في الحنين إلى الكذب المتساوي

14 يناير 2021
+ الخط -

ربما انتهى الأمر بتسليمك لأجهزة الأمن "تسليم أهالي" لأنك تثير الفتنة وتزعزع الإستقرار، لكنني مع ذلك لن ألومك لو وجدتك واقفاً في الشارع تصرخ بعزم ما فيك: "رسّونا على بر يا أولاد الهرمة.. هوّ الشعب المصري عظيم وأبهر العالم؟ ولّا شعب نمرود فيه العبر ومحتاج اللي يشكمه؟ هيّ الدول المتقدمة لو مرعوبة مننا ليه بنتحايل عليها تساعدنا؟ وإزاي هتساعدنا وهي عارفة إننا لو تقدمنا هنضيعها؟ هوّ السيسي ليه ما ضربش سد النهضة طول الوقت اللي أثيوبيا كانت شغالة بناء فيه على قدم وساق؟ إزاي يبقى عندنا أعظم أجهزة أمنية في العالم عدد أفرادها بمئات الآلاف ومع ذلك كلهم معترفين إن البلد اخترقها في كذا ساعة خمسين واحد من حماس وحزب الله وبعدها نفضل واثقين في قيادات الأجهزة دي وكمان نوصّل واحد منهم لرئاسة البلاد؟".

للأسف لن ينشغل الكثيرون بالتفكير في أسئلتك، بقدر انشغالهم بمحاولة إسكاتك، فأبناء الشعب الذي اخترع المثل العبقري "كدب متساوي ولا صدق مجعرف"، لم يعد يزعج أغلبهم منذ سنوات "جعرفة" الكذب واهتراؤه وبؤسه، ولم يعودوا يطلبون حتى تجويد بضاعة الكذب التي تقدم لهم لكي تعيش أطول، فخوف أغلب الغلابة منهم من المجهول جعلهم يوافقون على الكذب ردئ السبك لكي يبرروا لأنفسهم سكوتهم على الظلم والهرتلة والعشوائية وإهدار كرامة الإنسان، أما قساة القلوب وغلاظ الأكباد منهم فهم لا يحتاجون أصلاً إلى مقياس لجودة الكذب، ولذلك أصبحت تجدهم متقلبين بين الكذبة ونقيضها في نفس اللحظة بقلب ميت، بل إنهم لم يعودوا محتاجين إلى أن تُنتج لهم الأكاذيب لكي يستهلكوها، فقد باتوا قادرين تلقائياً على إنتاجها وتطويرها وتفريخها وتعليم تلك المهارات لأنجالهم وأحفادهم.

لعلك نسيت ما حدث في عام 2013 حين أفردت أغلب وسائل الإعلام المصرية المقروءة والمرئية والمشمومة والمركوبة مساحات واسعة لتصريحات أصدرتها "مصادر سيادية عليا" تقول أن هناك اجتماعاً سرياً للغاية تم عقده في القاعدة العسكرية الأمريكية بمدينة دارمشتات بألمانيا حضره قادة في مخابرات اسرائيل وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وحلف شمال الأطلسي وتركيا، تحت عنوان "شلّ مصر من كافة النواحي"، وأصدر 29 تقريراً سرياً يتضمن توصيات عاجلة لتدمير مصر، ولكي تُخرَس ألسنة المشككين في تصريحات سيادية كهذه، تم نشر التصريحات مصحوبة بكلمة (بالمستندات)، فماذا كانت تلك المستندات يا ترى؟

ليس عندي شك أن "السياديين" الذين أطلقوا وظلوا وسيظلون يطلقون مثل هذه الأكاذيب يشعرون بالفخر البالغ، وهم يلمسون تأثيرها الفتاك على ملايين المواطنين الذين ينصاعون خلف ظلمهم

