اختلف الوضع ولو قليلاً.

لكننا لم نلتق الاثنين، بل يوم ثلاثاء بعد ستة أشهر من الحجر الصحي الذي أعلن عنه مساء يوم الجمعة كما لو أننا لم نفترق

 

تستمر الرحلة ساعة إلا ربعاً بالنسبة لي أنا وأختي وعبد الرحيم، فمحطتنا "حي كريمة" هي الأخيرة حين نعود، والأولى حين نغادر، تنزل نادية قبلنا بمحطة "تابريكت" وكوثر في محطة "الجولان"، وفي أحيان أخرى "محطة القطار سلا".

في آخر لقاء لم يتغير شيء، كل نزل في محطته، وصلنا إلى مدينتنا برائحتها المغبرة وجوها الأصفر، كان جدي، الذي ليس جدي الحقيقي، في مكانه، فحيانا، استمر عبد الرحيم في حديثه وممازحاته: 
- زكية، لو علم أبوك بهذا الجد ماذا سيقول؟
- لن يعرف.
- وإن عرف؟
- لن يعرف!

يضحك عبد الرحيم وصفاء وأبدأ تهديداتي المعتادة: 
- إن لم تتوقف عن هذا سوف أقتلك.
- وهل ستقدرين؟
- صفاء! إنه يستفزني!

وتضحك صفاء ويضحك عبد الرحيم وأضحك أنا.

حين نصل إلى نقطة الالتفاف التي نفترق فيها عن عبد الرحيم، نتوقف لنذكر بعضنا بالعروض المنتظر إنجازها والدروس والامتحانات القريبة، ثم أخيرا نوصي بعضنا بالاهتمام بأنفسنا. لكن المرة الأخيرة لم يكن هناك شيء مما ذكرت، كانت لصفاء وعبد الرحيم حصة يوم الجمعة وكان عطلة لي.

- صفاء! نلتقي غداً. هل ستأتين يا زكية؟ 
- لا أعرف، غالباً لا. 
- إذن أراك الاثنين.

لكننا لم نلتق الاثنين، بل يوم ثلاثاء بعد ستة أشهر من الحجر الصحي الذي أعلن عنه مساء يوم الجمعة كما لو أننا لم نفترق.

عدنا بعد الامتحان، نزل الحسين في محطة "شارع فرنسا" وكوثر في "محطة القطار سلا" ونادية في "تابريكت" ونحن في "حي كريمة". حين اجتزنا الساحة التي تحولت إلى سوق لكل شيء بلغنا الالتفاف، قال عبد الرحيم: إذن، نلتقي غدا.

قلت له: في آخر مرة وقفنا هنا قلت لي "أراك يوم الاثنين" ولم نلتق. 
ضحك وافترقنا.

دلالات