إذا قلت لي الآن أنها كانت أوراقاً مكتوبة باللغة الألمانية أو الإنجليزية فأنت بالتأكيد من سعداء الحظ القلائل الذين لم يشاهدوا الموضوع عند التهليل والتطبيل له في جميع وسائل الإعلام، ولذلك ربما لن تصدق أن المستندات المزعومة لم تكن سوى صورة زنكوغرافية لورقة يتيمة كُتب عليها ببنط غريب هذه السطور المبعثرة التي سأوردها بالنص: (اجتماع استراتيجي في دارمشتادت ألمانيا.. الموضوع: حول انقلاب مصر.. مكان الاجتماع: القاعدة العسكرية الأمريكية، التاريخ: 16 الى أغسطس 2013، الحضور:NSA - USA  وممثل عن الموساد، وممثل عن القوات البريطانية في قبرص وممثل عن وزارة الدفاع الفرنسية وممثل غرفة العمليات لحلف شمال الأطلسي)، وإذا كنت لا تصدقني فيمكن أن ترى تلك المهزلة بنفسك لو كتبت في أي خانة بحث عبارة (اجتماع استراتيجي في دارمشتادت ألمانيا)، وعندها سترى كيف أن موقعاً يفترض أنه إخباري وواسع الإنتشار مثل موقع صحيفة (المصري اليوم)، قام بنشر هذه الورقة التعيسة إياها ووضع اسمه عليها لكي يمنع غيره من استخدام تلك الوثيقة السرية المذهلة.

أذكر أنني كتبت مقالاً بعدها مباشرة في عمودي اليومي في صحيفة الشروق بعنوان (ومالها كوريا الشمالية يعني) سخرت فيه من تلك التصريحات السيادية قائلاً: "المسائل هكذا وسعت وبهوقت يا سادة، وأصبح مطلوبا من أجل لَمِّها أن يتخلى النظام الشاكم عن جو التلقيح والتسريب، لأنه إذا كنا قادرين بعون الله على اختراق حصون أعتى أجهزة المخابرات فى عقر دارها، فلماذا لا نعلن فورا قطع العلاقات مع هذه الدول التى تتآمر على مصير البلاد وتفكر فى حرمان الشعب المصرى من حكم السيسى له، لكى يفكر أى جرذ حقير متآمر ألف مرة قبل خوض قرار الترشح فى الانتخابات المقبلة التى لا أظن أنه سيكون هناك مبرر لإجرائها من أصله، وإذا كانت ظروف البرد القارس ستمنعنا من خوض الحرب الشاملة مع هذه الدول التى كشفت مصادرنا السيادية مؤامرتها فى الوقت المناسب، فإن ذلك يجب ألا يمنعنا من الإعلان الفورى عن قطع العلاقات الدبلوماسية معها، وقطع أيدى كل من تمتد يده إليها لطلب معونة أو بعثة دراسية أو حتى فيزة سياحة مع تخصيص لجنة رفيعة من المصادر السيادية لدراسة الحالات الخاصة التى تذهب للعلاج والتجارة لكى لا تكون مجالا لتسرب الجواسيس والخونة".

ولم يكن غريباً أن أتعرض بعد نشر تلك السطور التي يستحيل نشرها الآن لحملة عاتية من التشهير والتخوين، لم تؤلمني مثلما آلمني موقف قارئ قديم أعلم محبته لي وأثق في رجاحة عقله خاصة أنه حاصل على درجة علمية رفيعة، حيث قال لي ضمن وصلة من السباب المصحوب بالتعبير عن خيبة الأمل: "وبعدين فاكر نفسك فالح لما تطلب إننا نقطع العلاقات الدبلوماسية معاهم.. إنت ناسي إن الحرب خدعة يا حيلتها"، وحمدت الله أنه لم يكمل قائلا "وآهي أي حاجة تيجي منهم أحسن من عينهم وعافيتهم".

ظللت بعدها أحلم بالسفر إلى مدينة دارمشتات الألمانية، لأعاين من بعيد مقر القيادة العسكرية الأمريكية، وأكتب من وحي منظره فيلم جاسوسية مبهرا أتخيل فيه كفاح البطل المصري الذي شق السماء يومها واخترق القاعدة ونقل إلى قادته السياديين ما دار فيها من اجتماعات سرية للغاية، لكن حلمي تحطم تماماً بعد أن وصلتني رسالة قصيرة من المواطن المصري عمرو رزق عضو هيئة التدريس بجامعة هانوفر بألمانيا قال لي فيها بالنص: "أنا مصري مقيم بألمانيا من 12 سنة، درست وأقمت لمدة 8 سنين في دارمشتات، وأحب أؤكد لك أن القاعدة الأمريكية في دارمشتات مغلقة من سنين ومجلس المدينة قرر استخدامها لحل أزمة السكن في المدينة"، ليصبح حلمي بعد هذه الرسالة أن أزور المدينة الألمانية لأرى كيف يمكن أن يتم استخدام قاعدة عسكرية لحل أزمة السكن، لعلنا نستفيد من هذه التجربة يوماً ما.

برغم مرور هذه السنوات على نشر تلك الكذبة ذات الوثيقة المفبركة، ستجدها وأنت تقلب صفحات الإنترنت، وسترى كيف تورطت فيها العديد من الصحف والقنوات المصرية، وستجد مقالات وبوستات وتغريدات نارية قامت بالاستناد عليها لتبرير كل ما تقوم به دولة السيسي من قمع وظلم، ولتخوين كل من يعترض على ذلك أو حتى يشكك في جدواه، وستجد في طريقك العديد من المهازل المماثلة، مثل ذلك الخبر الذي ينسب إلى مصادر سيادية مسئولة "ضبطها لثلاثة أجانب أعضاء في شبكة تجسس تعمل لصالح مخابرات خمس دول أوروبية وترسل تقاريرها عبر سفارات تلك الدول"، وربما لو سألت من قام بنشره والاستشهاد به بكل وطنية زاعقة: كيف يمكن لمخابرات دول أوروبية أن تقوم بعمل جمعية للتجسس على مصر، بينما التجسس لا يحب اللمة كما هو معلوم منه بالضرورة؟ لاتهمك عندها بالحمورية لأنك لا تعرف أن أوروبا تمر بظروف اقتصادية صعبة مما ألجأها بالتأكيد إلى التجسس الجماعي على مصر توفيرا للنفقات، ولست محتاجا لذكاء خارق لتتوقع أنك لو سألته: طيب لماذا لا تغلق مصر سفارات تلك الدول لمعاقبتها وتقطع علاقاتها بها؟، لقال لك بنفس ثقة قارئي القديم "عشان الحرب خدعة يا حيلتها".

ليس عندي شك أن "السياديين" الذين أطلقوا وظلوا وسيظلون يطلقون مثل هذه الأكاذيب يشعرون بالفخر البالغ، وهم يلمسون تأثيرها الفتاك على ملايين المواطنين الذين ينصاعون خلف ظلمهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، لكن أولئك "السياديين" الجدد نسوا أن إدمان الناس لهذه الأكاذيب سيجعل من المستحيل التفاهم معهم بالحجة والمنطق عندما تذهب السكرة وتأتي الفكرة، ويتناسون الآن أن "سياديين" مثلهم كانوا يحكمون مصر من قبل في عصور مختلفة، وأنهم تمكنوا بفضل أكاذيب مثل هذه من قطع كل لسان مختلف ومن تشكيل جبهة داخلية كانت موحدة فعلا، لكنها كانت مخوّخة، ولذلك سرعان ما انهارت وذهبت هباءا منثورا، ولو كان هؤلاء حريصين على أن يبنوا "على نظيف" قواعد دولة راسخة بحق وحقيق، لأدركوا أن الأكاذيب قد تساعد حاكماً ظالماً على البقاء فترة من الوقت، لكنها لا يمكن أبداً أن تقود شعبا إلى التقدم الحقيقي أو تحمي دولة من الانهيار والانحدار، لكن من قال أن من أدمنوا عفن التسلخات وتصالحوا معها يمكن أن يدركوا خطورة التغيير على وساخة عليهم وعلى الذين يتشددون لهم؟